page 6159, entry [5488]Open original source
وفاته: عاد من مجاورته بعد الحج في رمضان سنة ستين وهو متوعك، فَسُرّ المسلمون بقدومه، وعكف عليه من شاء الله من طلبته وغيرهم أيامًا من الأسبوع إلى أن مات في يوم الجمعة سابع رمضان سنة إحدى وستين وثمانمائة (٨٦١ هـ)، وصلي عليه بعد العصر في مشهد حافل شهده السلطان فمن دونه، وقدم للصلاة عليه قاضي مذهبه ابن الديري، وكان الشيخ يجله، كما أنه كان يجل الشيخ، وينقل عنه في تصانيفه كـ "شرح الهداية"، ويروي عنه في حياته، ويفتخر بانتسابه إليه، ودفن بـ "القرافة" في تربة ابن عطاء الله، ولم يخلف بعده في مجموعه مثله في الجمع بين علمي المنقول والمعقول، والدين والورع والعفة والوقار في سائر الدول. ﵀ ورضي عنه ونفعنا ببركاته وعلومه. آمين. للكمال بن الهمام شعر أعلى قليلًا من شعر الفقهاء، منه قوله في قصيدة يحض على مدح الرسول ﷺ: إذا ما كنت تهوى خفض عيش … وأن ترقى المدارج للكمال فدع ذكرَ الحميا والمحيا … وآثار التواصل والمطال وأن تهدى بزهر وسط روض … وأخبار المهاة أو الغزال وكن حبسًا على مدح المفدى … رسول الله عين ذوي المعالي فإن لديه ما يرجى ويهوى … جميل الذكر مع جزل النوال وكان شاعر العصر الذي عاش فيه الكمال ابن الهمام، هو شهاب الدين المنصوري، أحمد بن محمد بن علي، المعروف بابن الهائم، والمولود في المنصورة سنة ٧٩٨ والمتوفى سنة ٨٨٧، فمدحه بقصيدة منها: بحرُ خضم في العلوم زاخر … سيف صقيل في الحقوق مرهفُ سل عنه في العلم وفي الحلم معًا … فهو أبو حنيفة والأحنف لا ثانيا عطفا ولا مستكبرا … ولا أخو عُجب ولا مستنكف لا يطرق الكبر له شمائلا … ولا يهز جانبيه الصَلَف فهو من الخير وأنواع التقى … على الذي كان عليه السلف فلو حلفت أنه شيخ الهدى … لصدَّق الناس وبر الحلف يا دوحة العلم التي قد أينعت … ثمارها والناس منها تقطف ﵀ وجزاه عن الإسلام خير الجزاء. قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد" (ص ١٨١): قد طالعت من تصانيفه "فتح القدير" من الابتداء إلى كتاب الوكالة، وهو مبلغ تأليفه، و"تحرير الأصول"، و"المسايرة" في العقائد، و"زاد الفقير" مختصر في مسائل الصلاة، ورسالة في إعراب سبحان الله وبحمده، وكلها مشتملة على فوائد، قلما توجد في غيرها، وقد سلك في أكثر تصانيفه لا سيّما في "فتح القدير" مسلك الإنصاف، متجنّبا عن التعصّب المذهبي والاعتساف، إلا ما شاء الله، وقد أطال السيوطي في ترجمته في "البغية"، وقال: ولد سنة تسعين وسبعمائة، وتفقّه بالسراج قاري "الهداية"، ولازمه في الأصول، وغيره، وانتفع به، وبالمحب ابن الشحنة، لما قدم "القاهرة" سنة ثلاث عشمرة وثمانمائة، ولازمه، ورجع معه إلي "حلب"، وأقام عنده إلى أن مات، وأخذ العربية عن الجمال الحميدي والأصول، وغيره عن البساطي، والحديث عن أبي زرعة العراقي، وسمع الحديث على الجمال الحنبلي، والشمس الشمامي، وأجاز له المراغي، وابن ظهيرة، وتقدم على أقرانه، وبرع في العلوم، وتصدّى لنشر العلم، فانتفع به خلق كثير، وكان علامة في الفقه والأصول والنحو والصرف والمعاني والبيان والتصوّف والموسيقي، محقّقا، جدليا، نظّارا، وكان له نصيب وافر مما لأرباب الأحوال من الكشف والكرامات، وكان تجرد أولا بالكلية، فقال له أهل الطريق: ارجع، فإن للناس حاجة بعلمك، وكان يأتيه الوارد، كما يأتي الصوفية، لكنه يقلع عنه بسرعة لأجل مخالطة الناس، أخبرني بعض الصوفية من أصحابه أنه كان عنده في بيته الذي بـ "مصر"، فأتاه الوارد، فقام مسرعا، وأخذ بيدي بجرّني، وهو يعدو في مشيته، وما زلت أجري معه إلى أن وقف على المراكب، فقال: ما لكم واقفين ههنا؟ قالوا: أوقفنا الريح، وما هو باختيارنا، فقال: هو الذي يوقفكم، فقالوا: نعم، ثم أقلع عنه الوارد، فقال لي: لعلي شققت عليك، فقلت: أي والله انقطع قلبي من الجري، فقال: لا تأخذ عليّ، فإني لم أشعر بشئ مما فعلته، وكان يلازم لبس الطيلسان، كما هو سنة الفقهاء، وكان يرخيه كثيرا على وجهه، وكان يخفّف صلاته، كما هو شأن الأبدال، وكان أفتى برهمة من عمره، ثم ترك الإفتاء جملة، وولي من الوطائف تدريس الفقه بالمنصورية والأشرفية والشيخونية، مات يوم الجمعة سابع رمضان، سنة إحدى وستين وثمانمائة. انتهى ملخَّصا. * * *