page 668, entry [863]Open original source
٦٧٤ - أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى ابن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس ابن عبد المطلب. ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة. سمع الحديث من أبى القاسم بن بشران، وأبى الحسين الحرانى، وأبى على ابن المذهب، وأبى إسحاق البرمكى، وأبى طالب بن العشارى، والوالد السعيد. أخبرنا شيخنا الشريف أبو جعفر - قراءة - قال: حدثنا أبو القاسم بن بشران - إملاء يوم الجمعة بعد الصلاة، لسبع خلون من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة - قال: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان قال: حدثنا محمد بن الفضل بن جابر السقطى قال: حدثنا أحمد بن محمد بن حفص الصفار قال: حدثنا محمد بن سواء عن هشام بن حسان عن الجارود عن عطية عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ «من كسا مسلما على عرى، كساه الله ﷿ من خضر الجنة. ومن سقاه على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم. ومن أطعمه على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة» وبدأ يدرس الفقه على الوالد السعيد، من سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، إلى سنة إحدى وخمسين. يقصد إلى مجلس الوالد السعيد، ويعلق الدرس، ويعيد فى الفروع وأصول الفقه. وبرع فى المذهب، ودرس وأفتى فى حياة الوالد السعيد. وكان مختصر الكلام، مليح التدريس، جيد الكلام فى المناظرة، عالما بالفرائض، وأحكام القرآن والأصول. صنف رءوس المسائل. وشرح من المذهب: الطهارة، وبعض الصلاة. وسلك فيه طريقة الوالد السعيد فى الجامع الكبير. وكان يدرس فى مسجد سكة الخرقى، وبجامع المنصور. ثم انتقل إلى الجانب الشرقى. فدرس فى المسجد المعروف به، مقابل دار الخلافة. وبدأت أنا بالتعليق عنه والدرس عليه فى أول سنة خمس وستين وأربعمائة. وصحبته إلى أن توفى ﵁. وكان يحضر معنا مجلسه جماعة من الأصحاب. وكان إذا بلغه منكر قد ظهر عظم عليه ذلك جدا، وعرف فيه الكراهة الشديدة وكان شديد القول واللسان فى أصحاب البدع، والقمع لباطلهم، ودحض كلمتهم وإبطالها ولم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه متظاهرين على أهل البدع، لا يرد يدهم عنهم أحد. وكان حسن الصيانة، عفيفا نزها. وكان أحد الشهود المذكورين. شهد عند قاضى القضاة، أبى على عبد الله الدامغاني فى يوم الثلاثاء الثانى من شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وشهد بعده القاضى أبو على يعقوب، وأبو الحسن المبارك بن عمر الخرقى. وتولى تزكيتهم الوالد السعيد. ولم يزل يشهد سنين كثيرة، إلى أن ترك الشهادة قبل وفاته بسنين كثيرة تورعا. ولم يزل على الطريقة الحسنة المرضية، سالكا نهج الوالد السعيد، والسلف الصالح الرشيد. ثم انتقل فى سنة ست وستين إلى باب الطاق. وسكن درب الديوان من الرصافة لأجل ما لحق نهر المعلّى من الغرق. ودرس بجامع المهدى، وبالمسجد الذى على باب درب الديوان. وكنت أمضى إليه فى طلب العلم إلى هناك، أنا وجماعة من الأصحاب. فكان له مجلس للنظر فى كل يوم اثنين. ويقصده جماعة من الفقهاء المخالفين. ويتكلم فى بعض الأوقات تارة مبتدئا، وتارة مستدلا إلى سنة تسع وستين. فوصل إلى مدينة السلام، بالجانب الشرقى ولد القشيرى، وأظهر على الكرسى مقالة الأشعرى، ولم تكن ظهرت قبل ذلك على رءوس الأشهاد، لما كان يلحقهم من أيدى أصحابنا وقمعهم لهم. فعظم ذلك عليه، وأنكره غاية الإنكار. وعاد إلى نهر المعلى منكرا لظهور هذه البدعة، وقمع أهلها، فاشتد أزر أهل السنة، وقويت كلمتهم، وأوقعوا بأهل هذه البدعة دفعات. وكانت الغلبة لطائفتنا: طائفة الحق. فلما أدحض الله تعالى مقالتهم، وكسر شوكتهم، عظم ذلك على رؤسائهم، وأجمعوا للهرب والخروج عن بلدنا إلى خراسان. فبلغ ذلك وزير الوقت فقال: ما الذى حملكم على ذلك؟ فأظهروا الشكاية مما قد تم عليهم. فوعدهم بأن يكف عنهم ذلك، واجتمعوا ودبروا على حضور شيخنا الشريف عندهم. فأنفذ إليه وزير الوقت. فقال: قد عرض أمر لا بد من مشاورتك فيه. فلما دخل إلى باب العامة عدلوا به إلى دار فى القرية، قد أفردت له. ومنع معظم الأصحاب من الدخول عليه، وكانوا قد تخرصوا عليه، ورفعوا إلى إمام الوقت الكذب والزور والبهتان، فى أشياء لا يحتمل كتابنا ذكرها. قد نزه الله تعالى مذهبنا وشيخنا وعنها. ولم يزل عندهم مدة أشهر. وكانوا قد عرضوا عليه أشياء من دنياهم فلم يقبلها، ولم يأكل لهم طعاما مدة مقامه عندهم. ودوام الصيام فى تلك الأيام. ودخلت عليه ذات يوم من تلك الأيام. فرأيته يقرأ فى المصحف. فقال لى: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ تدرى ما الصبر؟ فقلت: لا. فقال: هو الصوم. ولم يفطر حتى بلغ منه المرض نهايته. وكان يكثر الدرس للقرآن. فلما ثقل مرضه، وضج الناس من حبسه أخرج إلى الحريم الظاهرى بالجانب الغربى. فمات هناك. وكان الوالد السعيد - فى مرضه الذى مات فيه - قد أوصى بأن يغسله الشريف أبو جعفر، فحضر وتولى ذلك بنفسه. وعرف ذلك الإمام القائم بأمر الله. فلما حضرت القائم بأمر الله الوفاة قال: يغسلنى الذى غسل ابن الفراء: ابن أبى موسى. وعدل عن جميع أهل العلم والقضاة والأشراف. ففعل. وكان ذلك فى يوم الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. فصعد باب الغرفة وأدخل من هناك إلى حجرة الإمام القائم بأمر الله، وهو ميت مسجى فيها. فغسله وعاونه فى غسله - من صب ماء وغيره - عفيف وصافى وسلامة ومسعود. وتنزه أن يأخذ مما هناك شيئا، فقيل له: قد أوصى لك أمير المؤمنين بأشياء كثيرة من المال والثياب، هى حاضرة هناك، لها قيمة. فأبى أخذها، فقيل له: فقميص أمير المؤمنين تتبرك به. فأخذ فوطة نفسه، فنشف بها الإمام القائم بأمر الله وقال: قد لحق هذه الفوطة - وهى ملكى - بركة أمير المؤمنين (¬١) ولم يأخذ القميص فقلت له، بعد اجتماعى معه: أين سهمنا مما كان هناك؟ فقال: أحييت حال شيخنا والدك الإمام أبى يعلى، يقال: هذا غلامه تنزه عن هذا القدر الكثير. فكيف لو كان الوالد السعيد؟ ولو ذهبت أشرح طريقته وزهده وورعه لما احتمله هذا الموضع. وحاله أشهر، وأمره أظهر من ذلك. ولقد بلغ من قدره ومحله عند الإمام المقتدى بأمر الله: أنه لما فرغ شيخنا الشريف من غسل الإمام القائم بأمر الله: لم يأذن له بالمصير إلى منزله، حتى بايع الناس الإمام المقتدى بأمر الله على الإجماع، واستدعاه لبيعته مفردا مخليا به. فبايعه، ثم قال له شيخنا الشريف فى جملة كلامه له: إذا سيد منا مضى، قام سيد … قئول بما قال الكرام فعول ثم أذن له بالمضى إلى منزله بعد بيعته. وانتهى إليه فى وقته الرحلة بطلب مذهب إمامنا أحمد. وتوفى يوم الخميس النصف من صفر سنة سبعين وأربعمائة، وأخرجت جنازته فى غداة يوم الجمعة، وحضرت الجنازة. وكان يوما مشهودا لكثرة الخلق، وعظم الحزن والبكاء. وكان جمعا لم أر مثله لجنازة بعد جنازة الوالد السعيد. وتقدم للصلاة عليه أخوه أبو الفضل بجامع المدينة. وحفر له بجنب قبر إمامنا أحمد. فدفن فيه. وأخذ الناس من تراب قبره الكثير تبركا به. ولزم الناس قبره ليلا ونهارا مدة طويلة، ويقرءون ختمات ويكثرون الدعاء (¬١) ولقد بلغنى أنه ختم على قبره فى مدة شهور ألوف ختمات. وكثرت المنامات من الصالحين بالرؤى الصالحة له. فمن جملة مارئى له فى المنام بعد وفاته: أن الرائى له حكى: أنه قال له: ما فعل الله بك؟ فقال: لما وضعت فى قبرى، رأيت قبة من درة بيضاء، لها ثلاثة أبواب، وقائل يقول: هذه لك، ادخل من أى أبوابها شئت. ورآه إنسان آخر فى المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: التقيت بأحمد بن حنبل، فقال لى: يا أبا جعفر، لقد جاهدت فى الله حق جهاده. وقد أعطاك الله تعالى الرضا. ورآه أبو بكر المعروف بابن القيمة فى المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال له: مات الناس. وكنت آخرهم، أو كما قال.