page 7098, entry [6435]Open original source
٥٣٨٢ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد بن عمر بن إبراهيم، المعروف بالسفرجلاني، الدمشقي، نزيل "قسطنطينية"، وأحد المدرسين بها آية الله في العلوم العقلية ونادرة الدوران وبهجة وجه الزمان * * ذكره العلامة المرادي في "سلك الدرر"، وقال: كان من أعاظم الأفاضل، عالمًا مدققًا، كثير الفضل، جم الفضائل، عجيب المطارحة، صاحب نكت، ولطائف له الراحة العليا في تحقيق العبارات مع الأدب والحذق والذكاء التام. ولد بـ "دمشق"، وبها نشأ، وقرأ على أشياخ عصره، وبرع، وتنبَّل، وأشرق بدره المنير، وبزغت شمس معارفه وعوارفه، وكان مفرط الذكاء والفطنة، له جسارة في التكلم والمصادرة مع مهارة في اللغة الفارسية والتركية، وناهيك بالعربية، غير أن علمه كان أكثر من ديانته والسوداء تمكنت فيه لأجل ذلك تظهر في تكلماته ظواهره وخوافيه، وارتحل إلى دار الخلافة في "الروم" "قسطنطينية"، وتصدى للامتحان عند شيخ الإسلام، إذ ذاك مفتي الدولة السيّد مصطفى، ولازمه على قاعدة المدرسين والموالي الرومية، وتنقل بالمدارس على طريقتهم، ودرس في مدرسة والد المذكور شيخ الإسلام المولى السيّد فيض الله الشهيد، وأقرأ في جامع السلطان محمد، وفي غيره، ولزمه الطلاب، واشتهر فضله بين أبناء "الروم"، وأخبرت أنه كان يحضر درسه، ويجتمع فيه ما ينوف عن المائتين من الرجال، وعظم قدره لدى صدور الدولة وعلمائها، وكانوا يبجلونه، وله عندهم مزيد الرفعة لتحقيقه وتدقيقه، وفضله الذي على مثله الخناصر تعقد، وكان مع ذلك يذمهم، ويتكلم في حقهم، ولا يهاب كبيرهم ولا صغيرهم، وعلمه ساتر منه كل عيب، وتكرّر عوده إلى "دمشق" في أثناء إقامته هناك، وآخرًا توفي في تلك الديار، وحين توفي كان منفصلًا عن رتبة الالتمشلي المتعارفة بينهم، وكان ﵀ إذا تكلم أسكت، وإذا حاور بكت لم يزل يبدي إلى منزع تعريض واستطالة في طويل وعريض، وكان يأكل البرش، ويبتلى به في سائر أوقاته، ولما كانت العادة في دار السلطنة "قسطنطينية" في شهر رمضان، يدخلون في كل يوم من المدرسين العلماء جملة أنفار لأجل الإقراء في حضرة السلطان للسرايا السلطانية كان المترجم من مشاهير أفاضل المدرسين، فأدخل مع البقية، فلما كانوا في حضرة السلطان مصطفى خان قرر المترجم، وأبدى الإفادة، ثم تخلص من ذلك، وشكا حال أخيه عبد الكريم السفرجلاني، وكان في ذلك الوقت محبوسًا في دار السلطنة غب قتل والي "دمشق"، وأمر الحاج أسعد باشا العظم، ونسب في ذلك لبعض أشياء هو خال عنها، وتكلم المترجم بالرجاء بإخراج أخيه واستخلاصه من هذه المادة، ولم يصدعه في الحضرة السلطانية مرد، ولا تخوف. وكان له رسائل مفيدة في المنطق والفلسفة والكلام والحكمة وغير ذلك، اطلعت على بعضها بخطه، وله تحريرات وأشعار، وشعره مقبول، ونثره حسن، ومن شعره ما مدح به المولى خليل الصديقي الدمشقي حين