page 559, entry [799]Open original source
٦١٤ - إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا، أبو إسحاق البزار. جليل القدر، كثير الرواية، حسن الكلام فى الأصول والفروع. سمع من أبى بكر الشافعى، وأبى بكر أحمد بن آدم الوراق، ودعلج بن أحمد، ومحمد بن القاسم المقرئ، وعبد العزيز بن محمد اللؤلؤى، وابن مالك، وابن الصواف، وأحمد بن القاسم بن دوست، وأبى بكر السلمانى، وأبى بكر عبد العزيز - وحاضره - وأبى عبد الله الحسين بن على بن محمد المخرّمى، المعروف بابن شاصو. قال ابن شاقلا: وقرأت عليه فى جامع الخليفة: حدثكم أبو على الحسين بن إسحاق الخرقى. قال: وسأله - يعنى أحمد بن محمد بن حنبل - عن رجل مسافر إذا عزم على إقامة: فى كم يتم الصلاة؟ قال: أربعة أيام. قلت له: فحديث عمران ابن حصين «أن النبى ﷺ أقام بمكة سبع عشرة يقصر الصلاة»؟ فقال: إنما كان النبى ﷺ أراد حنينا. وروى عنه أبو حفص العكبرى، وأحمد بن عثمان الكبشى، وعبد العزيز غلام الزجاج. قرأت بخط الوالد السعيد قال: نقلت من خط أبى بكر بن شاقلا قال: أخبرنا أبو إسحاق بن شاقلا - قراءة عليه - قال: قلت لأبى سليمان الدمشقى: بلغنا أنك حكيت فضيلة الرسول ﷺ فى ليلة المعراج، وقوله فى الخبر «وضع يده بين كتفى، فوجدت بردها - وذكر الحديث». فقال لى: هذا إيمان ونية. لأنه أريد منى روايته. وله عندى معنى غير الظاهر. قال: وأنا لا أقول مسّه. فقلت له: وكذا تقول فى آدم لما خلقه بيده؟ قال: كذا أقول. إن الله ﷿ لا يمس الأشياء. فقلت له: سويت بين آدم وسواه، فأسقطت فضيلته، وقد قال الله تعالى (يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى؟) قلت له: هذا رويته: لأنه أريد منك - على رغمك - وله عندك معنى غير ظاهره، وإلا سلمت الأحاديث التى جاءت فى الصفات، ويكون لها معانى غير ظاهرها، أو ترد جميعها؟ فقال لى: مثل أى شئ؟ فقلت له: مثل الأصابع، والساق، والرجل، والسمع والبصر، وجميع الصفات التى جاءت فى الأخبار الصحاح، حتى إذا سلمتها كلمناك على ما ادعيته من معانيها التى هى غير ظاهرها؟ فقال لى منكرا لقولى: من يقول رجل؟ فقلت: أبو هريرة عن النبى ﷺ. فقال: من عن أبى هريرة؟ فقلت: همام. فقال: من عن همام؟ فقلت: معمر. فقال: من عن معمر؟ فقلت: عبد الرزاق. فقال لى: من عن عبد الرزاق؟ فقلت له: أحمد بن حنبل. فقال لى: عبد الرزاق كان رافضيا. فقلت له: من ذكر هذا عن عبد الرزاق؟ فقال لى: يحيى بن معين. فقلت له: هذا تخرص على يحيى، إنما قال يحيى: كان يتشيع، ولم يقل رافضيا. فقال لى: الأعرج عن أبى هريرة: بخلاف ما قاله همام. قلت له: كيف؟ قال: لأن الأعرج قال «يضع قدمه» فقلت له: ليس هذا ضد ما رواه همام. وإنما قال هذا «قدم» وقال هذا «رجل» وكلاهما واحد. ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع من النبى ﷺ مرتين. وحدث به أبو هريرة مرتين. فسمع الأعرج منه فى إحدى المرتين ذكر «القدم» وسمع منه همام ذكر «الرجل» فقال لى: همام غلط. فقلت له: هذا قول من لا يدرى. ثم قال لى: والأصابع فى حديث ابن مسعود، تقول به؟. فقلت له: حديث ابن مسعود صحيح من جهة النقل. رواه الناس، ورواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. فقال لى: هذا قاله اليهودى. فقلت له: لم ينكر رسول الله ﷺ قوله، قد ضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقا لقوله. فأنكر أن يكون هذا اللفظ مرويا من أخبار ابن مسعود. فقلت له: بلى، هذا رواه منصور والأعمش جميعا عن إبراهيم