Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

التحدث عما رماه به بعض الجارحين

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 5998, entry [5348]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 5998, entry [5348]Open original source
التحدّث عما رماه به بعض الجارحين من خصوم المنزّهين: لابن عدي انحراف عجيب عن أبي حنيفة وأصحابه، فلا تجد في كتابه "الكامل" كلمة واحدة في الثناء على واحد منهم، بل كلامه كلّه تجريح وتشنيع فيهم، مع أنهم قادة الأمة في الفقه، والعقيدة من أقدم العضور إلى اليوم، وإلى ما شاء الله، بل لا يستطيع أحد ممن يعي ما يقول أو يقال له توهين مداركهم في الكتاب والسنة في الفروع والأصول والعقيدة، بل باقي أرباب المذاهب الفقهية انتهجوا مناهجهم الفقهية باستدراك طفيف، يناقشهم المتأخّرون في ذلك، وسبقهم بالفضل تحت اعتراف الجميع، إلا من طَمَسَ الله بصيرته، فأصبح يتخبّط في مكابرة الحقائق، ولذا قال ابن الأثير في "جامع الأصول" ما معناه: لولا أن الله سبحانه جعل سرا في أبي حنيفة لما اتخذه شطر الأئمة المحمدية قدوة في دين الله، يتعبّدون الله بمذهبه من أقدم العصور إلى اليوم، ثم يشكو مر الشكوى من بعض أهل مذهبه، حيث يتحاملون على هذا الإمام الفذّ، وأطال الكلام في ذلك. والواقع أن أقلّ ما يقال في أتباعه: إنهم شطر الأمة المحمدية. والصحيح أنهم ثلثا الأمة، كما حقّق على القارى في "شرح المشكاة"، والتدليل على ذلك سهل ميسور، فيكون التطاول والتحامل عليه استهانة وعداء وتحاملا على معظم الأمة المحمدية، ووزر ذلك لا شكّ عظيم. ونحن على استعداد للنظر في كل نقد يوجّه إلى واحد من أئمتنا، وقبول ما يبرهن عليه منها بكلّ إنصاف، لكن من نراه يملأ كتابه كلّه بمثالب (¬١) شنيعة في جميع أئمتنا من غير ذكر أيّ منقبة لواحد منهم باسم القيام بتجريح المجروحين من نقلة العلم نكشف عن اتجاهه الستار، ونبدي ما ينطوي عليه من سوء النية، وفساد الطوية بها عتبار أن عمله ذلك إهانة للأمة، وامتهان للملة، حيث عدّهم اتخذوا شرار خلق الله قدوة في دين الله، فنناقش ابن عدي المعتدي على كلماته الخارجة عن الاتّزان، ومن عيوب ابن عدى في "الكامل" أخذه الشيوخ بعيوب الرواة عنهم. وهذا إخسار في الميزان، كما يشير إلى ذلك الذهبي والسخاوى وغيرهما. وابن عدي يقول في "الكامل" في ترجمة الإمام أبي عبد الله محمد بن شجاع الثلجي ﵁: محمد بن شجاع أبو عبد الله الثلجي من أصجاب الرأي متعصّب، سمعت موسى بن القاسم بن موسي بن الحسن بن موسى بن الأشيب يقول: كان ابن الثلجي يقول: من كان الشافعي؟ إنما كان يصحب بريرا المغني، فلم يزل يقول هذا، إلى أن حضرته الوفاة، فقال: رحم الله أبا عبد الله - يعني الشافعي، وذكر علمه، وقال: قد رجعت عما كنت أقول فيه. قال الشيخ يعني ابن عدى: وكان يضع أحاديث في التشبيه، ينسبها إلى أصحاب الحديث ليثلبهم به، روي عن حبّان بن هلال، (وحبّان ثقة) عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة عن النبي ﵊ قال: إن الله خلق الفرس، فأجراها، فعرقت، ثم خلق نفسه منها. مع أحاديث كثيرة، وضعها من هذا النحو، فلا نحبّ أن نشتغل به، لأنه ليس من أهل الرواية، حمله التعصّب على أن وضع أحاديث، ليثلب أهل الأثر. و (أحاديث) في الموضعين (أحاديثا) في عبارته، حيث لم يكن يرعى قواعد النحو، لأنه كان عاميا لحّانا، ليس عنده من العربية ما يقوم به لسانه، فضلا عن أن يكون حائزا لعلم يقوم به فكره، وقد فسد بمعاشرة ابن أبي داود المعروف، كلّ ما فيه اطلاعه على قماطر النقلة الرحل لأجل كنابة الأحاديث من الشيوخ، فنستأنس برواياته، مع النظر في أسانيده، ولا نجاريه في جهالاته تعبيرا وتفكيرا. هذا ما نذكره عرضا. أما قوله من أصحاب الرأي، فنعم، لأنه كان صاحب غوص، وفهم في الكتاب والسنَّة، ولا فقه، حيث لا رأى وفقهاء الصحابة والتابعين كلهم من أهل الرأي، والآثار في ذلك مسرودة في "جامع بيان العلم"، و "الفقيه والمتفقه"، ولذا ذكر ابن قتيبة في "المعارف" مالك بن أنس في عداد أهل الرأي، ولا أدري لماذا لم يذكر الإمام ابن عدي في أحد فريقي الرأي والحديث. وأما رميه بالتعصّب، فلم يدلّل عليه، وإنما التعصّب هو التحزّب لرأي أو طائفة بدون إقامة حجَّة، وهو الذي مضى عليه ابن عدي في "كامله"، فيكون هذا محاولة منه أن يرميه بدائه، وطريق ابن شجاع في الآراء والمسائل وإقامة الحجّة عليها، كما تجد مصداق ذلك في كتب المذهب. وأما قوله: من كان الشافعي؟ ومؤاخذته على مصاحبته لمغن، فمن قبيل ما رواه محمد بن إسحاق النديم في "الفهرست" عن أبي القاسم الحجازي عن محمد بن شجاع، قال (كان يمر بنا في زى المغنّين على حمار، وعليه رداء محشو وشعره مجعد) فلا أستسيغ أن يتكلّم أحد في إمام من أئمة المسلمين بمثل هذه اللهجة، ولا شكَّ أن هذا الزيّ الذي كان يتزيّا به الإمام هو زيّ أهل "الحجاز"، وكان ابن شجاع يرى ورود بعض المغنّين من "الحجاز" بهذا الزيّ، فظنّ أنه زىّ المغنّين، وأهل "الحجاز" كانوا يتسامحون في الغناء، ولم يكن عندهم جمود أهل "العراق" في ذلك، بل بعض شيوخهم الذين يقدّمون "العراق" كانوا يستصحبون من يغنّيهم، كما فعل إبراهيم بن سعد الزهري، وعبد الملك بن الماجشون، ثم كيف يعدّ صحبة مثل إبراهيم الموصلى المغنّي مثلا وسيلة تعيير في "العراق"، مع إتقانه كثيرا من العلوم، والغناء نفسه فن، يختلف حكمه باختلاف الغايات، ولعل لهجة ابن شجاع أتت من جهة أن الشافعي سبق أن آى شيخه الحسن بن زياد، بقوله: ليس هناك، وبتدبير أن يكلّمه بعض تلاميذه الذين انفضّوا من حوله، وانحازوا إليه كما سبق، لكن بالنظر إلى أن محمد بن شُجاع رجع عن ذلك، وأقرّ بعلم الشافعي، نقول: عفا الله عما سلف، ونسكت. على أن موسى بن الأشيب توفي سنة ٣٣٩ هـ، ولم يدرك زمن ابن شجاع، وأبو القاسم الحجازى غير موثق. وأما قوله: (وكان يضع أحاديث في التشبيه، وينسبها إلى أصحاب