page 261, entry [426]Open original source
٣٦٩ - القاسم بن سلام، أبو عبيد. كان أبوه عبدا روميا لرجل من أهل هراة. ويحكى أن سلاّما خرج يوما وأبو عبيد مع ابن لمولاه فى الكتاب، فقال للمعلم: علمى القاسم. فانها كيّسة سمع اسماعيل بن جعفر، وشريكا، واسماعيل بن عياش، وهشيم بن بشير، وسفيان بن عيينة، واسماعيل بن علية، ويزيد بن هارون، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم. وكان يقصد إمامنا أحمد. ويحكى عنه أشياء. منها: ما رواه أبو بكر بن أبى الدنيا قال: قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: زرت أحمد بن حنبل. فلما دخلت عليه بيته قام فاعتنقنى، وأجلسنى فى صدر مجلسه. فقلت: يا أبا عبد الله، أليس يقال: صاحب البيت - أو المجلس - أحق بصدر بيته، أو مجلسه؟ قال: نعم، يقعد، ويقعد من يريد. قال: فقلت فى نفسى: خذ إليك أبا عبيد فائدة. ثم قلت: يا أبا عبد الله، لو كنت آتيك على حق ما تستحق لأتيتك كل يوم. فقال: لا تقل ذاك. فان لى إخوانا ما ألقاهم فى كل سنة إلا مرة، أنا أوثق فى مودتهم ممن ألقى كل يوم. قال قلت: هذه أخرى يا أبا عبيد. فلما أردت القيام قام معى. قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله. قال فقال: قال الشعبى «من تمام زيارة الزائر: أن يمشى معه إلى باب الدار، ويؤخذ بركابه» قال قلت: يا أبا عبد الله، من عن الشعبى؟ قال: ابن أبى زائدة عن مجالد عن الشعبى. قال قلت: يا أبا عبيد، هذه ثالثة. أنبأنا أبو الحسين بن المهتدى بالله حدثنا عبيد الله بن حبابة حدثنا القاضى أبو الحسين عمر بن الحسن بن الأشنانى حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشى - وحدثنا عمر بن عامر التمار حدثنا جعفر بن سليمان بن على الهاشمى قال حدثنى أبى عن أبى قلابة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «من أخذ بركاب رجل لا يرجوه ولا يخافه غفر له» وقال الشعبى «أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت، فقال: أتمسك بى وأنت ابن عم رسول الله ﷺ؟ قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء» وقال ابن الجعابى: قال أبو عبيد: قلت لأحمد بن حنبل: كيف تصنع بمنازلك ببغداد؟ قال: أؤدى عن مسكنى وغلّتى عن كل جريب قفيزا أو درهما. قال فقلت له: المسكن لا شئ فيه. قال: قد أذن عمر بن الخطاب ﵁ لهم أن يسكنوا، ولكن أؤدى عما فضل عن مسكنى: عن كل جريب قفيزا أو درهما وقال الأثرم: كنت عند أبى عبيد - القاسم بن سلام - وهم يذكرون المسائل. فجرت مسألة، فأجبت فيها، قال: فقال رجل منهم: من قال هذا؟ قلت: رجل لا أعلم بالمشرق ولا بالمغرب أكبر منه: أحمد بن حنبل. قال أبو عبيد: صدق. قلت أنا: قد أقام ببغداد، ثم ولى القضاء بطرسوس ثمانى عشرة سنة. وخرج بعد ذلك إلى مكة، فسكنها حتى مات بها. قال أبو الحسين بن المنادى: وأبو عبيد القاسم بن سلام: كان ينزل بدرب الريحان، ثم خرج إلى مكة فى سنة أربع وعشرين ومائتين. وذكره ابن درستويه النحوى، فقال: وممن جمع صنوفا من العلم، وصنف الكتب فى كل فن من العلوم والآداب: أبو عبيد القاسم بن سلام. وكان مؤدبا لابن هرثمة. وصار فى ناحية عبد الله بن طاهر. وكان ذا فضل ودين وسنن، ومذهب حسن. روى عن أبى زيد الأنصارى. وأبى