ولي قضاء "دمشق"، وهو قوله: إذا بدت الخيام بدار سعدى … ولاح البدر في أفق التمام وشمت البرق يلمع من ثغور … كغمز عيون سكان الخيام وفاح عبير ساحتها فبلغ … سلامًا من متيم مستهام فإن سألت فعرّض بي إليها … فإن غضبت فأعرض عن مرامي وغالط إن فهمت فنون سحر … لتصرف وهمها عن إتهام هذا منتحل من قول الوأواء الدمشقي: بالله ربكما عوجا على سكني … وعاتباه لعل العتب يعطفه وعرّضا بي وقولا في حديثكما … ما بال عبدك بالهجران تتلفه فإن تبسم قولا في ملاطفة … ما ضرّ لو بوصال منك تسعفه وإن بدا لكما في وجهه غضب … فغالطاه وقولا ليس نعرفه وقد أنشدني قاضي "دمشق" المولى العالم الفاضل الماهر السيّد محمد طاهر الرومي في المعنى للملك الأشرف، وهو من الدوبيت: باللطف إذا لقيت من أهواه … ذكره بما لقيت من بلواه إن أحرده الحديث غالطه به … أو رق فقل عبدك لا تنساه عودا لإتمام القصيدة المقدمة: وتلك فنون سحر بليغ مدح … لأوحد عصره الفرد الهمام به سعدت دمشق الشام لما … تولى قاضيًا شرع التهامي له فصل الخطاب بسيف عدل … له فضل له فصل الخصام وحاز المجد بالجدّين فضلا … هما أفقا الخلافة بانتظام فمطلع شمسها الصديق جدّ … لمغرب بدرها الحسن التمام وحسن الابتدا الصديق فيها … كما الحسن التقي حسن الختام سموم للعدا حسا ومعنى … بنو الصدّيق والحسن الإمام لحوم السم في العلماء أضحت … لآكلها القواتل كالسهام فواعجبا وللأعداء حسن … فكيف صلوا لكم نار اضطرام كأنّ الله أعدمهم خيالًا … فكانوا كالفراش لدى الضرام ومن حسد وفرط الغيظ سكرى … سقوا كأس المنية لا المدام لقد نفذت حكم الشرع فينا … وبينت الحلال من الحرام كأنّ الله لم يخلقك إلا … لعلم أو لحلم أو نظام فإنك ماجد أصلًا وفرعًا … من العلماء أبناء الكرام وغيرك من سما لكن به قد … سما يسمو سموا فهو سامي طريق قد حماه العلم ممن … غدا وغدا لئيمًا من طغام سما وحماه من أولاد حام … أمثل العلم من سام وحام طريق عز مطلبه ولكن … على غير الخواص من الأنام سيبلغ غاية الإحسان فيه … وما الإحسان إلا بالتمام وللمترجم أيضًا: تجنب إن قلاك أخ سفيه … تجنبك العتيق من النعال ومن ذكر له طهر لسانًا … وصورته امح من فكر الخيال وله أيضًا: يا نعمة قد أصبحت نقمه … مذ نالها الكلب على خسته يظن أن الناس حساده … من يحسد الكلب على نعمته ومن نثره الفائق ملغزًا، وكتب به إلى بعض الأفاضل: يا صور الكمال، ويا غرر الجمال، ويا طوالع الإقبال، ويا أصحاب مقال أصفى من الزلال، وأحلى من السلسال، وأبهى من اللآل، وأمضى من النصال، وأسرى من الخيال ما قولكم فيما فيه يقال: إن مشى فهو بشر، وإن شئت قلت: فهو بشار، وإن طال فهي حية تسعى، وإن قصر فهو عقرب تلسع، وإن رضع بكى، وإن فطم قعد عن البكا، وله أحوال وأطوار منها أنه رفيع مقام من الأعيان الأعلام إن مدّ مدده، فالبحر المحيط من رشحاته، وإن أطال يده، فالكوكب الدري من