page 6677, entry [5997]Open original source
٥٠٥٨ - الشيخ الفاضل المولى مُحَمُّد خَان ابْن السُّلْطَان مُرَاد خَان طيّب الله ثراهما * ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: بُويعَ لَهُ بالسلطنة بعد وَفَاة أبيه فِي سنة خمس وَخمسين وَثَمَانمِائة، وَقد كَانَ السُّلْطَان مرادخان قبل وَفَاته بعدة سِنِين ترك السلطنة، وَذهب إلى بَلَده "مغنيسا"، وأجلس ابْنه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مَكَانَهُ، ثمَّ نَدم على ذَلِك لأمور يطول شرحها، فأرسل ابْنه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مَكَانَهُ بـ "مغنيسا"، وَجَلسَ هُوَ مَكَانَهُ إلى أن مَاتَ. ثمَّ إن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لما جلس على سَرِير السلطنة أولا جعل الْمولى خسرو قَاضِيا بالعسكر الْمَنْصُور؛ فَلَمَّا عزل عَن السلطنة تَركَه أركان السلطنة بأجمعهم، وَلم يتْركهُ الْمولى خسرو، فَقَالَ لَهُ السُّلْطَانْ مُحَمَّد خَان: اذْهَبْ أنس أيضًا مَعَهم، فَقَالَ: لَا أذهب، إن من المروءة أن يُشَارك الرجل صَاحبه فِي الدولة والعزل. فَأَحبَّهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لهَذَا الْكَلَام محبَّة عَظِيمَة، حَتَّى أكرمه فِي أَيَّام سلطنته الثَّانِيَة إكراما عَظِيما، وَعين لَهُ مناصب عالية، وعاش فِي أبهة وجلالة، وَهُوَ مُحَمَّد بن قرامرز كَانَ وَالِده من أُمَرَاء التراكمة، وَكَانَ هُوَ رومي الأصل، ثمَّ أسْلَمْ، وَكَانَ لَهُ بنت زَوَّجهَا من أَمِير آخر، يُسمى بخسرو، وَابْنه محمَّد كَانَ فِي حجر خسرو بعد وَفَاة أبيه، فاشتهر بِأَخ زَوْجَة خسرو، ثمَّ غلب عَلَيْهِ اسْم خسرو، وأخذ الْعُلُوم عَن مَوْلَانَا برهَان الدّين حيدر الْهَرَوِيّ الْمُفْتِي فِي الْبِلَاد الرومية. ثمَّ صَار مدرسا بِمَدِينَة "أدرنه" فِي مدرسة، يُقَال لَهَا: مدرسة شاه ملك، وَكَانَ لَهُ أخ مدرس بِالْمَدْرَسَةِ الحلبية، وَكَانَ جدّي يقْرَأ عِنْده، وَلما توفّي هُوَ هُنَاكَ أرسل الْمولى خسرو جدّي المرحوم إلى الْمولى يُوسُف بالي ابْن الْمولى شمس الدّين الْغِفَارِيّ، وَهُوَ مدرّس وقتئذ فِي مدرسة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بِمَدِينَة "بروسه"، ثمَّ إن الْمولى خسرو كتب فِي الْمدرسَة المزبورة حَوَاشِي على "المطوَّل"، وَاتَّفقَ أن جَاءَ السَّيِّد أحْمَد القريمي، وأرسل حَوَاشِيه إليه لينْظر فِيهَا، فَكتب هُوَ على حَاشِيَة تِلْكَ الحوَاشِي كَلِمَات، يرد فِيهَا على الْمولى خسرو، فَصنعَ الْمولى خسرو طَعَاما، ودعا الْمولى القريمي إلى بَيته للضيافة، وَجع عُلَمَاء بَلَده أيضًا. ثمَّ أحضر حَوَاشِيه، وَقرر كَلِمَات الْمولى القريمي، وَقرر أجوبته عَنْهَا، فَسلَّم الْمولى القريمي أجوبته بِمحضر من الْعلَمَاء، وَاعْتذر عَمَّا فعله، ثمَّ إن الْمولى خسرو صَار مدرسا بمدرسة أخيه بعد وَفَاته، ثمَّ صَار قَاضِيا بالعسكر الْمَنْصُور. وَلما جلسْ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان على سَرِير السلطنة ثَانِيًا جعل لَهُ كلّ يَوْم مائَة دِرْهَم، وَلما فتح "قسطنطينية" جعل الْمولى خضر بك قَاضِيا فِيهَا، وَلما مَاتَ هُوَ أعطى قَضَاء "قسطنطينية" مَعَ خواصها وَقَضَاء "غلطه" وَقَضَاء "أسكدار" لمولانا خسرو، وَضمَّ إليها تدريس مدرسة "أيا صوفية". كَانَ يذهب طلبته بأجمعهم إلى بَيته وَقت الضحوة، ويتغدون عِنْده، ثمَّ يركب الْمولى الْمَذْكُور بغلته، ويَمْشِي الطّلبَة قدامه إلى الْمدرسَة، ثمَّ ينزل الْمولي، فيدرس، ثمَّ يَمْشُونَ قدامه إلى بَيته، وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى مَرْبُوع الْقَامَة، عَظِيم اللِّحْيَة. وَكَانَ يلبس الثِّيَاب الدنيئة، وعَلى رأسه تَاج، عَلَيْهِ عِمَامَة صَغِيرَة، فَإِذا دخل يَوْم الْجُمُعَة جَامع "أيا صوفية" يقوم لَهُ من فِي الْجَامِع كلهم، ويطرقون لَهُ إلى الْمِحْرَاب، وَيُصلي عند المحراب، وَالسُّلْطَان مُحَمَّد خَان ينظر من مَكَانه، ويفتخر بِهِ، وَيَقُول لوزرائه: انْظُرُوا هَذَا أبو حنيفَة زَمَانه. وَكَانَ متخشّعا، متواضعا، صَاحب أخلاق حميدة، وَصَاحب سُكُون ووقار، وَكَانَ يخْدم فِي بَيت مطالعته بِنَفسِهِ، وَقد كَانَ عهد ذَلِك مَعَ مَا لَهُ من العبيد والجواري، بِحَيْثُ لَا يُحصونَ كَثْرَة، وَكَانَ يكنس بِنَفسِهِ بَيت مطالعته، يُوقد فِيهِ نَارا وسراجا. وَكَانَ مَعَ مَا له من أشغال الْقَضَاء والتدريس يكْتب كلّ يَوْم ورقتين من كتب السّلف، وَكَانَ لَهُ خطّ حسن، وَخلف بعد مَوته كتبا كَثِيرَة بِخَطِّهِ، وَوجد فِيهَا نسختان بِخَطِّهِ من "شرح المواقف" للسَّيِّد الشريف، واشتراهما بعض من عُلَمَاء هَذِه الديار بِسِتَّة آلاف دِرْهَم. ثمَّ إن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان اتخذ وَليمَة عَظِيمَة فِي ذَلِك الْعَصْر، فأرسل إلى الْمولى الكوراني، واستاذنه فِي أَيْن يجلس، فَقَالَ: الأليق بالكوراني أن يخْدم فِي هَذِه الْوَليمَة، وَلَا يجلس، فَوَقع هَذَا الْكَلَام فِي خاطر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، فعينْ لَهُ جَانبْ الْيَمين، وَعين جَانب الْيَسَار لمولانا خسرو، وَلم يرضْ بذلك الْمولى خسرو، فَكتب كتابا. وَقَالَ فِيهِ: إن الْغيرَة العلميةْ والدينية اقْتَضَت أن لَا أحضر ذَلِك الْمجْلس، فأرسل الْكتاب إلى الدِّيوَان العالي، وَركب هُوَ فِي السَّفِينَة، وَذهب إلى "بروسه"، وَبنى هُنَاكَ مدرسة، ودرس فِيهَا، وَبعد زمَان نَدم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان على مَا فعله، وَدعَاهُ إلى مَدِينَة "قسطنطينية"، فامتثل أمْرَهْ، وأعطاه منصب الْفَتْوَي، وأكرمه إكراما بَالغا. وَله مَسَاجِد، بناها فِي عدّة مَوَاضِع، من "قسطنطينية". وَمن مصنفاته: حَوَاشِي "شرح المطول"، وَقد مرّ ذكره، و"حواشي التلْوِيح"، وحواش على أوائل "تَفْسِير الْعَلامَة الْبَيْضَاوِيّ". وَله من فِي الأصول، يُسمى بـ "مرقاة الْوُصُول"، وَشَرحه شرحا لطيفا جَامعا لفوائد الْمُتَقَدِّمين، مَعَ زَوَائِد، أبدعها خاطره الشريف، سَمَّاهُ "مرآه الْأُصُول"، وَله من فِي الْفِقْه، سَمَّاهُ بـ"الغرر"، وَشَرحه شرحا حسنا جَامعا متضمنا للطائف، وَسَمَّاهُ بـ "الدرد"، وَله رِسَالَة فِي الْوَلَاء، ورسالة مُتَعَلقَة بتفسير سُورَة الأنعام، وَغير ذَلِك. مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَثمانمِائَة بـ "قسطنطينية"، وَحمل إلى مَدِينَة "بروسه"، وَدفن فِي مدرسته، روّح الله تَعَالَى روحه. * * *