page 7823, entry [7247]Open original source
منزلته في الاجتهاد وبعد غوره في التأصيل والتفريع: والاجتهاد هو استفراغ المجهود في استنباط الحكم الفرعي عن دليله وشرط مطلقه على الكتاب بمعانيه شرعا ولغة وإفرادا وتركيبا وسليقة أو تعلّما، وعمل السنّة متنا وسندا، وعلم موارد الإجماع، ووجوه القياس الشرعي إلى غير ذلك مما هو مبسوط في أصول الفقه، وأبو يوسف كان من أفذاذ أركان المجمع الفقهي الذي كان يرأسه أبو حنيفة في "الكوفة"، كان يشارك الجماعة بقسط وافر في تحقيق المسائل وتدقيق الدلائل، وتدوين الأجوبة الممحَّصة إلى وفاة أبي حنيفة تسعا وعشرين سنة، مع بعض فترات يسيرة انقطع فيها عن مجلس أبي حنيفة، ولازمه سبع عشرة سنة بلا انقطاع أصلا، فمثل أبي يوسف في ذكائه المفرط وحافظته الخارقة للعادة وإقباله الكلّي على العلم إذا لازم ذلك المجلس بتلك المواهب وبتلك المثابرة لا بدّ من أن تثمر مواهبه، ويعلو شأنه في الاجتهاد، ويحوز مرتبة الاجتهاد المطلق إن حافظ على انتسابه لأبي حينفة، عرفانا لجميل أستاذه عليه في تكوينه العلمي. وقد شهد له أبو حنيفة أنه أعلم أهل الأرض في طبقته، كما روى الطحاوي بسنده عن أسد بن الفرات على ما في "تاريخ الخطيب"، وشهد له الحافظ الفقيه علي بن الجعد صاحب "الجعديات" المشهور بأنه ما رأى مثله، وقال ابن أبي عمران شيخ الطحاوي، وقد رأى على بن الجعد الثوري، والحسن بن صالح، ومالكا، وابن أبي ذئب، والليث بن سعد، وشعبة بن الحجّاج. اهـ. كما أسنده الصيمري فيكون بهذا الكلام فضله عليهم. وقول الأعمش له: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة عند جوابه استنباطا من حديث بريرة الذي كان حدّثه به، وقوله له أيضا: إني رويت هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك، ولم أعرف تأويله إلا الساعة شهادة له بدقّة الاستنباط أيضا، بل قال طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد: هو أفقه أهل عصره، ولم يتقدم عليه أحد في زمانه، وقال يحيى بن خالد: قدم علينا أبو يوسف، وأقلّ ما فيه الفقه، وقد ملأ بفقهه ما بين الخافقين، وقال عبد الله بن داود الخريبي الحافظ: كان أبو يوسف قد اطلع على الفقه اطلاعا، يتناوله كيف يشاء، كما أخرجه ابن أبي العوام بسنده إليه، وكان يشهد له أبو حنيفة بالغلبة في مناظراته مع زفر بن الهذيل المعروف ببالغ الذكاء، وقوة الحجّاج، كما ورد بطرق عنه وقوة حفظه مضرب الأمثال، وسعته في معرفة الآثار وشدّة تمسّكه بها موضع اتفاق، فلا يكون بلوغ مثله لدرجة الاجتهاد المطلق موضع تردّد. ومن المعروف: تقسيم المجتهدين إلى مجتهد مطلق مستقلّ غير منتسب، ومجتهد مطلق منتسب، ومجتهد مقيَّد بمذهب، مجتهد فيه على أصول إمامه، كما ذكره ابن حجر المكّي في "شن الغارة"، ونقله بنصّه عبد الحي اللكنوي في "النافع الكبير"، وجرى عليه أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي في "الإنصاف في أسباب الخلاف"، وإن لم يوفيا البحث حقّه من التمحيص، ومع ذلك هو أقرب إلى الصواب مما عمله ابن الكمال الوزير في سرد درجات للفقه وتوزيع الفقهاء عليها، -سواء كان له سلف في ذلك أم لم يكن-، ولم يصب في أحد من الأمرين، لا في ترتيب الطبقات، ولا في توزيع الفقهاء عليها، وإن لقي استحسانا من المقلدة بعده، وكان في نفس الشيخ عبد الحي اللكنوي وقفة في صنيع ابن الكمال، وقد شفى ما في نفسه عمل الناقد العصامي الشهاب المرجاني في كتابه "ناظورة الحق" من تعقب يهدم الأمرين: الترتيب والتوزيع معا، فعاد الأمر إلى نصابه بتحقيقه، فجزاه الله عن العلم خيرا، وأنقل هنا في الهامش (¬١) رسالة ابن الكمال في طبقات الفقهاء بنصّها = المذكورة، على حسب القواعد، التي قررها أستاذهم أبو حنيفة رحمة الله عليه، وعيَّنها، فإنهم وإن خالفوه في بعض الأحكام الفرعية، لكنهم يقلّدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب، ويفارقونهم، كالشافعي، ونظرائه المخالفين لأبي حنيفة رحمة الله عليه في الأحكام، غير المقلّدين له في الأصول (الثالثة): طبقة المجتهدين في المسائل، التى لا رواية فيها عن صاحب المذهب، كالخصّاف، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلوائي، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وغيرهم، فإنهم لا يقدرون على المخالفة للشيخ، لا في الفروع ولا في الأصول، لكنّهم يستنبطون الأحكام في المسائل، التي لا نصَّ فيها عنه على حسب أصول، قرَّرها ومقتضى قواعد بسطها. (الرابعة): طبقة أصحاب التخريج من