ملتقطاته، ومن كان في خدمته، وقام في رسم خدمته، فاز بالقدح المعلى، وحاز قصب السبق في مضمار العلا، وله كلام دري النظام مطابق للمقام، وهو: كن في المعالي إذا خيرت رفعتنا … كالرمح يصعد أنبوبًا فأنبوبا وله غرة كوجه القمر، وطلعة كعين اليقين، وجبهة كواسطة العقد، وبلغ فيما بلغ، حتى بلغ غاية الكرم، وأقصى الهمم، ونهاية العظم، وقصارى الشيم، فمن قائل: إنه أبو المسك كافور وأخوه سيف الدولة، ومن يدعي أنه من بني العباس وأخوه السفاح، ومن معتقد أنه ذو القرنين خاض الظلمات، وشرب ماء الحيات وبنى السد الذي لو أبصرته لرأيت سدًا من حديد سائر فوق الفرات، مع أنه عبد رق ما رق يومًا لعتق يسعى لخدمة مولى بذل طاعته … سعيًا على الرأس لا سعيًا على القدم ومن أحواله: أنه بليغ إن شاء إن مد أطناب الأطناب رد المسن إلى اقتبال الشباب، وهو للصاحب صاحب، وللعماد عماد، وله الصابي صابي، ولقد أصاب مع أنه مغرى بضعف التأليف والتعقيد، وممنوع بسقطات ما عليها من مزيد إن سكت ألفًا نطق خلفًا، وإن أعطى مقولًا حرم معقولًا، فهو كصرير باب أو طنين ذباب، ومن أحواله: أنه صرفي يحول الأصل الواحد إلى أمثال مختلفة مقصودة لا تحصل إلا بها، ويرى أن الأجوف الناقص غير معتل، وأنه بصري إن أعرب فمضارع الماضي المشتمل على حرف جازم المجزوم بحذف آخره لديه ليس بفعل. ومن أحواله: أنه متكلم يسند المعتزلي أعماله خلقًا إلى الباري المصور، ويضاهي قلب المؤمن، لكنه كافر إن قيل إن هذه الآثار فانية مع بقاء المؤثر الفاعل: شخوص وأشباح تمرّ وتنقضي … الكل يفنى والمحرّك باقي فعنده قول هذا القائل كلمة حق أريد بها باطل. ومن أحواله: أنه فارس ميدان يثير النقع في أرض بارق، ويذكر مجر العوالي ومجري السوابق إذا أبصرت عامله أبصرت عامله أو أفعاله، فافعى له أو أقواله، فأقوى له أو أعماله، فليس أهلًا أعمى له لكنه يقول: إلى حتفي سعى قدمي … أرى قدمي أراق دمي ومن أحواله: أنه خليع عذار خد مشى فيه الدجى، فتحير، وبالغ في لثم كافور الترائب، حتى لاح فيه، وفاح العنبر، ونشر مسك الليل على كافور الصباح، وستر وجوه هاتيك الملاح، مع أنه خصي ألوط من دب، وفي بياض النهار، يدب يكمل بالنقصان، ويغبر في وجوه الحسان، ويخسف الأقمار، ويولج الليل في النهار. ومن أحواله: أنه رفيق رقيق طبع، يسير في روضة يطلب للضيق منها مخرجًا لترقرق مائها الصافي تحت ظلها الضافي كطرة صبح تحت أذيال الدجى، يتكسر النهر فيها على صفحات الحدائق ونثر لا زوردي البنفسج على لجين الماء الرائق، وفيها يقول: لم لا أهيم إلى الرياض وحسنها … وأقيم منها تحت ظل ضافي والزهر يلقاني بثغر باسم … والماء يلقاني بقلب صافي مع أنه غريب، قد أخذت منه الغربة بنصيب، حتى غدا أخا جوع، وليس بصائم وعريانًا، وليس بمحرم بحال أرق من الشكوى، وأوجى من النوى وليس له من كثرة الترداد ملل لقوله أنا الغريق، فما خوفي من البلل، وقد