page 7813, entry [7244]Open original source
حافظته القوية وذكاؤه البالغ: ذكر أبو الفرج بن الجوزي أبا يوسف في "جزئه" في المائة الأفذاذ من حفّاظ هذه الأمة من جهة قوة الحفظ مطلقا، غير مقتصر على حفظ الحديث، وقال: إنه كان يحفظ خمسين وستين حديثا بسماع واحد، ثم يحدّث بها، يعني بأسانيدها، وهذا الجزء، يسمى "أخبار الحافظ"، يوجد بظاهرية "دمشق"، إلا أنه تنقصه الورقة الأولى. وقال ابن عبد البر في "الانتقاء": أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن الفضل بن العبّاس، قال: أخبرنا محمد بن جرير الطبري، كان أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي فقيها عالما حافظا، ذكر أنه كان يعرف بحفظ الحديث أنه كان يحضر المحدّث، فيحفظ خمسين وستين حديثا، ثم يقوم فيمليها على الناس، وكان كثير الحديث، وهو عين ما ذكره ابن جرير في "ذيل المذيل". وقال الصيمري في "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" بسنده إلى لحسن بن زياد أنه قال: حججنا مع أبي يوسف، فاعتلّ في الطريق، فنزلنا ببئر ميمون، أتاه سفيان بن عيينة يعوده، فقال لنا: خذوا حديث أبي محمد، فروى لنا أربعين حديثا، فلمَّا قال سفيان: قال لنا أبو يوسف: خذوا ما روي لكم، فردّ علينا الأربعين حديثا حفظا على سنه وضعفه وعلته وشغله بسفره. اهـ. وروى الموفّق المكّي بسنده إلى الحسن بن أبي مالك أنه قال: كنا نختلف إلى أبي معاوية في حديث الفقه من حديث الحجّاج بن أرطاة، فقال لنا أبو معاوية: أليس أبو يوسف القاضي عندكم؟ قلنا بلى، فقال: أتتركون أبا يوسف، وتكتبون عني، كنا نختلف إلى الحجّاج بن أرطاة، فكان أبو يوسف يحفظ، والحجّاج يملى علينا، فإذا خرجنا كتبنا من حفظ أبي يوسف ﵀. وذكر الموفّق بسنده أيضا إلى يحيى بن آدم، قيل لهارون الرشيد، كان فقيها عالما: إنك رفعت أبا يوسف فوق المقدار، وأنزلته المنزلة الرفيعة، فبأيّ وجه نال ذلك منك، قال: عن معرفة مني به فعلت ذلك، وعن تجربة، والله ما امتحنته في باب من أبواب العلم إلا وجدته كاملا فيه، لقد كان يختلف معنا في الحديث، فكنا نكتب، ولا يكتب، فإذا قمنا من المجلس انضمّ إليه أصحاب الحديث، فصحّحوا كتبهم عن حفظه، ولقد بلغ في الفقه غاية لم يبلغها أحد من أهل طبقته، فصغير عنده أجلّ الناس، ونازل عنده أفقه الناس، يقعد للناس، وليس معه كتاب، ولا شيء درسه بالليل مع شغله في أعمالنا، فيقول: ما تريدون، فيقولون: في باب كذا وكذا، فيندفع فيه، فيجيئ في بديهته بشيء يعجز عنه علماء زمانه، ومع ذلك عنده استقامة في المذهب، وصيانة في الدين، هاتوا لي مثله، فليعتبر بهذا الوصف لأبي يوسف من الرشيد أمير المؤمنين، فقد جمع وأوعى. وقال داود بن رشيد: ولو لم يكن لأبي حنيفة تلميذ إلا أبو يوسف لكان له فخرا على جميع الناس، كنت إذا رأيت أبا يوسف يتكلم في باب من أبواب العلم، كأنما كان يغرفه من بحر الحديث في وجهه، والفقه في وجهه، والكلام في وجهه، كان لا يتعذّر عليه شيء من ذلك. وقال هلال بن يحيى البصري المعروف بهلال الرأي: كان أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب، وكان أحد (¬١) علومه الفقه. اهـ. يعني وفقهه، كما يعلمه الحاضر والبادي. وقال يحيى بن خالد في رواية الذهبي: قدم علينا أبو يوسف، وأقلّ ما فيه الفقه، وقد ملأ فقهه ما بين الخافقين، وقال يحيى بن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصحّ رواية من أبي يوسف، كما روى ذلك ابن أبي العوام عن الطحاوي، وقد ترجم لأبي يوسف الذهبي في "تذكرة الحفاظ" في عداد حفّاظ الحديث، كما ألّف جزءا خاصّا في مناقبه ﵁، وهو مطبوع. وروى الصيمري بطريق الطحاوي عن أبي عمران أن أبا يوسف دخل على الحجّاج بن أرطاة، وهو قاضي "الكوفة"، فسأله عن جنين الأمة، فقال له الحجّاج: فيه نصف عشر قيمة أمه، فقال له أبو يوسف: أليس جنين الحرة إذا وقع من الضربة ميتا فيه غرة، وإن وقع حيا ثم مات فقيه الدية، فقال الحجّاج: نعم، قال أبو يوسف: فأنت قلبت الأمر، فجعلت في جنين الأمة إذا كان ميتا أكثر مما يجبُ فيه إذا كان حيا ومات بعد ذلك، لأنه قد يكون قيمته حيا درهمين، وقيمة أمه مائة درهم، فقال له الحجّاج: إذا كان مثل هذا فلا تلقه إليَّ بحضرة الناس يا بني!. وروى الصيمري بسنده أن أبا يوسف قال لربيعة الرأي شيخ مالك: ما تقول في عبد بين اثنين أعتقه أحدهما، قال: لا يجوز عتقه، قال لم؟ قال: لأن هذا ضرر، وقد جاء لا ضرر ولا ضرار، قال: فإن أعتقه الآخر، قال: جاز عتقه، قال: تركت قولك، إن كان الكلام الأول لم يعمل شيئا، ولم يقع له عتق، فقد أعتقه الثاني هو عبد، فسكت. اهـ. وروى الطحاوي عن ابن أبي عمران عن ابن سماعة عن أبي يوسف نحوه، وفي هذا القدر كفاية في الإشارة إلى قوة حفظه وباهر ذكائه.