عن أبى عبيدة «أن يهوديا أتى النبى ﷺ، فقال: يا محمد، إن الله ﷿ يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والخلائق على إصبع، والشجر على إصبع - وروى: والثرى على إصبع - ثم يقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ، تصديقا لما قال الحبر» هكذا رواه الثورى وفضيل ابن عياض. فقال لى: قد نزل القرآن بالتكذيب، لا بالتصديق. فقال الله تعالى (٦٧:٣٩ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)﴾ فقلت له: قد نزل القرآن بالتصديق، لا بالتكذيب، بدلالة قوله تعالى فى سياق الآية ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ثم نزه نفسه ﷿ عما يشرك به من كذب بصفاته، فقال ﴿(سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ)﴾ وقوله ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ لا يمنع من إثبات الأصابع صفة له، كما ثبتت صفاته التى لا أختلف أنا وأنت فيها، ومع هذا: فما قدروا الله حق قدره كذلك أيضا نثبت الأصابع صفة لذاته ﵎ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ فلما رأى ما لزمه قال: هذا ظن من ابن مسعود، أخطأ فيه. فقلت له: هذا قول من يروم هدم الإسلام، والطعن على الشرع. لأن من زعم أن ابن مسعود ظن، ولم يستيقن، فحكى عن النبى ﷺ على ظنه: فقد جعل إلى هدم الإسلام مقالته هذه، بأن يتجاهل أهل الزيغ، فيتهجموا على كل خبر جاء عن النبى ﷺ لا يوافق مذهبهم فيسقطونه. بأن يقولوا: هذا ظن من الصحابة على رسول الله ﷺ، إذ لا فرق بين ابن مسعود وسائر الصحابة ﵃. وهذا ضد ما أجمع عليه المسلمون. وقد أكذب القرآن مقالة هذا القائل فى الآية التى شهد فيها لابن مسعود بالصدق فى جملة الصحابة. ثم قلت له: و «الأصابع» قد رواها عن النبى ﷺ أيضا أصحابه. منهم أنس بن مالك، فى حديث الأعمش عن أبى سفيان عن أنس ﵁. قال «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبّت قلبى على دينك. قال قلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله ﷿، يقلبها» ثم قال لى: تروى حديث أبى هريرة «خلق آدم على صورته» ويومئ إلى أنه مخلوق على صورة آدم. فقلت له: قال أحمد بن حنبل: من قال إن آدم خلقه الله ﷿ على صورة آدم: فهو جهمى. وأى صورة كانت لآدم قبل خلقه؟ فقال لى: قد جاء الحديث عن أبى هريرة عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورة آدم». فقلت له: هذا كذب على النبى ﷺ. فقال لى: بلى، قد جاء فى الحديث «طوله ستون ذراعا» على أنه آدم. فقلت له: قد رد هذا، وليس هو الذى ادعيت على رسول الله ﷺ. لأنك قلت عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورة آدم» ثم استدللت بقوله «ستون ذراعا» على أنه آدم، وهذا خبر جاء عن النبى ﷺ من وجهين. فأبو الزناد عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته» وروى جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ عن النبى ﷺ قال «لا تقبحوا الوجوه. فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» قال أبو إسحاق: وهذا الحديث يذكر عن إسحاق بن راهويه: أنه صحيح مرفوع. وأما أحمد بن حنبل: فذكر أن الثورى أوقفه على ابن عمر. فكلاهما الحجة فيه على من خالفه. فإن كان رفعه صحيحا إلى النبى ﷺ: فقد سقط العذر، وإن كان ابن عمر القائل له: فقد اندحض بقول ابن عمر تأويل من حمل قوله «على صورته» قال أبو إسحاق: وهذا لم يجر بينى وبينه، وإنما بينته لأصحابى ليفهموه. ثم قلت له: قوله «خلق آدم على صورته» لا يتأول