الحديث)، فداهية دهياء، وأشنع افتراء على مثل ذلك الإمام الجليل المشتهر بإمامته، وأمانته، وسعة روايته، ودقة درايته، وكثرة عبادته، وحسن خاتمته، حتى لم يجترئ أمثال ابن أبي حاتم والعقيلي وابن حبَّيان على أن يتكلّموا فيه ببنت شفة. وابن عدي تراه يرمي هذا الرمي الفظيع بدون أيّ دليل، وليس ابن شجاع مصدر ذيوع تلك الرواية الفاضحة بين النقلة، بل كانت متناقلة بين جهلة الرواة في عصره، وقبله، وابن قتيبه يشكو مرّ الشكوى من حملهم تلك الفاضحة، ويقول في "الاختلاف في اللفظ" (ص ٤٥) (ولما رأى قوم من الناس إفراط هؤلاء في النفي عارضوهم بالإفراط في التمثيل، فقالوا: بالتشبيه المحض وبالأقطار والحدود، وحملوا الألفاظ الجائية في الحديث على ظاهرها، وقالوا: بالكيفية فيها، وحملوا من مستشنع الحديث عرق الخيل وحديث عرفات، وأشباه هذا الموضوع، ما رأوا أن الإقرار به من. السنّة، وفي إنكاره الريبة وكلا الفريقين غالط). وقال ابن عسكر في "تبين كذب المفتري" (ص ٣٦٩) ردا على أبي علي الأهوازي:- إنه كان سالميا مشبّها مجسما حشويا، ثم ذكر كتاب الأهوازي المسمّى "البيان في شرح عقود أهل الإيمان" - المحتوي على الأحاديث الموضوعة كحديث ركوب الجمل، وعرق الخيل، فهل كان محمد بن شجاع، هو الذي أذاع بين النقلة تلك الفاضحة في عصر ابن قتيبة المعاصر له؟ أم هو الذي حمل أناس على تدوينها في كتبهم، وكتاب أبي على الأهوازي كان محفوظا في ظاهرية دمشق. فهذا دعوى أنه يضع أحاديث في التشبيه. ولم ينقل ابن عدي ذلك من أحد، ولا رفع سنده في شيء منها إلى ابن شُجَاع، بل جازف، وقال: إنه روى حديث الفرس عن حبان بن هلال. ولو انفرد مثله بالرواية عن حبّان لما ساغ رميه بوضع تلك الفاضحة مع وجود مثل حماد بن سلمة المختلط الذي شهر لإدخال ربيبه عبد الكريم بن أبي العوجاء، وربيبه الآخر زيد المعروف بابن حماد بن سلمة أحاديث موضوعات في كتبه مع صحة روايته فيما قبل، وإمامته في العربية، وفي كتب الموضوعات المبسوطة نماذج كثيرة، مما أدخل عليه راجع كتاب ابن الجوزي وغيره. وشيخه أبو المهزم بكسر الزاء المشدّدة يزيد بن سفيان، يقول عنه شعبة: (لو يعطى درهما لوضع حديثا، وكان أبو المهزم مطروحا في مسجد ثابت، لو أعطاه إنسان فلسا لحدّثه سبعين حديثا)، فخلعة الوضع لا تخلع على مثل ابن شجاع مع وجود حماد بن سلمة، وأبي المهزم في السند، ومن قلة الدين رمي مثل محمد بن شجاع بوضع أحاديث من غير ذكر دليل واحد على وضعه لحديث واحد بسند يوصل إليه. وغاية ما في الأمر أنه وقع في "تاريخ الحاكم": أنبأنا إسماعيل بن محمد الشعراني، أخبرت عن محمد بن شجاع الثلجي، أخبرني حبّان بن هلال عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعًا: إن الله خلق الخيل فأجراها، فعرقت، ثم خلق نفسه منها: ولا إمكان لاهتمام مثل ابن شُجاع في دينه وورعه بوضع مثل هذا الخبر الساقط بقول إسماعيل بن محمد الشعراني: أخبرت عنه، لأن هذا نصّ على انقطاع الخبر، فمن هذا الذي أخبره عنه أسمعه منه سماعا، أم سمعه من آخر، يقول أيضًا أخبرت عنه؟ وما مبلغ هذا، وذاك وذلك؟ وبين الشعراني وأبي شجاع من المدة ما يجعل الساقط من بينهما نحو ثلاثة أشخاص، فمن هؤلاء المجاهيل؟ وما هي أحوالهم؟ ولم يرم محمد بن شُجاع أصلا خبر معين في كتاب من الكتب فيما نعلم مع طول أمد بحثنا عن ذلك، ولم يرمه أحمد مع ما بينهما من الجفاء بالكذب أصلا. بل روي عنه أنه قال عنه: مبتدع صاحب هوى، كما هو رأيه في الواقفة، فليتق الله ابن عدي أن ينسب هذه الفرية إلى فقيه مثله في علمه ودينه ووجاهته وخاتمته، وإن كان شجي في حلوق المشبّهة وجذعا في أعين الحشوية بما ألّفه في الرد على المجسّمة، كما يعلم اتجاه رده واتجاه لخصومه من "كتاب النقض" (¬١) لعثمان بن سعيد الدارمي المجسّم، وقد أقام النكير عليهم فيه لروايتهم أمثال هذه السخافات. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال: إن الزنادقة يدسّون تلك الأباطيل في كتب الرواة، فيروونها بسلامة باطن، فحذرهم من مسايرتهم، وهو الواقع، والدارمي يستبعد كلّ الاستبعاد اقتراب هؤلاء من الرواة، فضلا عن تمكّنهم من الدسّ في كتبهم، وابن عدى هذا يعكس الأمر، ويجعل الداسّ في كتبهم، هو ابن شُجَاع، حيث يقول في "الكامل" في ترجمة حماد بن سلمة بعد أن قال: حدثنا ابن حماد، ثنا أبو عبد الله محمد بن شُجَاع بن الثلحي، أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث، حتى خرج خرجه إلى عباد أي فجاء، وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانا خرج إليه في البحر، فألقاها إليه. قال أبو عبد الله: فسمعت عباد بن صهيب يقول: إن حماد بن سلمة كان لا يحفظ، فكانوا يقولون: إنها دسّت في كتبه، وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدسّ في كتبه هذه الأحاديث: و (أو عبد الله الثلجي كذّاب، وكان يضع الحديث، ويدسّه في كتب أصحاب الحديث أحاديث كفريات، فهذه الأحاديث من تدسيسه)، وهذا نصّ كلام ابن عدي في ترجمة حماد بن سلمة، وهذا من غريب التعدّي من ابن عدي، مرة يقول: يضع الحديث، وينسبه إلى أهل الحديث، ومرة يقول: يضع الحديث، ويدسّه في كتبهم، فكيف يعقل هذا، ولم يكن ابن شجاع خادما ولا ربيبا عند راو من الرواة، خاصة الحشوية منهم، حتى يتصوّر أن يدسّ بين كتب أحدهم شيئا، فكان هذا الجارح العامي اللاحن لم يكن يعرف مبلغ سعة علم ابن شجاع، وتصوّنه، وديانته، ووقاره، ووجاهته، حتي تكلّم فيه بكلام معه ما يبطله، فكفى الله المؤمنين القتال، فيا ترى هل يبقى الراوي مقبول الرواية بعد أن دسَّ في كتبه شيئا، وتلقّن ذلك، ورواه، فإذا لم يبرهن هذا الجارح الطالح على كتب من دسّ ابن شجاع؟ وماذا دسَّ؟ كيف دسّ؟ لا ينجيه من هذه الوقيعة الفاجرة المفضوحة إذا وقعت الواقعة كونه يرويها مثلا من عامي مثله، كأسراب طير يطير بعضها خلف بعض، فلعائن الله على من اجترأ على مثل هذا الافتراء على الأئمة الأبرياء، ففي "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص ٣٦٩)، و"الاختلاف في اللفظ" لابن قتيبة (ص ٤٥)، و"تكملة الرد على نونية ابن القيم" (ص ٩٧) من الإيضاح ما لا يدع أدنى شبهة في هذا الموضوع لمن أنصف وتدبَّر. وحماد بن سلمة كان كثير الزواج، تزوّج ما يقرب مائة من النساء. وهذا مما جعله شديد الاختلاط، وقد ذكر ابن عدي نفسه في ترجمته حديثه عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قرأ، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. الأعراف الآية ١٤٣، قال أخرج طرف خنصره، وضرب على إبهامه، فساخ الجبل، قال: فقال: حماد لثابت: تحدّث بمثل هذا؟ قال: فضرب بيده في صدره، وقال: يقوله أنس، ويقوله رسول الله ﷺ، وأكتمه أنا؟ وقد أساء الضياء إلى نفسه بإخراج هذه الخرافة إلى مختارته، وحديثه عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن محمدا رأى ربه في صورة شاب أمرد من دونه ستر من لؤلؤ، قدميه (هكذا)، أو قال رجليه في خضرة (¬١)، ونحو ذلك، نسأل الله السلامة، وأما قول الخطيب رواية عن محمد بن أحمد الآدمي عن محمد بن علي بن أبي داود عن زكريا السجي (كان محمد بن شجاع الثلجي كذَّابا احتال في إبطال الحديث عن رسول الله ورده نصرة لأبي حنيفة ورأيه) فالأدمي لم يكن صدوقا، وكان يسمع لنفسه في كتب لم يسمعها، كما نصّ على ذلك الخطيب نفسه، والساجي يحاول بقوله هذا أن يرمي ابن شجاع بدائه نفسه، كما يظهر من كتابيه في الاختلاف والعلل. قال أبو الحسن بن القطَّان في الساجي: (مختلف فيه في الحديث وثّقه قوم، وضعَّفه آخرون). والذهي لم يعلم جرحا فيه أصلا، لكن علم الجرح فيه من علم، بل قتله أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن" (١: ١١٣)، وأقبره بكشفه الستار عن اتجاهه، وإليك بعض ما يقوله: (فإن احتجّ محتج بما ذكره زكريا بن يحيى الساجي عن بندار وإبراهيم بن محمد التيمي، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ سُئل عن الجنين يخرج ميتا، فقال إن شئتم فكلوه، فإن ذكاته ذكاة أمه. قيل له: قد روى هذا الحديث جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد، ولم يذكروا فيه: إنه خرج ميتا، ورواه جماعة عن مجالد، منهم: هشيم، وأبو أسامة وعيسى بن يونس، ولم يذكروا فيه أنه خرج ميتا. وإنما قالوا: سئل النبي ﷺ عن الجنين، يكون في بطن الجزور أو البقرة أو الشاة، فقال: كلوه، فإن زكاته زكاة أمه، ورواه أيضًا ابن أبي ليلى عن عطيه عن أبي سعيد عن النبي ﷺ. وكذلك قال: كل من يروى ذلك عن النبي ﷺ ممن قدمنا ذكرهم، ولم يذكر واحد منهم أنه خرج ميتا، ولم تجئ هذه اللفظة، إلا في رواية الساجي، ويشبه أن تكون هذه الزيادة من عنده، فإنه غير مأمون، وقد كشف أبو بكر الرازي هكذا الستار عن وجه الساجي ببيانه النير، فتبين بذلك أن الساجي حينما قال عن ابن شجاع (إنه كذاب، احتال في إبطال الحديث ورده، نصرة لإمامه) إنما حاول رمي محمد بن شجاع