page 7757, entry [7214]Open original source
٥٨٧٩ - الشيخ الفاضل الْمولى يحيى بن عمر * * ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: كَانَ أبوه من قَصَبَة "أماسيه"، وَكَانَ قَاضِيا فِي بعض القصبات، وَقد وَقع ولادَة المرحوم على رَأس تِسْعمائَة، وَنَشَأ ﵀ فِي قَصَبَة "طرابوزن"، وأميرها يَوْمئِذٍ السُّلْطَان سليم خَان ابْن السُّلْطَان بايزيدخان، فداخلت أم الْمولى المسفور دَار الأمير الْمَزْبُور، وَابْنه السُّلْطَان سُلَيْمَان يَوْمئِذٍ صَغِير لم يَنْتَظِم لَهُ الْمَشْي بالأقدام، وَلم يبلغ رُتْبَة الإفطام، فأرضعته بُرْهَة من الزَّمَان، فصارا رضيعى لبان، وَبعد اللتيا وَالَّتِي رغب المرحوم فِي تَحْصِيل المعارف والعلوم وجدّ فِي الطلاب، وقلقل الركاب، وتعاني شَدَائِد الأسفار، واستفتح مغالق الأسفار إلى أن حوى المعارف، وحازها، وَتحقّق حقائق الْعُلُوم، ومجازها، وَصَاحب الأماجد والأعالي، حَتَّى صَار ملازما من الْمولى عَلَاء الدّين الجمالي. وَيُقَال: إنه فِي أوان طلبه، واشتغاله اعتزل النَّاس مُدَّة سبع سِنِين، وَاعْتَكف فِي غَار بِقرب طرابوزن مكبا على الاشْتِغَال فِي الْعُلُوم. ثمَّ درس بمدرسة "سونسه" بِعشْرين، ثمَّ بِالْمَدْرَسَةِ الجانبازية بـ "قسطنطينية" بِخَمْسَة وَعشْرين، ثمَّ بمدرسة الْمولى مُحَمَّد ابْن الحاجي حسن بِثَلَاثِينَ، ثمَّ الْمدرسَة الأفضلية بأربعين، ثمَّ مدرسة مصطفى باشا بِخَمْسِينَ كل ذَلِك بِالْمَدِينَةِ المزبورة. ثمَّ نقل إلى مدرسة بنت السُّلْطَان أسكدار، ثمَّ إلى إحدى الْمدَارِس الثمان، فاتفق أنه أرسل مَكْتُوبًا إلى رضيعه السُّلْطَان سُلَيْمَان، وشنع عَلَيْهِ لبَعض الْمُنْكَرَات، وَأَغْلظ فِي الْكَلَام، فاشمأز مِنْهُ خاطر السُّلْطَان، فَعَزله، وَعين لَهُ كلّ يَوْم خمسين درهما، ثمَّ زَاد عَلَيْهَا عشرَة، فَانْقَطع المرحوم عَن التَّرَدُّد إلى أبواب الوزراء والأمراء فِي حديقته، الَّتِي عمرها من قبل فِي مَوضِع من تَوَابِع "قسطنطينية"، يُقَال لَهُ: بشك طاش. ويحكى فِي سَبَب اخْتِيَاره تِلْكَ الْبقْعَة أنه وَقعت لَهُ فِي أثناء الْمَجِيء من طرابوزن وَاقعَة هائلة، ملخصها: أنه أتى إليه فِي مَنَامه شخص وعاتبه على مَجِيئه ودخوله فِي "قسطنطينية"، وأشار إلى الْخُرُوج مِنْهَا وخوفه فَلَمَّا أصبح وفكر وَتَأمل وتفكر لم يجد بدا من تَركهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَقَامَ من وقته، وتتبع نواحي "قسطنطينية"، حَتَّى أشرف على تِلْكَ الْبِقَاع، فإذا المجذوب قَاعد عِنْد بِئْر فَلَمَّا رأى المرحوم ناداه بِأَن هَات درهما وَاحِدًا، حَتَّى أبيع لَك هَذِه الديار، وأشار إلى تِلْكَ الخوالي والرياض، فَلَمَّا سَمِعه دفع إليه مَا طلبه، فَقَالَ المجذوب خُذ مبيعك، وأشار ثَانِيًا إلى تِلْكَ الأطراف، فتتبع المرحوم أصحاب تِلْكَ الْبِقَاع، حَتَّى أشرف على تِلْكَ الْبقْعَة، فاشتراها فِي يَوْمه ذَلِك، وَبَات بها لَيْلَة، ثمَّ استوطنها، وَعمر أطرافها، وَبنى فِيهَا عدَّة مدارس ومسجدا وخانقاه وحماما، ومقاما سَمَّاهُ بخضراق بِنَاء على أنه يعْتَقد أن ذَلِك هُوَ مجمع الْبَحْرين، الَّذِي اجْتمع فِيهِ الْخضر بمُوسَى على نَبينَا وَعَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَكَانَ سَببا لإحياء تِلْكَ النَّاحِيَة، وَاعْتَزل عَن النَّاس، واشتغل بِنَفسِهِ، فَحصل للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَقبُول تَامّ، وقصدوه بِالنذرِ والقرابين، وَاجْتمعَ فِيهِ من الْفُقَرَاء والمسافرين جمع كثير وجم غفير، حَتَّى وصل إلى أنه أنفق عَلَيْهِم كل يَوْم من الخْبز مَا قِيمَته تنيف على مائة دِرْهَم، سوى مَا يصرفهُ فِي سَائِر الْحَوَائِج والأطعمة. وَكَانَ يَقع مِنْهُ ذَلِك ووظيفته كلّ يَوْم سِتُّونَ درهمًا، فَلذَلِك نسبه بَعضهم إلى معرفَة علم الْكَاف، وَبَعْضهمْ إلى علم الدفائن. وَكَانَ يتَرَدَّد إليه أرباب الْحَاجَات من كل حدب يطْلبُونَ مِنْهُ الشَّفَاعَة إلى الوزراء وَسَائِر الْحُكَّام، وَهُوَ لَا يضن بِشَيْءٍ، ويبذل مقدوره فِي حوائجهم، وَقدْ استخف بعض الرؤساء بمكتوبه، فأعقبه نكبة من الْعَزْل أوْ الْمَوْت. وَذَلِكَ أنه أرسل فِي بعض شَأْنه مَكْتُوبًا إلى الْوَزير عَليّ باشا من وزارء السُّلْطَان سُلَيْمَان عَلَيْهِ الرَّحْمَة والرضوان، فَلم يعبأ بِهِ، وَكتب فِي ورقة ترى الْعجب ترى الْعجب بَين جُمَادَى وَرَجَب، وأرسلها إليه، فَلَمَّا اطلع عَلَيْهَا ازْدَادَ أنكارا واستخفافا بشأنه، مُعْتَمدًا على قُوَّة سُلْطَانه، فَلم يذهب هَذَانِ الشهران، إلا وَقد نزل بِهِ الْخطب الْكَبِير، الَّذِي يَسْتَوِي بَين الْغَنِيّ وَالْفَقِير، وَالسُّلْطَان والوزير، بِأَمْر الله الْعَزِيز الْقَدِير، وَلما صَارَت السلطنة إلى سلطاننا السُّلْطَان سليم خَان طلبه فِي بعض الأيام، واستنصح مِنْهُ وأرسل إليه من المال جملَة وَقضى حَوَائِجه. كَانَ ذَلِك فِي أواخر عمره، وقد توفي ﵀ فِي الْيَوْم التَّاسِع من ذِي الْحجَّة بعد العصر، وَصلى عَلَيْهِ الْمُفْتِي أبو السُّعُود بعد صَلَاة غير محددة فِي الأصل، وَدفن بِقرب من حديقته فِي مَوضِع عينه قبل مَوته، وَقد اجْتمع فِي جنَازَته خلق عَظِيم مَعَ بعده عَن الْبَلَد، وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة. كَانَ ﵀ عَالما فَاضلا مستحضرا من الْعُلُوم نفائسها، وَكَانَ مقصد الطّلبَة مَعَ انْقِطَاعه عَن الْجَمَاعَة، وَكَانَ صَاحب جذبة عَظِيمَة، وَنَفس مبارك. وَبِالْجُمْلَةِ: كَانَ ﵀ مَظَنَّة الْولَايَة ومثنة الْكَرَامَة، وَكَانَ قَبره مقصدا للنَّاس يزورونه، ويتبركون بِهِ، وينفقون على من عِنْده من الْفُقَرَاء، وَله معارف جزئية، كالشعر والإنشاء. * * *