عبيدة، والأصمعى، واليزيدى، وغيرهم من البصريين. وروى عن ابن الأعرابى، وأبى زياد الكلابى، وعن الأموى، وأبى عمرو الشيبانى، والكسائى، والفراء. وروى الناس من كتبه المصنفة بضعة وعشرين كتابا. فى القرآن، والفقه، وغريب الحديث، وغريب المصنف، والأمثال، ومعانى الشعر، وغير ذلك. وبلغنا أنه كان إذا ألف كتابا أهداه إلى عبد الله بن طاهر، فيحمل إليه مالا خطيرا، استحسانا لذلك. وقال الفسطاطى: كان أبو عبيد مع ابن طاهر. فوجه إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيد مدة شهرين، فأنفذ إليه أبا عبيد، فأقام شهرين. فلما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم. فلم يقبلها، وقال: أنا فى جنبة رجل ما يحوجنى إلى صلة غيره، ولا آخذ ما فيه علىّ نقص. فلما عاد إلى ابن ظاهر وصله بثلاثين ألف دينار، بدلا مما وصله به أبو دلف. فقال له: أيها الأمير، قد قبلتها منك، ولكن قد أغنيتنى بمعروفك وبرك، وكفايتك عنها. وقد رأيت أن أشترى بها سلاحا وخيلا، وأوجه بها إلى الثغر، ليكون الثواب متوافرا على الأمير، ففعل. ولما عمل أبو عبيد كتاب غريب الحديث عرضه على عبد الله بن طاهر فاستحسنه، وقال: إن عقلا بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب لحقيق أن لا يحوج إلى طلب المعاش. فأجرى له عشرة آلاف درهم فى كل شهر. وقال محمد بن وهب: قال أبو عبيد: كنت فى تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة. وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها فى موضعها من هذا الكتاب. فأبيت ساهرا فرحا منى بتلك الفائدة. وأحدكم يجيئنى، فيقيم عندى أربعة أشهر، وخمسة أشهر، فيقول: قد أقمت الكثير. وقيل: أول من سمع هذا الكتاب من أبى عبيد: يحيى بن معين. وقال جعفر بن محمد بن على بن المدينى: سمعت أبى يقول: خرج أبى إلى أحمد بن حنبل يعوده وأنا معه، قال: فدخل إليه، وعنده يحيى بن معين - وذكر جماعة من المحدثين - قال: فدخل أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال له يحيى بن معين اقرأ علينا كتابك الذى عملته للمأمون «غريب الحديث» فقال: هاتوه، فجاءوا بالكتاب. فأخذه أبو عبيد. فجعل يبدأ يقرأ الأسانيد، ويدع تفسير الغريب قال فقال له أبى: يا أبا عبيد، دعنا من الأسانيد، نحن أحذق بها منك. فقال يحيى بن معين لعلى بن المدينى: دعه يقرأ على الوجه يقرأ على الوجه. فان ابنك محمدا معك، ونحن: فنحتاج أن نسمعه على الوجه. فقال أبو عبيد: ما قرأته إلا على المأمون. فإن أحببتم أن تقرؤه فاقرءوه. قال فقال له على بن المدينى: إن قرأته علينا وإلا فلا حاجة لنا فيه، ولم يعرف أبو عبيد على بن المدينى. فقال ليحيى بن معين: من هذا؟ قال: على بن المدينى، فالتزمه وقرأه علينا. فمن حضر ذلك المجلس جاز أن يقول «حدثنا» وغير ذلك فلا يقول وقال أبو عبيد: المتبع للسنة كالقابض على الجمر. وهذا اليوم أفضل عندى من ضرب السيف فى سبيل الله ﷿ وقال عباس بن محمد: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو عبيد القاسم بن سلام ممن يزداد عندنا كل يوم خيرا واختلف فى وفاته. فقال البخارى: مات أبو عبيد سنة أربع وعشرين ومائتين وقال غيره: سنة ثلاث وعشرين بمكة. وقيل: سنة اثنتين وعشرين فى خلافة المعتصم.