كان هجر "العراق"، وله إلى الشرق اشتياق: هجر العراق تطربًا وتغربًا … كيما يفوز من العلا بقرابه والسمهرية ليس يشرف قدرها … حتى يسافر لدنها عن غابه وما ذاك إلا لتتلقاه الملوك بأيدي القبول، وهذا غاية الفوز ونهاية الوصول، فكتب إليه الجواب بقوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، ما هاروت ونفثه وبحثه عما يفرق به وحثه، يلعب بالعقول من البيان، وبيانه للعيان، صعب المركب ممنع المفرد، والمركب ودون افتراع بكره، وصدق سن بكره تخيلات وعرة المسلك شامخة العرنين عن أن تسلك، بل دون مناله خرط القتاد، وتفتت أكباد، وتقطع أكتاد، إلا لمن ذلل الله له جوامح أزمته، وأودعه سجية برمته، وأوسعه ما يعجز، ومنحه ما يطنب به، ويوجز، فتعلق شأوه بمناط الأثير بمحسنات البديع من النظيم والنثير، وقد وجم عن إدراكه كثير من الفحول، وجم عن منهج الفضل، لا يحول، ولله درّ من مدّ إليه باعه، فاقتاده، ونقد سوانحه بفكرته الوقادة، واقتطف من باكورة الفصاحة نضيرها، واهتصر من البلاغة غضيرها، من إذا شبب أطرب، وإذا أعرب أغرب، وإذا تكلم أصمى، وإذا أجاب حير، وإذا استرسل على أي حال لم يتغير فهو نسيج وحده في حله وعقده، فلقد شنف سمعي وقرط وأودع ما يروق، وما فرط، فأقبلت عليه بكلي لا ببعضي، وتصديت إليه بإبرامي ونقضي، فيا لك فاضلًا، تقف الآراء عند تخيلاته، وتتحير العقول بكنه استعمالاته، وإليك ألقى بالمقاليد في طارف الكمال والتليد، وأنا أقسم بمن أودعك ما أودعك، ومنحك ما حلى به طرفك ومسمعك لأنت النابغة، بل النادرة والنكتة التي للأفهام متبادرة، فأعيذ مرأى ذاتك، وأحمى بديع صفاتك، ما هذه القلائد المنتثرة والفوائد المنتشرة، التي أتيت بها بالعجاب، وأبرزتها للعيان من دون حجاب، وأفرغتها في قالب الاختراع، وافترعت بها هضاب البلاغة أي افتراع، وضمنتها نكات هي عن سواك بمعزل، وأنزلتها في القلوب أرفع منزل، وأفحمت، وأوجزت، وأفعمت، وأنجزت، ورتجت المغفل، وفتحت المقفل، وتحاميت التعقيد والغرابة، وتحاشيت التنافر وإغرابه وجئتنا سائلًا، وأوردت بحر الأدب سائلًا عن شيء يضع، ويرفع، ويضر، وينفع، ويجري على وفق الإرادة من سعادة إلى شقاوة، ومن شقاوة إلى سعادة، فلا شك أنه اطلع على اللوح المحفوظ، وعلم كل معنى ملفوظ، وشارك باريه بالتصوير، وأعانه على توقيع التدبير، حججه ظاهرة البرهان، تراه كل حين هو في شأن، فإذا التجئ إليه، والتفت الأنامل عليه ابتدر بالحس لما في الخاطر مبينًا، وأراك ما حصل في المخيلة يقينًا، له صوت يسمع، ولا يفهم، كأنه أبكم، ولسانه إذا جز تكلم، وأتى بالكلام المحكم، وأعرب، وأعجم يجري مع كل عدو وحميم، ويجاري كل كريم ولئيم، وإذا وشى ترك العقول حيارى، وترى الناس من أجله سكارى، وما هم بسكارى إذا قام قي مقام الافتخار، وشق من ذلك الميدان الغبار، قال وضح النهار: لا بقومي شرفت بل شرفوا بي … وبجدّي علوت