page 7168, entry [6488]Open original source
٥٤٣١ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين بن شعْبَان، أرقدهما الله تَعَالَى فِي غرف الْجنان * ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: ولد فِي "قَصَبَة كليبولي"، كَانَ أبوه من التُّجَّار، وأصحاب الْيَسَار، محبا للْعلم وأربابه، ومعظما لأصحابه، فبذل فِي تَعْلِيم ابْنه مَالا جزيلا، ومبلغا جَلِيلًا، وَدَار المرحوم على أفاضل عصره للاستفادة، كالمولى القادري، وَالْمولى طاشكبري زَاده، فأحرز الْفَضَائِل والمعارف، وَجمع النَّوَادِر واللطائف. وَقَالَ الشّعْر، وَمهر فِي فنونه، وتلقب بالسروري، واتسم، كَمَا هُوَ دأب شعراء الرّوم والعجم، وَجعل يزاول كتب الأعاجم، ويمارس، حَتَّى أصبح فَارِسًا فِي معرفَة لِسَان فَارس. ثمَّ وصل إلى خدمَة محي الدّين الفناري، فَلَمَّا صَار قَاضِيا بـ "قسطنطينية" استنابه، فَكَانَ هُوَ من طلبة الْمولى أول نَائِب، فأنهم من قبل كَانُوا يستخدمون الأجانب، ثمَّ درس فِي مدرسة صَار وَجه باشا بقصبة "كيبولي" بِعشْرين، ثمَّ مدرسة يري باشا بـ "قسطنطينية" بِخَمْسَة وَعشرْين. ثمَّ صَارَت وظيفته فِيهَا ثَلَاثِينَ، ثمَّ صَارَت أربعين، ثمَّ عزل، ثمَّ أعطي بِخَمْسِينَ مدرسة قَاسم باشا المبنية بقصبة "غلطه" تجاه "قسطنطينية" المشتهرة الآن باسم قَاسم باشا، بَينا هُوَ فِي بعض الأسحار يطالع "نفائس الأسفار" إذ نَادَى مُنَادِي الجذبات: إن لله فِي أَيَّام دهركم نفحات، وقرع أسماع كل ساه ولاه، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، سمع هَذَا الْخطاب غلب عَلَيْهِ الشوق والانجذاب، وَترك التدريس، وَاخْتَارَ الخمول والانزواء، وأحبّ مراسم طَرِيق أرباب الزّهْد والفناء، وَتَابَ على يَد الشَّيْخ مَحْمُود النقشبندي، فَلَمَّا توجّه إلى هَذَا الطَّرِيق، وَعلم أنها صَعب مضيق، لَا تسع الأثقال والأحمال، وَلَا يسلكها إلا الأفراد من الرِّجَال، اخْتَار مهماته، وَترك مجملاته، وَبنى مَسْجِد الله، وتخلص لعبادة مَوْلَاهُ هَنِيئًا لعبد لَهُ بلغَة … من الْعَيْش مذخورة عِنْده يفر من النَّاس بغضا لَهم … ويأنس بِاللَّه والوحده فَبعد مُدَّة ورد عَلَيْهِ كتاب من قَاسم باشا، باني الْمدرسَة الْمَارّ ذكرهَا، بأني قد بنيت تِلْكَ الْمدرسَة لأجلك، وشرطت درسها لَك مَا دمت حَيا، فإن لم تقبلهَا لأهدمنها من أساسها، فاضطرّ المرحوم إلى قبُولهَا، فأعطيت لَهُ ثَانِيًا بِخَمْسِينَ. فَلَمَّا مضى عَلَيْهِ بُرْهَة من الزَّمَان ابْتُلِيَ بتعليم مصطفى خَان بن السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان، فَلَمَّا وصل إليه حلّ محلا رفيعا وَمُسْندًا منيعا، وعلت كَلمته، وَارْتَفَعت مرتبته، وَكَانَ لَا يقطع أمرا إلا بمشورته، وَلَا يفعل شيئا إلا بمباشرته ومعرفته، وَبَقِي فِي أوفر جَيش وأرغد عَيْش، حَتَّى غضب أبوه، وَقصد دماره. ثمَّ قَتله، ومحا آثاره، فَلَمَّا قتل بِحَرْبَة العَذَاب، وتقطعت بِهِ الأسباب، وقتل بَعضهم السُّلْطَان، وقهر، فَلَا جرم تفَرقُوا من سطوته شذر مذر، فَلَمَّا