لآدم على صورة آدم، لما قاله أحمد «وأى صورة كانت لآدم قبل خلقه؟» فقد فسد تأويلك من هذا الوجه. وفسد أيضا بقول ابن عمر عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ﵎» وأما الاستدلال بقوله ﷺ «طوله ستون ذراعا» فإن كانت هذه اللفظة محفوظة: فكان قوله «خلق آدم على صورته» فتم الكلام. ثم قال «طوله ستون ذراعا» إخبارا عن آدم بذلك، على حديث الثورى عن أبى الزناد عن موسى بن أبى عثمان عن أبيه عن أبى هريرة ﵁ عن النبى صلّى الله عليه وسلم أنه قال «إن الله ﷿ خلق آدم على صورته» ذكرت بدلالة حديث ابن عمر ﵄، وما ذكرته عن أحمد. فقال لى - جوابا عن حديث أنس «إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها» - إنما هما نعمتان. فقلت له: هذا الخبر، يقول «إن الإصبعين نعمتان؟» واليدين صفة للذات. ولم يتقدمك بهذا أحد إلا عبد الله بن كلاب القطان، الذى انتحلت مذهبه، ولا عبرة فى التسليم للأصابع، والتأويل لها على ما ذكرت: إن القلوب بين نعمتين من نعم الله ﷿. ثم قال لى: وهذا مثل روايتكم عن ابن مسعود فى قوله ﷿ (٤٢:٦٨ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ)﴾ إن الله ﷿ يكشف عن ساقه يوم القيامة؟ فقلت له: هذا رواه ابن مسعود عن النبى ﷺ. فأنكره عن النبى ﷺ. وقال: هذا من كلام ابن مسعود. وقد روى عن ابن عباس أنه قال «الشدة» فقلت له: إنما نذكر ما جاء عن الصحابة إذا لم نجد عن النبى ﷺ فقال لى: تحفظه عن النبى ﷺ؟ قلت: نعم. هذا رواه المنهال ابن عمرو عن أبى عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبى ﷺ قال «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، وينزل الله ﷿ فى ظلل من الغمام - وذكر الحديث بطوله - وقال فيه: فيأتيهم الله ﵎، فيقول لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: لنا إله. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، بيننا وبينه علامة، إن رأيناها عرفناه. قال: فيقول: ما هى؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يكشف عن ساقه، قال: فيخر من كان بظهره طبق، ويبقى قوم ظهورهم كأنها صياصى البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون» فى حديث فيه طول، وقد روى أيضا من طريق أبى سعيد الخدرى ﵁ عن النبى ﷺ. فقال: أبو هارون العبدى عن أبى سعيد الخدرى؟ فقلت له: هذا فى صحيح البخارى. فليس من شرطه أبو هارون العبدى، لضعفه عنده، وعند أئمة أهل العلم، ولم يحضرنى إسناده فى وقت كلامى له. وأخرجته من صحيح البخارى كما ذكرته: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد ابن زياد المقرئ - يعرف بالنقاش - قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد ابن إسماعيل البخارى قال: حدثنا آدم قال: حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال: سمعت النبى ﷺ يقول «يكشف ربنا ﵎ عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة. ويبقى من كان يسجد له فى الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا» ثم قال لى: وتقول بحديث ابن عباس ﵄ عن النبى ﷺ «رأيت ربى»؟ فقلت له: رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى ﷺ. فقال لى: حماد بن سلمة ضعيف. فقلت: من ضعفه؟ فقال لى: يحيى القطان. فقلت له: هذا تخرص على يحيى، لم يقل يحيى هذا، وإلا فمن حدثك؟ فلم يقل من حدثه. وقال لى: أيما أثبت عندك؟ حماد بن سلمة، أو سماك؟ قلت: حماد بن سلمة أثبت، وسماك مضطرب الحديث. فنازعنى فى هذا. والذى أجبته به: بأن حماد بن سلمة ثقة، وسماك مضطرب الحديث: هو جواب أحمد فيهما، ولم أدر ما أراد بسماك؟ وخرجنا من ذلك، ولم أسأله. ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول. فليس لأحد أن يمنعها، ولا يتأولها ولا يسقطها. لأن الرسول ﷺ لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه. ولكان الصحابة - حين سمعوا ذلك من الرسول ﷺ سألوه عن معنى غير ظاهرها. فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا، ونقبل طوعا ما قبلوا. فقال لى: أنتم المشبهة. فقلت حاشا لله، المشبه الذى يقول: وجه كوجهى، ويد كيدى. فأما نحن فنقول: له وجه، كما أثبت لنفسه وجها. وله يد، كما أثبت لنفسه يدا. وليس كمثله شئ وهو السميع البصير. ومن قال هذا فقد سلم. ثم قلت له: أنت مذهبك أن كلام الله ﷿ ليس بأمر ولا نهى، ولا متشابه، ولا ناسخ ولا منسوخ، ولا كلامه مسموع. لأن عندك: الله ﷿ لا يتكلم بصوت، وأن موسى لم يسمع كلام الله ﷿ بسمعه. وإنما خلق الله ﷿ فى موسى فهما فهم به. فلما رأى ما عليه فى هذا من الشناعة قال: فلعلى أخالف ابن الكلاب القطان فى هذه المسألة من سائر مذهبه ثم قلت له: ومن خالف الأخبار التى نقلها العدل عن العدل موصولة، بلا قطع فى سندها، ولا جرح فى ناقليها، وتجرأ على ردها: فقد تهجم على رد الإسلام. لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت. فقال لى: الأخبار لا توجب عندى علما. فقلت له: يلزمك على قود مقالتك: أنك لو سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وطلحة والزبير وسعدا وسعيدا وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة ابن الجراح، يقولون: سمعنا رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا: أنك لا تعلم أن النبى ﷺ قال من ذلك شيئا، لقولهم «سمعنا» فلم ينكر من ذلك شيئا، غير الشناعة ثم قال لى: أخبار الآحاد فى الصفات: اغسلها. وهى عندى والتراب سواء. ولا أقول منها إلا بما قام فى العقل تصديقه. قلت له: فلم أتعبت نفسك فى كتبها، وسعيت إلى الشيوخ فيها، وأنصبت نفسك وأتعبتها، وأسهرت ليلك بما لا تدين الله ﷿ به، ولا تزداد به علما؟ فأجابنى بأن قال: كتبته حتى أتمم به الأبواب، إذا أردت تخريجها. فقلت له: تخرج للمسلمين ما لا تدين به؟ فقال: نعم. لأعرفه. فقلت له: تعنّى المسلمين على قود مقالتك، والحق فى غير ما ذكرت؟ ثم قلت له: خرقت الإجماع. لأن الأمة بأسرها اتفقت على نقلها، ولم يكن نقل ذلك عبثا ولا لعبا، ولو كان نقلهم لها كترك نقلهم لها: لكانوا عابثين، وحاشا لله من ذلك. ومن كانت هذه مقالته فقد دخل تحت الوعيد فى قوله ﷿ (١١٥:٤ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً)﴾ ولما كانت أخبار الآحاد فى الصفات لا توجب عملا: دل على أنها موجبة للعلم فسقط بهذا ما ادعاه من لم ينتفع بعلمه، وتهجم على إسقاط كلام الرسول ﷺ بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه: برأيه وظنه ثم ذكرت حساب الكفار: فقال لى: قد روى عن النبى صلّى الله عليه حديث أبى الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبى ﷺ «إن الكافر ليحاسب حتى يقول: أرحنى، ولو إلى النار» فهلا قلت به؟ فقلت له: ليس يحل ما روى صحيحا أو سقيما أن نقول به. وإنما تعبدنا بالصحيح دون السقيم. والصحيح معلوم عند أهل النقل بعدالة ناقليه متصلا إلى المخبر عنه، والسقيم معلوم بجرح ناقليه. وهذا الخبر الذى رويته: رواه إبراهيم بن مهاجر بن مسمار - يعنى: وهو متروك الحديث ضعيف عند أهل العلم - وليس مثل هذا مما تقوم به حجة. فقال لى: فأى شئ معك فى أنهم لا يحاسبون؟ فقلت له: إن شئت من كتاب الله، وإن شئت من سنة رسول الله ﷺ. وإن شئت من قول صحابته ﵃. فقال لى: منكرا لقولى فى الصحابة من قال هذا؟ فقلت: نعم. قرأت على أبى عيسى يحيي بن محمد بن سهل الخصيب العكبرى - بعكبرا - قال: حدثنا محمد بن صالح بن ذريح العكبرى، قال: حدثنا محمد بن هناد بن السرى قال: حدثنا معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت «من حوسب دخل الجنة» يقول الله تعالى (٧:٨٤ - ٩ ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً)﴾ ويقول للآخرين، يعنى الكفار (٣٩:٥٥ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ)﴾ فقال لى: قد سمعت هذا الحديث من أبى على الصواف قال: حدثنا أبو بكر ابن عبد الخالق قال: حدثنا أبو الحسين عبد الوهاب الوراق عن أبى معاوية الضرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، بمثل معناه، يعنى «من حوسب دخل الجنة» فقال لى: هو المسلم المحترم. فقلت له: جمعت بين ما فرق الله ﷿، لأن الله ﷿ يقول (٣٥:٦٨، ٣٦ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟)﴾ قال أبو إسحاق: وكان عندنا: أن أبا سليمان يقول: إن الكافر والمؤمن يحاسبان. فعلى قوله: إن المؤمن لا يحاسب، وإن الكافر يحاسب. وهذه عصبية للكافر، خرج بها عن جملة أهل العلم قلت له: أنت تتكلم على المسلمين، فتحشو أسماعهم بكلام الكلبى الكذاب فيما يخبر عن مراد الله تعالى عن الأمم الخالية، التى لم يشاهدها، فلا يكون عندك هذيان. ثم تجئ إلى مثل حديث إبراهيم النخعى عن علقمة عن عبد الله - حديث الخبر - فتقول: هذا هذيان. وهذا قول من تقلده: خرج عندى من الدين. وسلك غير طريق المسلمين. وهذا ما جرى بيننا، إلا ما أخللت به. فلم أتيقن حفظه. والله سبحانه الموفق لإدراك الصواب. وقال أبو إسحاق بن شاقلا: حدثنا عبد العزيز بن جعفر قال: سمعت أبا محمد البخارى - وكان عبدا صالحا. وكان من أصحاب المروذى - قال: غسلت ميتا. فمضى الذى يصب الماء علي فى حاجة. ففتح عينيه، وقبض على زندى، وقال لى: يا أبا محمد، أحسن الاستعداد لهذا المصرع. وعاد إلى حاله (¬١) قال: وسئل الشيخ - يعنى أبا بكر - عن المصلوب: هل تضغطه الأرض؟ فقال: قدرة الله لا يتكلم عليها. أرأيت رجلا لو قطعت يده، أو رجله، أو لسانه فى بلد ومات فى بلد آخر: هل ينزل الملكان على الكل منه؟ وهذا فى القدرة. واليد فى معنى التبع. قال: وسأل رجل شيخنا أبا بكر عن قول الله تعالى (٤٢:٣٩ ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها)﴾ وقال الله (١١:٣٢ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ)﴾ وقال تعالى (٦١:٦ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا)﴾ فقال: ملك الموت يعالجها، فإذا بلغت منتهاها، قبضها الله ﷿، فقيل له: قد استوى فى ذلك الفاضل والكافر والمسلم. فما فضله عليه؟ فقال: لما لم يكن بينهما فرق فى ابتداء الخلق فى نفخ الروح، فكذلك فى الانتهاء فى قبضها، وكذلك لم يكن بينهما فرق فى التكوين فى الابتداء، وكذلك فى الموت فى الانتهاء. وهذا معنى ما قال. وكانت لأبى إسحاق بن شاقلا حلقتان. إحداهما: بجامع المنصور، والحلقة الثانية: بجامع القصر وحج سنة تسع وأربعين. ومات سنة تسع وستين، قيل: فى سلخ جمادى الآخرة. وقيل: فى مستهل رجب. وكان له ابنان: على، وحسن. وكان سنه يوم مات: أربع وخمسون سنة. وغسله أبو الحسن التميمى