لا بجدودي وإذا انساب في مهمّات الأمور أظهر ما تكنه النفوس، وما تخفيه الصدور، فيا طالما خاض الظلم، وظَلَم، وظُلِم، وعجيب أن تعبه في الراحة منوط، وأمره دائر بين المهمل والمنقوط، يأخذ من كل من قصده باليمين، إن كان يصدق، أو يمين له تقلب الأحوال في الإدبار والإقبال، مع أنه فارغ من الأشغال لا يقر في أطواره على حال كريم شحيح سقيم صحيح أشغل من ذات النحيين، وأفضى من حجام ساباط دعي في النسب، لا يعرف له أم ولا أب، يستأثر بنقل الأخبار إذا نأت الديار من الديار ينكس الأعلام. وله اليد الطولى في النقض والإبرام، أغاليطه كثيرة، وسقطاته شهيرة، لم يزل في نحيب ودمعه في صبيب، حتى إذا بلغ الغرض جف، وأعرض، وقال بلغ السيل الزبى والشوط الانتها، فنهجه قويم، إلا أن مشيه غير مستقيم، يخطر مثل السرطان، إن شاء ألف بين الأنس والجان، عارف بأنواع المدح والهجاء وبمواقع معارك الهيجاء علي المقدار حديد شبا المنقار، يجمع بين الضدين، بل بين الأمرين المختلفين، تطيعه كل ملة، ويفرق بين المعلول والعلة، فأما الملة اليهودية فهو حبرها في تفصيل قضاياها، والمرجع إليه في نسخ أحكامها ومزاياها، وأما المسيحية فله فيها الباع الطويل، وهو المعين على ما فيها من التغيير والتبديل. وأما المحمدية، فعنها يترجم، وعلى مواردها يدلّ، ويعلم ضئيل الجسم عالي النفس، يروي حديث العشق عن أنس، يحصي حسنات الأنام ومساويهم، ويحتاج إلى عبيدهم ومواليهم، تراه قيمًا غير ذي عوج، مستكنًا غير ذى هوج، يعلم الناس السحر، ويظهر عجائبه في البر والبحر، ليس له حاسة بصيرة ولا ذوقية ولا سمعية، أوله مثل آخره، وآخره مثل أوله، تتهاداه الركبان من مكان إلى مكان، يطأ النواعم، وهو على رأسه قائم، يحفظ من النسيان، ويخبر عما يكون، وكان إن قلم ظفره نشبه، وإذا انتسب أوصل إلى أول الخلق نسبه، يضرب أسداسًا بأخماس، وأخماسًا بأسداس، فيجعل الثلاثة مئين والمئين آلافًا، بل يضاعفها إلى ما فوق ذلك أضعافًا، أجرأ من ليث، مع أن الشعرة لا تدعه، يذهب إلى حيث خدم وخدم، حتى صار أشهر من نار على علم، يجمع ما بين المشرقين في خطوة، وله في قيد كل شبر كبوة. ومن العجب: أنه ينطق بالضاد على بكمه، ويمد المدود بفمه، فإذا ذوى عوده وافت سعوده، وإذا عب أتى بما أحب، وإذا خاض للبحر لجه أقام أقوى دليل وأقوم حجه، فيجعل الحديث الضعيف مسلسلًا، والمطلق مقيدًا، والعجز صدرًا، والكامل شطرًا، والمفهوم محسوسًا، والرئيس مرؤوسًا، وله أطوار، منها: اللبيب يحار منها ما عنه اشتهر في البدر والحضر، أنه يدع الصافي، ويكرع الكدر، ومنها: أن له النهي والأمر، مع أنه لم يزل في قبضة الأسر والقهر، ومنها: أنه كسيح إلا أنه يسعى سعي الصحيح، ومنها أنه شديد البطش، آثاره في الأرض ولدى العرش على أنه شخط لفلقة، لا يحتمل على رأسه دقة. ورب امرئ تزدريه العيون … ويأتيك بالأمر من فصه ومنها: أنه رفيع المقام، إلا