المقلّدين، كالرازي، وأصحابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيل مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم، محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب أو واحد من أصحابه المجتهدين، برأيهم ونظرهم في الأصول، والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع، وما وقع في بعض المواضع من "الهداية" من قوله: كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل. (الخامسة): طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، كأبى الحسين القدروي، وصاحب "الهداية" وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح دراية، وهذا أصحّ رواية، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للناس. (السادسة): طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر المذهب وظاهر الرواية والروايات النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين، كصاحب "الكنز"، وصاحب "المختار"، وصاحب = للاطلاع على الترتيب والتوزيع المردودين، كما سأنقل في آخر كتابي هذا نصّ تعقب المرجاني على طوله للحاجة الماسة إلى الإيقاظ لكثرة المغترين بكلام ابن الكمال. وإنزال أبي يوسف وأمثاله إلى درجة المجتهد في المذهب، كما فعل ابن الكمال حطّ لمنزلتهم وبخس لحقهم وإخسار في الميزان عند من يعرف مقادير الرجال، ولذا قال المرجاني في أبي يوسف وزفر ومحمد بن الحسن: وحالهم في الفقه إن لم يكن أرفع من مالك والشافعي وأمثالهما فليسوا بدونهما كما سيأتي، والحق أن الاجتهاد له طرفان: أعلى وأدنى، وفيما بين الطرفين درجات متفاوتة جدّ التفاوت، ومنازل متخالفة كلّ التخالف، فلا تظهر منزلة الفقيه بمجرد عدّه من طبقة أهل الاجتهاد المطلق المستقل، وكم بين الذين حافظوا على الانتساب من هو أعلى منزلة من الذين حاولو الاستقلال، على أن الاستقلال بالمعنى الصحيح لا يوجد بين الأئمة المتبوعين المعروفين، فضلا عمن بعدهم، لأن أبا حنيفة تابع في معظم اتجاهه طريقة فقهاء "العراق" من أصحاب علي وابن مسعود ﵄، وأصحاب أصحابهم، ولا سيّما إبراهيم النخعي وأما مالك بن أنس، فيجري على منحى ابن عمر وزيد بن ثابت، ﵄، وأصحابهما وأصحاب أصحابهما إلى الفقهاء السبعة بـ "المدينة" وأصحابهم، لا سيّما إبراهيم النخعي، ولا سيّما ربيعة الرأي، وأما الشافعي فقد حذا حذو ابن عباس رضى الله عنهما، وأصحابه، وأصحاب أصحابه بـ "مكة"، كمسلم بن خالد وغيره، مع الاغتراف من البحرين: فقه "العراق"، وفقه "الحجاز" على المنهجين، وكان في قديمه محافظا على انتسابه لمالك إلى أن ردّ عليه عيسى بن أبان، وفي جديدة (¬١). كان على استقلاله يغلب عليه مسائل محمد، وموافقة المجتهد للمجتهد ليست من تقليده له، بل من معرفته للحكم بدليله، كمعرفة الآخر، وليس ادّعاء ابن خزيمة وابن المنذر أنهما ما قلّدا أحدا منذ بلغا الحلم برافعهما فوق المجتهدين المنتسبين إلى مستوى المستقلين في الاجتهاد في الحقيقة، والأول هو الذى ساعد محمد بن عبد الحكم في ردّه على الشافعي ردا قاسيا، والثاني يرمي بعزو المسائل إلى غير قائليها، وبتقوية الضعيف وتضعيف القوي، وقد نقل عن أبي بكر القفّال وأبي علي بن خيران، والقاضي حسين أنهم قالوا: لسنا مقلّدين للشافعي، بل وافق رأينا رأيه، وليس هذا يرافعهم أيضا إلى طبقة الإمام الشافعي ﵁، كما هو ظاهر، وليس للمتأخّر نكران جميل المتقدّم عليه بسبقه في تدوين العلم، وأخذه عنه، وقال أبو الوليد عند تحدّثه عمن بلغ درجة الاجتهاد، وجمع إليه سائر العلوم في المذهب المالكي، ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلا لإسماعيل (¬٢) القاضي، كما نقله ابن فرحون، وأين هذا من ادّعاء ابن عرفة الاجتهاد لبعض شيوخه، مع اختلاف المالكية في ابن القاسم، هل هو مجتهد في المذهب أم مقلّد لمالك، ثم على ما هو مشروح في ترجمتي أبي زيد وأبي موسى ابني الإمام التلمساني المالكي، وترى النووي ينقل في "تهذيب الأسماء واللغات" في ترجمة المزني عن إمام الحرمين قوله: أرى كلّ اختيار للمزني تخريجا، فيلحق بالمذهب، فإنه لا يخالف أقوال الشافعي، لا كأبي يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان أصول صاحبهما، فيكون المزني في نظره في طبقة المجتهد في المذهب، وأبو يوسف ومحمد فوق مرتبة المجتهد في المذهب، لظهور مخالفتهما للإمام في الأصول والفروع، وإن حافظا علي انتسابهما له، عرفانا لجميله العظيم عليهما، وأما قول القائل: إنهما لا يقولان بقول، إلا إذا كان قولا سمعاه منه، فسنتحدّث عنه في فصل خاص، إن شاء الله تعالى.