page 88, entry [110]Open original source
٨٦ - إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشر بن عبد الله بن ديسم، أبو إسحاق الحربى. ولد سنة ثمان وتسعين ومائة. وسمع أبا نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وعبد الله بن صالح العجلى، وإمامنا أحمد فى آخرين. ونقل عن إمامنا مسائل سمعناها. ونحن نسوق ما تيسر منها. روى عنه أبو بكر بن أبى داود وأبو بكر بن الانبارى، وأبو بكر النجاد، وأبو عمر الزاهد، فى آخرين. وكان إماما فى العلم، رأسا فى الزهد، عارفا بالفقه، بصيرا بالأحكام، حافظا للحديث. وصنف كتبا كثيرة. منها: غريب الحديث، ودلائل النبوة، وكتاب الحمام، وسجود القرآن، وذم الغيبة. والنهى عن الكذب. والمناسك. وغير ذلك. قال إبراهيم: رأيت رجالات الدنيا، فلم أر مثل ثلاثة: رأيت أحمد بن حنبل يعجز النساء أن يلدن مثله. ورأيت بشر بن الحارث من قرنه إلى قدمه مملوءا عقلا. ورأيت أبا عبيد كأنه جبل نفخ فيه علم. وقال إبراهيم الحربى: ما شكوت إلى أمى ولا إلى أختى ولا إلى امرأتى، ولا إلى بناتى حمّى قط وجدتها. الرجل هو الذى يدخل غمه على نفسه. ولا يغم عياله. وكان بى شقيقة خمسا وأربعين سنة، ما أخبرت بها أحدا قط. ولى عشرون سنة أبصر بفرد عين ما أخبرت بها أحدا قط. وأفنيت من عمرى ثلاثين سنة برغيفين، إن جاءتنى بهما أمى أو أختى أكلت، وإلا بقيت جائعا عطشانا إلى الليلة الثانية. وأفنيت ثلاثين سنة من عمرى برغيف فى اليوم والليلة، إن جاءتنى به امرأتى أو إحدى بناتى أكلته، وإلا بقيت جائعا عطشانا إلى الليلة الأخرى. والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة، إن كان برنيا، أو نيفا وعشرين إن كان دقلا. ومرضت ابنتى فمضت امرأتى، فأقامت عندها شهرا. فقام إفطارى فى هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف. ودخلت الحمام واشتريت لهم صابونا بدانقين فقامت نفقة شهر رمضان كله بدرهم وأربعة دوانيق ونصف. وأخبرنا على البندار عن ابن بطة قال سمعت أبا بكر بن أيوب العكبرى يقول: سمعت إبراهيم الحربى يقول: ما تزوجت ولا زوجت قط ولا أكلت من شئ واحد فى يوم مرتين. وأنبانا أبو بكر المقرئ عن ابن سمعون قال قال أحمد بن سليمان القطيعى أضقت إضاقة، فمضيت إلى إبراهيم الحربى لأبثه ما أنا فيه. فقال لى: لا يضق صدرك. فإن الله من وراء المعونة. وإنّي أضقت مرة حتى انتهى أمرى فى الإضاقة إلى أن عدم عيالى قوتهم. فقالت لى الزوجة: هب أنى أنا وإياك نصبر فكيف نصنع بهاتين الصبيتين؟ فهات شيئا من كتبك حتى نبيعه أو نرهنه فضننت بذلك، وقلت: اقترضى لهما شيئا، وأنظرينى بقية اليوم والليلة. وكان لى بيت فى دهليز دراى فيه كتبى. فكنت أجلس فيه للنسخ وللنظر. فلما كان فى تلك الليلة إذا داقّ يدق الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: رجل من الجيران فقلت: ادخل فقال: أطفئ السراج حتى أدخل. فكببت على السراج شيئا. وقلت: ادخل. فدخل وترك إلى جانبى شيئا وانصرف. فكشفت عن السراج ونظرت، فإذا منديل له قيمة، وفيه أنواع من الطعام وكاغد فيه خمسمائة درهم. فدعوت الزوجة، وقلت: أنبهى الصبيان حتى يأكلوا، ولما كان من الغد قضينا دينا كان علينا من تلك الدراهم: وكان وقت مجئ الحاج من خراسان. فجلست على بابى من غد تلك الليلة. فإذا جمّال يقود جملين عليهما حملان ورقا. وهو يسأل عن منزل الحربى، فانتهى إلىّ، فقلت: أنا إبراهيم. فحط الحملين، وقال: هذان الحملان أنفذهما لك رجل من خراسان. فقلت: من هو؟ فقال: قد استحلفنى أن لا أقول من هو. وقال أبو عثمان الرازى: جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربى بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد، يسأله عن أمير المؤمنين أن يفرق ذلك، فرده. فانصرف الرسول، ثم عاد فقال: إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرقه فى جيرانك. فقال: عافاك الله. هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه، فلا نشغلها بتفرقته. قل لأمير المؤمنين: إن تركتنا وإلا تحولنا من جوارك. وقال أبو القاسم بن الختلى: اعتل إبراهيم الحربى علة أشرف فيها على الموت، فدخلت عليه يوما. فقال لى: يا أبا القاسم، أنا فى أمر عظيم مع ابنتى. ثم قال لها: قومى أخرجى إلى عمك، فخرجت. فألقت على وجهها خمارها، فقال لها إبراهيم: هذا عمك كلميه. فقالت لى: نحن فى أمر عظيم، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة: الشهر والدهر مالنا طعام إلا كسرا يابسة وملحا، وربما عدمنا الملح. وبالأمس قد وجه إليه المعتضد مع بدر ألف دينار، فلم يأخذها. ووجه إليه فلان وفلان فلم يأخذ منهما شيئا. وهو عليل. فالتفت الحربى إليها وتبسم، وقال: ياينية، إنما خفت الفقر؟ قالت: نعم. قال لها: أنظرى إلى تلك الزاوية، فنظرت، فإذا كتب، فقال: هناك اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب، كتبته بخطى، إذا مت فوجهى فى كل يوم بجزء تبيعينه بدرهم. فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم ليس هو فقير وأنبأنا الحسن بن على الجوهرى حدثنا محمد بن العباس الخزاز قال: سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد اللغوى يقول: سمعت ثعلبا يقول: ما فقدت إبراهيم الحربى من مجلس نحو أو لغة خمسين سنة. وقال إبراهيم الحربى: ما أخذت على علم قط أجرا ولا مرة واحدة. فإنى وقفت على باب بقال، فوزنت له قيراطا إلا فلسا، فسألنى عن مسئلة فأجبته. فقال للغلام: أعطه بقيراط ولا تنقصه شيئا فزادنى فلسا. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبى يقول: امض إلى إبراهيم الحربى حتى يلقى عليك الفرائض. ولما مات سعيد بن أحمد بن حنبل جاء ابراهيم الحربى إلى أحمد بن حنبل، فقام إليه عبد الله، فقال: تقوم إلى؟ فقال عبد الله: لم لا أقوم؟ والله لو رآك أبى لقام إليك. فقال الحربى: والله لو رأى ابن عينية أباك لقام إليه. وقال محمد بن صالح القاضى: لا نعلم أن بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربى فى الأدب والحديث، والفقه، والزهد وقال ابراهيم الحربى لجماعة عنده: من تعدون الغريب فى زمانكم هذا؟ فقال واحد منهم: الغريب من نأى عن وطنه. وقال آخر: الغريب من فارق أحبابه. وقال كل واحد منهم شيئا. فقال ابراهيم: الغريب فى زماننا رجل صالح عاش بين قوم صالحين، إن أمر بالمعروف آزروه، وإن نهى عن المنكر أعانوه. وإن احتاج الى سبب من الدنيا ما نوه، ثم ماتوا وتركوه وقال محمد بن خلف وكيع: كان لإبراهيم الحربى ابن. وكان له إحدى عشرة سنة، قد حفظ القرآن، ولقنه من الفقه شيئا كثيرا. قال: فمات، فجئت أعزيه، قال فقال لى: كنت أشتهى موت ابنى هذا. قال قلت: يا أبا اسحاق، أنت عالم الدنيا، تقول مثل هذا فى صبى قد أنجب، ولقنته الحديث والفقه؟ قال: نعم، رأيت فى النوم كأن القيامة قد قامت، وكأن صبيانا بأيديهم قلال فيها ماء، يستقبلون الناس يسقونهم. وكأن اليوم يوم حار شديد حره. فقلت لأحدهم: اسقنى من هذا الماء. قال: فنظر إلىّ وقال: لست أبى. فقلت: إيش أنتم؟ فقال: نحن الصبيان الذين متنا فى دار الدنيا، فخلفنا آباءنا نستقبلهم فنسقيهم الماء. قال: فلهذا تمنيت موته وقال محمد بن عبد الله الكاتب: كنت يوما عند محمد بن يزيد المبرد، فأنشد: جسمى معى، غير أن الروح عندكم … فالجسم فى غربة. والروح فى وطن فليعجب الناس منى: أن لى بدنا … لا روح فيه. ولى روح بلا بدن ثم قال: ما أظن قالت الشعراء أحسن من هذا. قلت: ولا قول الآخر؟ قال: هيه، قلت: الذى يقول: فارقتكم، وحييت بعدكم … ما هكذا كان الذى يجب فالآن ألقى الناس معتذرا … من أن أعيش وأنتم غيب قال: ولا هذا. قلت: ولا قول خالد الكاتب: روحان لى: روح تضمنها جسد … وأخرى حازها بلد وأظن شاهدتى كغائبتى … بمكانها تجد الذى أجد قال: ولا هذا. قلت: أنت إذا هويت الشئ ملت إليه. ولم تعدل إلى غيره. قال: لا، ولكنه الحق. فأتيت ثعلبا فأخبرته. فقال ثعلب: ألا أنشدته غابوا فصار الجسم من بعدهم … ما تنظر العين له فيّا بأى وجه أتلقاهم … إذا رأونى بعدهم حيّا؟ يا خجلتى منهم، ومن قولهم: … ما ضرك الفقد لنا شيئا قال: فأتيت ابراهيم الحربى، فاخبرته. فقال: ألا أنشدتهم: يا حيائى ممن أحب إذا … ما قال بعد الفراق: إنّي حييت لو صدقت الهوى على الصحة … لما نأى لكنت تموت قال: فرجعت إلى المبرد، فقال: أستففر الله إلا هذين البيتين، يعنى بيتى إبراهيم الحربى وقال ابراهيم الحربى: ما أنشدت بيتا من الشعر الا قرأت بعده ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات وقال عيسى بن محمد الطومارى: دخلت على ابراهيم الحربى، وهو مريض وقد كان يحمل ماؤه إلى الطبيب. وكان يجئ إليه ويعالجه. فجاءت الجارية وردت الماء. وقالت: مات الطبيب. فبكى، ثم أنشأ يقول: إذا مات المعالج من سقام … فيوشك للمعالج أن يموت وقال على بن الحسن البزار: سمعت ابراهيم الحربى يقول، وقد دخل عليه قوم يعودونه. فقالوا: كيف تجدك يا أبا اسحاق؟ قال: أجدنى كما قال الشاعر: دب فىّ البلاء سفلا وعلوا … وأرانى أذوب عضوا فعضوا بليت جدّتى بطاعة نفسى … فتذكرت طاعة الله نضوا وذكر أبو عبد الرحمن السّلمى: أنه سأل الدارقطنى عن إبراهيم الحربى؟ فقال: كان إماما. وكان يقاس باحمد بن حنبل فى علمه وزهده وورعه وحدث عبيد الله بن أبى الفتح عن الدارقطنى قال: أبو اسحاق الحربى إمام مصنف عالم بكل شئ، بارع فى كل علم صدوق. مات ببغداد سنة خمس وثمانين ومائتين. وقال إسماعيل الخطمى: مات أبو اسحاق ابراهيم بن اسحاق الحربى يوم الاثنين لتسع بقين من ذي الحجة. ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من ذى الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين. وصلّى عليه يوسف بن يعقوب القاضى فى شارع باب الأنبار. وكان الجمع كثيرا جدا. وكان يوما فى عقب مطر ووحل. ودفن فى بيته ﵀ وقال ابراهيم الحربى: سئل أحمد عن الرجل يختم القرآن فى شهر رمضان فى الصلاة: أيدعو قائما فى الصلاة، أم يركع ويسلم ويدعو بعد السلام؟ فقال: لا، بل يدعو فى الصلاة وهو قائم بعد الختمة. قيل له: فيدعو فى الصلاة بغير ما فى القرآن؟ قال: نعم وقال إبراهيم الحربى: وسئل أحمد عن رجل صلّى فى جماعة: أيؤم بتلك الصلاة؟ قال: لا. ومن صلّى خلفه يعيد. قيل له: فحديث معاذ؟ قال: فيه اضطراب. وإذا ثبت فله معنى دقيق، لا يجوز مثله اليوم وقال ابراهيم أيضا: وسئل أحمد عن رجل حرّ مات، وليس له وارث، وله أخ مملوك تحته زوجة حرة؟ فقال: يؤمر المملوك بأن يمسك عن وطء زوجته، حتى يعلم: هل بها حمل أم لا؟ فان بان بها حمل فهو يرث عمه الحر. وإن لم يكن بها حمل كان ميراثه لبيت المال. قيل له: إلى كم يمسك عن وطئها؟ قال: حتى تحيض، ويتبين أنه ليس عندها حمل وقال ابراهيم الحربى أيضا: التابعون كلهم خير. وخيرهم: أحمد بن حنبل. وهو عندى من أجلهم، يقولون: من حلف بالطلاق أن لا يفعل شيئا ثم فعله ناسيا. فكلهم يلزمونه الطلاق وقال ابراهيم الحربى: كل شئ أقول لكم: هذا قول أصحاب الحديث. فهو قول أحمد بن حنبل، هو ألقى فى قلوبنا منذ كنا غلمانا اتباع حديث النبى ﷺ، وأقاويل الصحابة والاقتداء بالتابعين وأنبانا على البندار عن ابن بطة قال: سمعت شيخنا أبا حفص ﵀، لا مرّة ولا مرات، إلا ما لا أحصيه يقول: سمعت ابراهيم الحربى يقول: يقول الناس: أحمد بن حنبل بالتوهم. والله ما أعرف لأحد من التابعين عليه مزية. ولا أعرف أحدا يقدره قدره، ولا نعرف من الإسلام محله. ولقد صحبته عشرين سنة، صيفا وشتاء وحرا وبردا، وليلا ونهارا، فما لقيته لقاة فى يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس. ولقد كان يقدم أئمة العلماء من كل بلد، وإمام كل مصر فهم بجلالتهم ما دام الرجل خارجا عن المسجد. فاذا دخل المسجد صار غلاما متعلما وسئل ابراهيم الحربى: كيف سمعت أحمد يقول فى القراءة خلف الإمام؟ فقال: إما ألف مرة، إن لم أقل، فقد سمعته يقول: يقرأ فيما خافت. وينصت فيما جهر. قلت لإبراهيم الحربى: فإيش ترى أنت؟ قال: أنا ذاك علمنى، وعنه أخذت، وصحبته وأنا غلام. وكل شئ يلقيه إلينا أخذته عنه، وتمسك به قلبى. فانا عليه، أقرأ إذا لم أسمع. وإذا جهر استمعت. ومن خالفنى أهونت به وقال ابراهيم الحربى: قبر على بن أبى طالب رضى الله لا يدرى أين هو