أنه مبتذل بين الخاص والعام، ومنها: أنه مؤنث مذكر، إذا المرء في حاله تفكر، ومنها: أنه يريض نفسه في مرضاة الكبير والصغير، وتحامى مسه البشير النذير، ومنها: أنه زاهد في ذوات الذوائب، راغب في الفحول الأجانب. ومنها: أنه إذا شق العصا أطاع ربه، وما عصى قروي الربع، مدني الطبع، يألف مجاني الربا في إبان شبابه، حتى يرى أكلها متشابهًا وغير متشابه، فإذا غنى العندليب وصفق النهر يرقص في الحلل النضرة لدى الزهر، فهو في كل معنى يهيم، ولا شكّ أنه من أصحاب الرقيم، أخذ النقشبندية عن الأساتذة، وأتقن أحكام الأحكام عن الجهابذة، فإذا تخيل الرسوم بكى، ولا يجديه كثرة البكا حركته قسرية إما مسلسلة، وإما دورية كشّاف الحقائق منقح الدقائق، يضرب يمينًا وشمالًا، فيحرم حرامًا، ويحل حلالًا، حتى إذا بلغ نهاية خط الاستواء، قال: فألقت عصاها، واستقر بها النوى، فهو قائم على كل نفس بما كسبت إن سكنت أو اضطربت، يختبط الظلماء، حتى إذا نقع الظما اضطر إلى الماء، فإذا نسبوه لمذهب الأشعري، وجم، وصد عن التحديث، وألجم، ثم اعتزى إلى المشَّائين، وطورًا إلى الرياضيين، وأخرى للصوريين، يثبت المنزلة بين المنزلتين، ويقول بالرؤيا بالعين، وهو للتناسخ سبب، ولا عجب، ويقر بالتجسيم، ويذهب إلى زخرف الحكيم، ويقول: العالم قديم، مع أنه ينطق بحدوث الصفات، وإعادة الرسوم الدراسات، وينتسب إلى النظامية، إذ يقولون: إن الأعراض جسوم، وهو يعتقد أنها أشياء في حالها تقوم، فآثاره في الطور، وعليها الفلك يدور، له خادمان، لا يخلو منهما إنسان جامد، واجب الاشتقاق، صعب مر المذاق، خبير، بطي الدفاتر على رأسه تدور الدوائر، يحل الرموز، ويستخرج ما في الكنوز، وهو ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، ويشار إليه بالبنان في تواضعه، إذا نقص اكتمل، وإذا جير عليه اعتدل، وإذا تكلم جمع بين الأروى والنعام، أو سكت احترم المشعر الحرام، ماهر بالتحرير، جدلي بالتقرير، لم يزل الحديد قائمًا على رأسه، حتى يقده إلى أضراسه، فينشط من عقده، وقد أثر الحديد في جسده، يطرف في المنادمة، ويبيح بالمنى دمه رشحاتها، تتلقاها الصدور، وتقيدها في رق منشور، يتصفح من الأوراق بطونها، ويملي عن قلبه شروحها ومتونها ومعربها وملحونها، فإذا اخترع أبدع، وإن هز عامله، رصع، ووشع، وإذا أخذ في التحديث فمن البحر اغترافه، وحازت قصب السبق أوصافه، فهو طبيب مغرم بالتركيب، إلا أنه تارة يخطي، وطورًا يصيب، فإذا رفعته الأيدي حملته ما لا يطيق، وإن وضعته زجته في مسالك الضيق كله سواء في الخلقة مفرد الرقة، تتفجر من قلبه ينابيع الحكمة، فيعرف من أراده حده ورسمه، إن شاء أسهب، وأطنب، وإن شاء اقتصر، واختصر، يمشي على استحياء ميت بين الأحياء، فإذا أنشأ أحكم الإنشاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فعلم الحرف يؤخذ منه، والتصرف فيه يروى عنه، وعلم الكاف