بدائه نفسه من غير أيّ دليل، فيسكت الساجي هكذا من مقام التعويل، وإن تلطّف أبو بكر الرازي في التعبير جاعلا الحجّة هي التي تنطق، هكذا تكون تسوية الحديث على موافقة المذهب، نسأل الله السلامة. فإن ميل: للساجي متابع في "سنن الدارقطني" حيث يقول: (حدثنا أبو بكر الشافعي، نا ابن ياسين، نا بندار، نا يحيى القطّان، عن مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ سئل عن الجنين يخرج ميتا، قال: إن شئتم فكلوه … ). أقول: ابن ياسين هو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي المتوفى سنة ٣٣٤ هـ، ولم يدرك بندارا، وهو محمد بن بشّار المتوفى سنة ٢٥٢ هـ، فيكون بينهما الساجي، حتى يتصل السند، أسقطه من أسقطه، ليوهم أن ابن ياسين معروف بالكذب. فيستغرب إخراج الدارقطني لهذا الحديث في "سننه" من غير تنبيه على ما فيه، ومن هذا يعلم أن داء القوم مما لا دواء له، غير مسيار يختبر به غور الجرح المهلك فيهم، والله ﷾ هو الهادي. وأما ذكاة الجنين فمشروح في النكت الطريفة (ص ٦٢) فليراجع البحث هناك من شاء. وأما رواية الخطيب عن أبي الفتح الأزدي في ابن شجاع فنحيلها إلى قوله: (كذاب لا تحلّ الرواية عنه لسوء مذهبه وذيغه عن الدين). فدليل كذبه هو ذيغه في نظره، فعلى هذا يكون للرافضي حق تكذيب من شاء من غير أهل مذهبه: في نقد الخطيب ومتابعة ابن الجوزى في الروايتين. وأما من يقول: كان أحد الجهمية القائلين بالوقف في القرآن والمصنفين في ذلك، ولعثمان بن سعيد الدارمي كتاب في الرد عليه وعلى صاحبه بشر بن غياث المريسي وغيرهما من الجهمية. فقد اغترّ بخلطائه من الحشوية من غير أن يدرس كتاب الدارمي وغيره في هذا الموضوع. وقول القواريري في رواية الخطيب: أن ابن شجاع كافر. يضرّ القواريري لا ابن شجاع، لأن الوقوف بالمعنى الذي سبق ليس من الكفر في شئ، كم كان لهم إذ ذاك من إكفار وتبديع وإضلال بأتفه الأسباب، والجدير بمثل عبيد الله بن عمر القواريري أن يتذكر إجابته في المحنة مع الأولين ويستحي من الكلام في مثل ابن شُجاع، ومثله يجب أن يكون آخر من يتكلّم فيه. ومما حكى الذهبي في "تاريخه الكبير" أنه جاء من غير وجه، أن ابن الثلجي كان إذا سئل عن أحمد بن حنبل وأصحابه يقول: أيّ شيء قام به أحمد بن حنبل؟ فكأنه كان يرى أنه لم يشرف على تدوين المذهب، وإنه قطع التحدّث قبل وفاته بثلاث عشرة سنة، فبقي مسنده غير مهذّب. فتحرير المذهب، وتهذيب المسند كانا أمرين ضروريين، ولم يقم بهما، وثباته في الامتحان ما كان ابن شجاع يعدّه شيئا، لكونه على خلاف معه في المسئلة، لكن كفى للإمام أحمد فخرا ما نشر له أصحابه من علومه، التي ملأت الكون، بيد أن ابن شجاع كان غير مرضيّ عندهم، فكان ينال منهم، وينالون منه، بأبذأ الكلمات، ونماذج من ذلك تجدها في نقض عثمان بن سعيد الدارمي، فطالعها لتعرف اتجاهه واتجاه خصومه، وتصيب في الحكم. وحكى الذهبي عن هارون بن يعقوب الهاشمي أنه سئل أحمد عن ابن الثلجي وأصحابه، قال: جهمية. قيل: أكان من أصحاب المريسي؟ قال: نعم، وأنت تعرف، أن الإمام الشافعى كان نزل في بيت المريسى بـ"بغداد" في رحلته الثانية، لكن زجّ نفسه في المحنة الممقوتة، فساء كلامهم فيه، وحكى الذهبي أيضًا عن المروزي: أتيته، ولمته، (يعنى ابن شجاع)، فقال: إنما أقول كلام لله، كما أقول: سماء الله، وأرض الله، فقمت، وما كلَّمناه، حتى مات، وكان المتوكل قد همَّ بتوليته القضاء، فقيل له: هو من أصحاب بشر، فقطع الكتاب الذى كان كتب له في ذلك، وأبو بكر المروزى راوي الحكاية من أجلّة أصحاب الإمام أحمد، إلا أنه زلَّت قدمه، وزعم أن المقام المحمود هو إقعاد محمد ﷺ على العرش في جنب الله تعالي، مع استحالة ذلك عند أهل الحق، ومخالفته الصارخة للسنة المتواترة في تفسيره بالشفاعة العظمي، وهذا المروزي هو الذي يحدّث عن أبي إسحاق الهاشمي عن الزيادي: أشهدنا ابن الثلاج على وصيته، وكان فيها: ولا يعطى من ثلثي إلا من قال: القرآن مخلوق، كما في "تهذيب التهذيب"، ولعل ابن الثلاج هذا غير محمد بن شجاع الثلجي، فإن المستفيض عنه أنه كان من الواقفة، لا من القائلين بأنه مخلوق، على أن القول: بأنه مخلوق صحيح، إذا أريد به ما في المصاحف، والألسن، والأذهان، من الخطوط والأصوات والصور الذهنية، لا ما قام بالله في علم الله، ومما يقضي منه العجب تعود ابن عدي في كتابه أن يقول عند تحدّثه عن خصومه ممن لهم براعة في الحديث، (ولم يكن من أهل الصنعة وما كان يدري ما الحديث! وما كان من أهل الرِّواية) هكذا يكون تحكّم الجاهل المتعصّب، ليكشف عن دائه. وأكتفى بهذا القدر في سرد ما يروي في محمد بن شجاع، وقد بينت ما في تلك الروايات من المآخذ على مبلغ علمي وفهمي، وبعد الإلمام بما سبق فللقارئ الكريم أن يختار ما شاء تحت مسؤليته، وفي تلك البحوث عبر في مبلغ اتساع الخرق على الراقع بأتفه الأسباب، والله سبحانه هو الهادي إلى الصَّواب. وروى الخطيب عن إبراهيم بن نحلد عن أحمد بن كامل عن أبي الحسن علي بن صالح بن أحمد البغوي عن محمد بن عبد الله الهروي، سمعت أبا عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، يقول: ولدت في اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة ١٨١ هـ، وتوفي وهو في صلاة العصر ساجدا لأربع ليالي خلون من ذي الحجّة سنة ستّ وستين ومائتين، ودفن في بيت من داره، ملاصقا للمسجد، وأخرج للبيت شباك إلى الطريق، ومدفنه في الدرب المعروف بدرب المعوج، الملاصق لداره محمد بن عبد الله بن طاهر، قال: أبو الحسن وحكى لي جدّي أنه سمع أبا عبد الله محمد بن شُجاع يقول: ادفنوني في هذا البيت، فإنه لم يبق فيه طابق إلا ختمت عليه القرآن، أغدق الله على جدثه سحب الرضوان، وتغمَّده بالرحمة والغفران. * * *
Parsing and provenance details
Local passage ID
1095523
Book record
shamela-819
Source record
1110562
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain