page 6875, entry [6205]Open original source
٥٢١٠ - الشيخ الفاضل محمود بن يونس بن يوسف، الملقّب شرف الدين ، الخطيب الطبيب، رئيس الأطبّاء، وخطيب الخطباء بـ"دمشق"، الشهير بالحكيم الأعرج، المشهور * ذكره العلامة المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال ما نصه: قرأ في الفقه على الشيخ عبد الوهّاب خطيب الجامع الأموى، وفي الطب على أبيه، وفي القراءات والتجويد على الشهاب الطيبي، وولي إمامة المقصورة بالأموى سنين. ثم فرغ عنها للشيخ ناصر الدين الرملى الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وولي خطابة الأموى شركة الشيخ يحيى البهنسي، ثم جاء بحكم سلطاني أن لا يخطب العيدين إلا هو، ثم تفرغ آخر الأمر عن الخطابة لشريكه الشيخ يحيى المذكور، وحج في سنة سبع وتسعين وتسعمائة، فأخذ عن عالم "مكة" الشهاب أحمد ابن حجر الهيتمى، وعن الشيخ عبد الرحمن ابن فهد، وغيرهما، ودرس بالخاتونية وبالحقمقية. وكان يستلف أجور أوقافهما، وكان له تبذير وسوء تدبير في معيشته، وعلى كل حال فقد كان مذموم السيرة، معروفًا بالكبر والخيلاء، وكان يتجرأ على الفتوى، مع أنه كان يقصر عن رتبتها، ووقعت له محنة بسبب فتيا، انحرف عليه بسببها قاضي القضاة المولى مصطفى بن بستان، ورد عليه الفاضل أحمد بن إسكندر أحد جماعة القاضى المذكور في رسالة، قرظ عليها علماء ذلك الزمان، منهم: السيّد محمد بن خصيب، وتقدّم تقريظه، ومنهم: البوريني. ومن جملة ما قاله في تقريظه: وقد وقفت على هذه الرسالة وقوف وامق على مرابع عذرا، وأجلت طرف طرفي في مضمار بلاغتها إجالة ابن عباد لحظه في مراتع الزهرا: ونادمتها والليل مرخ ستوره … كأني جميل زار ربع بثينة فما زلت أغترف من حياضها، وأقتطف من رياضها، راويًا عنها غيث الأدب الذي انسجم، ناقلًا عنها الفصحاء العرب ما يزرى بلامية العجم، قائلًا: لله در مؤلفها، فلقد فتح من البلاغة بابًا مقفلًا، ومنح من صحاح ألفاظه لأهل الأدب مجملًا ومفصلًا. بيد أنها ترجمت عن أوصاف صادقة على موصوف، وحدثت عن اقتراف من هو بالمنكر معروف، فتعجبت من المبنى عنه مع قرب المعنى، وأفكرت في كمال يجتمع مع النقص في منزل ومغنى، فقلت: أما الأوصاف فإنها عليه صادقة، وأما الألفاظ فإنها بفضيلته غير لائقة، فعلمت أن ذلك، كما يحكى عن أبي زيد الذي كان تعارجه لكيد وصيد، ومن أين هذه التراكيب لمن انحلّ تركيبه، واختلّ ما بين أهل الكمال ترتيبه، ولعمري لقد حدث عنه لسان الرسالة، فوعى من الكثير قليلًا، واختصر في إيضاح بيانه، والمتن يحتمل شرحًا طويلًا، على أن في اعتذار المؤلّف عن عدم التكثير مندوحة بقوله: والقطرة تنبئ عن الغدير إعلامًا بأن البعرة تدل على البعير، إشارة إلى وقوف السقطات كثرة المخازي والجهالات، فمن ذلك روايته للحديث من غير معرفة كلام العرب، ودخوله في قوله ﷺ: "من كذب"، هذا مع عدم الإجازة المأخوذة لرواية