ألقى إليه بالمقاليد، وصيره من جملة العبيد، فإذا بالسواد تعمم، وأخذ يتكلم نسج حبرًا، وجرى في كل فن بما جرى، ورد المشيب شبابًا، وخلد المحاسن أحقابًا، وجاد بكف سائل، لا تنقطع منه الرسائل: فلو لم يكن في كفه غير نفسه … لجاد بها فليتق الله سائله وله في كل مقام مقال، وفي كل مقال مقام، لم يدع فكرة إلا نقدها، أو انتقدها، أو اعتقدها، وربما طلب منه المراد فعثر، ويقل ذلك منه، بل يكثر يزين الصفحات الغرر كما تزين الحياة بالطرر والعيون بالحور والخدود بالعذار الأخضر، وله عين صادية، وريقة مسكية، وذابل عامل، وعامل ذابل، تلقاه إن بان عذاره، بدت أعذاره، يحجل بالأدهم، فيريك انسلال الأرقم، فإذا استقبل مهب الهوى، أقلع عما إليه هوى، وإذا ضرب على قرنه، ومات أحيا العظام الرفات، يتولى تقاليد الملوك، مع أنه فقير صعلوك، ويطبع الأشكال على منوال وغير منوال، لم يزل من تكليم موسى على وجل، ومن إلقاء الواحد في خجل. وله المنشآت المشحونة بالبدائع، التي ذكرها شائع ذائع، فلو أقسم أنه من القرآن لما حنث في الأيمان، فإذا اشتدّ القر وتجهم وجه العبد والحر، وأنشد: أصبح البرد شديدًا فاعلمي … بات زيد ساهرًا لم ينم تحامى عن اللمس، أو أن يشار إليه بالأنامل الخمس، مع سلبه الاختيار، ما دام الفلك الدوّار، فطالما قال وهو يقدم رجلًا، ويؤخر أخرى، أما وأسطار سطرن سطرًا أنف في الماء، واست في السماء، إذا تذكرته أقبل عليك، وقبل بالخضوع راحتيك، وإذا أغضيت عنه قلاك، ونسي ما هناك، وادعى العجز عن النهوض عن القيام بالسنن والفروض، يقبل الرشوى، وليس هو من أمة الدعوى، إذا سرى دبّ دبيب الكرى، ربته الأيدي، حتى مهر، وأتى بما به بهر، فأصمت به مواقع أغراضها، وذبت بشباته عن أعراضها، فإذا ارتفع انتصب، وإذا انتصب ارتفع، وإذا طال وصف القلم، والله بذلك أعلم، وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وللمترجم في الهجو: يا ابن الذي في قعره علل … وأمه للأنام تفتعل وفيك حقًا يضرب المثل … أبوك ثوم وأمك البصل وكان أحد تجار "دمشق"، ويعرف بابن شحاده، وعد المترجم بشيء من العود، ثم ماطله به، فأرسل للمترجم بعض أصحابه شيئًا من العود، وكان المرسل سعيدًا، فنظم هذين البيتين مبكتًا على ابن شحاده، وهما قوله: وعود قد وعدنا فيه ممن … يخالف وعده والخلف عاده فعوّضنا بعود من سعيد … غنينا فيه عن عود الشحاده وله غير ذلك أشياء كثيرة، وكانت وفاته بـ "قسطنطينية" في صفر، سنة تسع وسبعين ومائة وألف، وأكبر أولاده محمد جاد الله كان بـ "دمشق" أحد المدرسين بها، وكان ذا عفة وحياء وسكون، وخصاله التى كان منطويًا عليها، لم تكن في أبيه، وتوفي بـ "دمشق" في سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، ومن الاتفاق: أن والده ولد بـ "دمشق"، وتوفي بـ "قسطنطينية"، وهو ولد بـ "قسطنطينية"، وتوفي بـ "دمشق"، رحمهما الله تعالى. * * *