راْى المرحوم من بدره أقوله سَاق إلى دَار الخمول حموله، وَتوجه ثَانِيًا إلى الِانْقِطَاع من النَّاس، خوفًا من حُلُول الباس، فاستولى عَلَيْهِ من الْفقر والفاقة مَا لا يحْتَملهُ طَاقَة، وَكَانَ يكْتب فِي بعض أزمانه، ويقتات بأثمانه، وَمَا أصدق من قَالَ حَيْثُ أبان عَن هَذِه الأحوال: وإني رَأَيْت الدَّهْر مُنْذُ صحبته … محاسنه مقرونة بمعايبه إذا سرني أول الأمر لم أزل … على حذر من غمه فِي عواقبه وَمَعَ ذَلِك لم يظْهر الْعَجز والأسف، وَسَار سيرة السّلف، وَستر الْحزن والكآبة، وَعمر مَسجده، وَفتح بَابه، وَأظْهر الاهتمام فِي أَدَاء وظائف الخدام، حَتَّى حكم فرقة من النَّاس بَأن هَذِه الْحَالَات لَيست إلا مَحْض الكرامات، وَقصد إِلَيْهِ بالنذور والقرابين أرباب السفن وَطَائِفَة الملاحين. وَكَانَ ﵀ قد حفر قَبره، وتهيأ لمنونه، وانتظره، وادخر ألفي دِرْهَم للتجهيز والتكفين، وأدى زَكَاته مُدَّة عشر سِنِين، وَمَات ﵀ من مرض الهيضة سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة، وقبره رَحمَه الله تَعَالَى عِنْد مَسْجده فِي قَصَبَة قَاسم باشا، يسّر الله فِي عقباه مَا شاء، وحزن النَّاس بِمَوْتِهِ، وتبركوا بتربته، وَقد ذهب عمره بالتجرد والانفراد، وَلم يمل إلى التوليد وَالِاسْتِيلَاد. وَكَانَ ﵀ بهي المنظر، لطيف الْمخبر، حُلْو المحاضرة، حسن المحاورة، مَوْصُوفا بالعفة وَالصَّلَاح، يلوح من جَبينه آثَار الْفَوْز والفلاح، وَكَانَ ﵀ جوادا، لا يلبث فِي ساحة رَاحَته غير جوده وسماحته، وَكَانَ ﵀ مكبا على التأليف، وحريصا على التَّحْرِير، والتصنيف، فَكتب كل مَا خطر بِبَالِهِ من غير تَمْيِيز مستقبمة عَن محاله، وَمَعَ ذَلِك لم ينظر إلى مَوْضُوع مرَّتيْنِ، وَلم يرجع الْبَصَر كرتين، فَلم يَتَيَسَّر لَهُ الإحسان والإجادة، وخلت تصانيفه عَن الإفادة وَلَا غرو فِيهِ، فَمَا كل هاتفة وَرْقَاء، وَمَا كل ناظرة زقاء غير أنه ترك من شُرُوح بعض الْكتب الفارسية آثارا جميلَة، ومؤلفات لَا يظفر عَلَيْهَا إلا بأثمان جليلة، تواليفه الْعَرَبيَّة، مِنْهَا: الْحَوَاشِي الْكُبْرَى على "تفْسِير الْبَيْضَاوِيّ"، وأولها: الْحَمد لله الَّذِي جعلني كشاف الْقُرْآن، وصيرني قَاضِيا بَين الْحق والباطلان، والحواشي الصُّغْرَى عَلَيْهِ، وَ "شرح البُخَارِيّ" قَرِيبا إلى النّصْف، و"حاشية على التَّلْويح"، و"حاشية على أوائل الْهِدَايَة"، وَشرح لبَعض الْمُتُون المختصرة تَصْدِيقه شرح كتاب المثنوي الْمولوى فِي مائَة كراس كَبِيرَة. وَكَانَ من عَادَته أن يعْقد الْمجَالِس فِي مَسْجده، وينقل ذَلِك الْكتاب بأوفى تَقْرِير وأوضح بَيَان، فيزدحم النَّاس عَلَيْهِ من كل مَكَان، وَشرح كتاب "كلستان"، وَكتاب "بوستان"، وَشرح "ديوَان حَافظ الشِّيرَازِيّ"، وَشرح كتاب "شبستان خيال"، وَشرح عدَّة رسائل فِي فن المعمى. وقد ترجم عدَّة كتب بالتركي كـ "الموجز" من الطِّبّ، وَ"روض الرياحين" من المحاضرات، وَقد بلغ عمره إلى اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة كتب الله لَهُ ألف حَسَنَة. * * *