الحديث، لا في زمنه السابق، ولا في وقته الحديث. ومنها: أنه يدعى الوعظ، وليس متعظًا، ومنها: مداومته على اغتياب من شماله أندى من يمينه، وغثه ما زال أنفع من سمينه، فإلى متى يقرض الأعراض السليمة، وهلا اشتغل بأحواله الحائلة السقيمة، ليت شعرى أيّ باب من الزلل ما دخل إليه، وأيّ نوع من الخطل ما أقام عاكفًا عليه، على أنه من يغتابه من المذمة سليم خالص، وما زال يتمثل بقول الشاعر: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ومنها: جلوسه مع زعنفة لم تحنكهم التجارب، ولم يزيدوا في الفضل على صبيان المكاتب، موهمًا أنه انتظم في سلك الأفاضل، مخيلًا أنه ورد من مياه الفضل أعذب المناهل مفاخرًا بالأشعار، التي لو أنصف دفعها إلى أهلها، ولما تكلف من غير انتفاع بها مشقة حملها فهو جالس بين القبور، طالبًا للنزال، أو كملهوف إلى الورد قانعًا بالآل عن الزلال: وإذا ما خلا الجبان بأرض … طلب الطعان وحده والنزالا ومنها: أنه يشمخ بأنفه على عصابة، هم جمال الأنام، وبمثلهم تفتخر الليالي والأيام، مع حقارة متاعه وقصر باعه، فيا لله العجب، ممن سقط عن مرتبة الطلب، كيف يترقى إلى معالي الرتب: ما لمن ينصب الحبائل أرضا … ثم يرجو بأن يصيد الهلالا فيا أيها الناكب عن طريق الصواب الذاهب في غير مذاهب أولي الألباب، ويحك إلى متى تتوكأ على العكاز، وتدعى بين الناس أنك من أهل البراز، ويلك، هلا وقفت في مجازك، وما تعديت من حقيقتك إلى مجازك. ومن جهلت نفسه قدره … رأى غيره منه ما لا يرى ولعمري، لقد كاد زيفك أن يروج، وقربت على عرجك من العروج، لكن قيض الله لك ناقدًا بصيرًا، وعالمًا كاملًا خبيرًا، فأظهر عوارك الذي كنت تخفيه، وأبدى من حالك ما لم تكن تبديه، وذلك علامة المحققين بلا نزاع، وخاتمة المدققين من غير دفاع، هو من أقول فيه من غير شك ولا تمويه: هذا الهمام الذي من عز سطوته … أمسى الذي رام ظلم الخلق مبتذلا هذا الذي مذ بدا في الشام صافحها .... كف السرور وعنها الهم قد رحلا قاضى القضاة ابن بستان الذي شملت … عواطف الفضل منه السهل والجبلا قد انجلت عنده كل الأمور كما … عن البرايا ظلام الظالمين جلا من در منطقه أو نور طلعته … طول الزمان يحلي السمع والمقلا انتهى. قال النجم: وكان حسن الصوت، إلا أنه كان يلحن في قراءته، ويطرب في خطبته، ويطيل بسبب ذلك الناس يمقتونه، ويسبونه بسبب التطويل، وكان يلبس عمامة كبيرة مكورة، وله عرج وقصر، وهو مع ذلك يتبختر، ويتخذ غلامًا أمرد من أبناء الناس، يمشي خلفه، وربما يلتفت، ويخاطبه في الطريق، كل منهما يرفل في زينته، وكان يعرف التركية، وإذا تكلم بها تبجح إزدراء بأبناء العرب، وهو ليس إلا منهم، وكانت فضيلته جزئية إلا أن جرأته كلية، وكان اختل مزاجه مدة تقرب من سنتين، وحصل له طرف من الفالج، ثم مات فجأة يوم الاثنين، سابع وعشري شعبان، سنة ثمان بعد الألف، ودفن بمقبرة باب الصغير. * * *