page 7956, entry [7323]Open original source
٥٩٥٠ - الشيخ الفاضل المولى سِنَان الدّين يُوسُف بن الْمولى حضر بك ابْن جلال الدّين، رَحِمهم الله تَعَالَى * ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما، فَاضلا، كثير الِاطِّلَاع على الْعُلُوم عقلياتها وشرعياتها. وَكَانَ ذكيا فِي الْغَايَة، يتوقد ذكاء وفطنة، وَكَانَ لحدّة ذهنه وَقُوَّة فطنته يغلب على طبعه الشريفْ إيراد الشكوك والشبهات، وقلما يلْتَفت إلى تَحْقِيق الْمسَائِل، وَلِهَذَا كَانَ يلومه وَالِده عَلَيْهِ. يرْوى أنه كَانَ يَأْكُل مَعَه اللَّحْم يَوْمًا فِي طبق، فلامه على ميله إلى الشكوك، وَقَال: بلغ بك الشكوك إلى مرتبَة يُمكن أن تشكّ فِي أن هَذَا الظّرْف من نُحَاس، قَالَ: يمُكن ذَلِك، لأن للحواسّ أغاليط، فَغَضب وَالِده عَلَيْهِ، وَضرب بالطبق على رَأسه. وَلما مَاتَ وَالِده كَانَ هُوَ فِي جوَار الْعشْرين من سنه، فَأعْطَاهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مدرسة بـ "أدرنه"، ثمَّ أعطاه مدرسة دَار الحَدِيث بـ "أدرنه"، ثمَّ جعله معلّما لنَفسِهِ، وَمَال إلى صحبته، وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ. وَلما جَاءَ الْمولى عَليّ القوشجي إلى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان حرض السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الْمولى سِنَان باشا على تعلم الْعُلُوم الرياضية مِنْهُ، فَأرْسل هُوَ الْمولى لطفى، وَكَانَ من تلامذته فِي ذَلِك الْوَقْت إلى الْمولى عَليّ القوشجي، فَقَرَأَ هُوَ على الْمولى عَليّ القوشجي الرياضية، وَأخْبر كل مَا سمع مِنْهُ للْمولى سِنَان باشا، حَتَّى أكمل الْعُلُوم الرياضية كلهَا. وَكتب بِأَمْر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان حَوَاشِي على "شرح الجغميني" لقَاضِي زَاده الرُّومِى، ثمَّ جعل السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الْمولى الْمَذْكُور وزيرا، وتقرب عِنْده غَايَة التَّقَرُّب، فَطلب السُّلْطَان مُحَمَّد خَان يَوْمًا رجلا من الْعلمَاء يكون أمينا على خَزَنَة كتبه، فَذكر عِنْده الْمولى لطفى، فَجعله أمينا على تِلْكَ الخزانة، ووقف هُوَ بواسطته على لطائف الْكتب وغرائب الْعُلُوم، مَعَ أنه وَقع بَينه وَبَين السُّلْطَان مُحَمَّد خَان أمْر كَانَ سَببا لعزله وحبسه. لما سَمعه عُلَمَاء الْبَلدة اجْتَمعُوا فِي الدِّيوَان العالي، وَقَالُوا: لَا بُد من إطلاقه من الْحَبْس إلا نحرق كتبنَا فِي الدِّيوَان العالي، ونترك مملكتك، فَأخْرجهُ، وَسلمهُ إليهم، وَلما سكنوا أعطاه قَضَاء سفر يحصار مَعَ مدرسته، وَأخرجه فِي ذَلِك الْيَوْم من "قسطنطينية"، فَخرج. وَلما وصل إلى "أزنيق" أرسل خَلفه طَبِيبا، ووقال عالجه، لقد اختلّ عقله، فَأعْطَاهُ الطَّبِيب الْمَذْكُور شربة، وَضرب كل يَوْم خمسين عَصا، فَلَمَّا سَمعه الْمولى ابْن حسام الدّين أرسل كتابا إلى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، وَقَالَ لَهُ: إما أن ترفع هَذَا الظُّلم، وإما أن أخْرُج من مملكتك، فَرفع عَنهُ الظُّلم الْمَذْكُور. وَذهب هُوَ إلى سفر يحصار، وَأقَام هُنَاكَ بِمَا لَا يمُكن شَرحه من الكآبة والحزن، وَمَات السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، وَهُوَ فِيهَا. وَلما جلس السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة أعطَاهُ مدرسته دَار الحَدِيث بـ "أدرنه"، وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم، وَكتب هُنَاكَ حَوَاشِي على مبَاحث الْجَوَاهِر من "شرح المواقف"، وَأورد أسئلة كَثِيرَة على السَّيِّد الشريف، حَتَّى أنه يُورد سؤالين أوْ ثَلَاثَة فِي سطر وَاحِد، فنصحه بعض أصحابه. وَقَالَ: لَا بُدْ من انتخاب تِلْكَ الأسئلة، لأن السَّيِّد رفيع الشَّأْن، فَأذن للطلبة أن يطالعوا تِلْكَ الأسئلة، فأسقط مِنْهَا مَا أجابوا عَنهُ. ثمَّ تقاعد عَن المناصب فِي شهر رَمَضَان الْمُبَارك فِي سنة سبع وَثَمانِينَ وَثَمَانمِائَة، وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم عَن محصول سرخانه، ثمَّ أعطاه فِي شهر ذِي الْقعدَة فِي السّنة الْمَذْكُورَة تيمارا على وَجه الضميمة، ثمَّ صَار فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة أمير "كليبولي". وَله كتاب بالتركية فِي مُنَاجَاة الْحق ﷾، وإنه إنشاء لطيف، أظهر فِيهِ شوقه الْعَظِيم إلى جَانب الحْق ﷾، وَكتاب آخر بالتركية أيضا فِي مَنَاقِب الأولياء. ثمَّ إنه مَاتَ بـ "قسطنطينة"، وَدفن بجوار أبي أيوب الأنصاري، عَلَيْهِ رَحْمَة الْملك الْبَارِي فِي سنة إحدى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة، وَلم يُوجد لَهُ فِي بَيته حطب يسخن بِهِ الماء، وَذَلِكَ لإفراطه فِي السخاء، ووصوله إلى حد السَّرف. وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى محبا للمشايخ، يلازمهم، ويستمدّ مِنْهُم، سِيمَا الشَّيْخ ابْن الْوَفَاء، قدّس سرّه الْعَزِيز. وَحكي أن الشَّيْخ ابْن الْوَفَاء كَانَ يجْهر بالبسملة، وَكَانَ حَنَفِيّ الْمَذْهَب، فَجمع الْمولى الكوراني عُلَمَاء "قسطنطينية" فِي الْجَامِع، وَهُوَ مفت بها، ليحضروا الشَّيْخ ابْن الْوَفَاء، ويمنعوه عَن الْعَمَل بِخِلَاف الْمَذْهَب، فَاجْتمعُوا، وَكَانُوا ينتظرون الْمولى سِنَان باشا، فَلَمَّا حضر هُوَ قَالَ: مَا الدَّاعِي إلى هَذَا الِاجْتِمَاع، فَبين الْمولى الكورني سَببه، فَقَالَ هُوَ: إِذا حضر الرجل وَقال: إني اجتهدت فِي هَذِه المسئلة، فَأدى اجتهادي إلى الْجَهْر بالبسملة احضروا لَهُ الْجَواب، قَالَ لَهُ الْمولى الكوراني: أمجتهد هُوَ؟ قَالَ: نعم، إنه يعلم التَّفْسِير بالبطون السَّبْعَة، ويحفظ من السّنة الصِّحَاح السِّتَّة، وَهُوَ عَارِف بشرائط الِاجْتِهَاد وَالْقَوَاعِد الأصولية، قَالَ الْمولى الكوراني: أنت تشهد بِهَذَا؟ قَالَ: نعم، قَالَ للحاضرين: قومُوا، فَمن كَانَ لَهُ مثل هَذَا الشَّاهِد لَا يَنْبَغِي أن يُعَارض، فَتَفَرَّقُوا عَن الْمجْلس. * * *