page 5173, entry [4513]Open original source
٣٨٢٠ - الشيخ الفاضل المولى غرس الدين أحْمَد * ذكره صاحب "العقد المنظوم" في كتابه، وقال: نَشأ ﵀ فِي مَدِينَة "حلب"، وَرغب فِي الْعُلُوم، وتشبث بِكُل سَبَب، وَقَرَأَ المختصرات على الشَّيْخ حسن السيوفي، وَحصل طرفا صَالحا من فنون الأدب. ثمَّ قصد إلى التَّحْصِيل التَّام، فارتحل مَاشِيا إلى "دمشق الشَّام"، وَأخذ فِيهِ الطِّبّ من مقدم الألباء وَرَئِيس الأطبّاء الْعَالم الذكي المشتهر بِابْن الْمَكِّيّ. ثمَّ انْتقل من تِلْكَ العامرة مَاشِيا إلى "الْقَاهِرَة"، واشتغل فِيهَا على الْعَالم الْجَلِيل الْمِقْدَار الشَّيْخ المشتهر بِابْن عبد الغفِّار، وَأخذ مِنْهُ الحكميات، وعلوم الرياضيات، وَسَائِر الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة قاطبة، بالدروس الرَّاتِبَة. وَأخذ الحَدِيث وَسَائِر عُلُوم الدين من القَاضِي زَكَرِيَّا شيخ الْمُفَسّرين، فأصبح، وَهُوَ لناصية الْعُلُوم آخذ، وحكمه فِي ممالك الْفُنُون نَافِذ، وتنقلت بِهِ الأحوال، وتأخرت عَنهُ الأمثال، وفَاق على الأقران، وَسَار بِذكرِهِ الركْبَان. وَلما كَانَت فضائله ظَاهِرَة عِنْد سُلْطَان "الْقَاهِرَة" أحبّ رُؤْيَته، واستدعاه، وَرفع مَنْزِلَته، وأكرم مثواه، ثمَّ جعله معلّما لِابْنِهِ، ومربّيا لغصنه، وَلما وَقع بَين مخدومه وَبَين سُلْطَان "الرّوم" من المنافسة حضر الْوَقْعَة الْمَعْرُوفَة من جَانب الجراكسة، فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ، وتراءت الفئتان، وَتقدم الأبطال، وتبعهم الرِّجَال، وهجم لُيُوث الأروام، وأسود الآجام على ذئاب الأعادي وثعالب الْبَوَادِي، وَكَتَبُوا بأقلام السمر أحاديث الْجرْح والسقام، وأوصلوا إليهم أخبار الْمَوْت برسل السِّهَام، وأرسلوا عَلَيْهِم شواظا من نَار، وأحلوا أكثرهم دَار البور. وأخذ الصَّوَاعِق والبروق فِي اللمعان الشروق، وأمطر عَلَيْهِم السَّمَاء الْحَدِيد وَالْحِجَارَة، وضيق عَلَيْهِم هَذِه الدارة، وسالت بدمائهم الأباطح، وشبعت من لحومهم الْجَوَارِح، لم يثبت الجراكسة إلا ساعة من النَّهَار. ثمَّ بدلُوا الْفِرَار من الْقَرار، وَجعلُوا أمام عَسْكَر "الرّوم"، يتواثبون، وهم من ورائهم بِهَذَا القَوْل يتخاطبون: جعلنَا ظُهُور الْقَوْم فِي الْحَرْب أوجها … رقمنا بهَا ثغرا وعينا وحاجبا وَقتل الغوري فِي المعركة، وَلم يعرف لَهُ قَاتل، وأسر ابْنه، وَالْمولى المرحوم، وَلما جِيءَ بهما إلى السُّلْطَان سليم خَان عَفا عَنْهُمَا، وقابل جرمهما بالإحسان، ثمَّ لما عَاد إلى ديار "الرّوم"، بعد فَرَاغه من أَمر "مصر" استصحب ابْن الغوري، وَالْمولى المرحوم، فاستوطن "قسطنطينية"، وَشرع فِي إشاعة المعارف، وإذاعة النَّوَادِر واللطائف، واشتغل عَلَيْهِ كثير من السَّادة، وفازوا مِنْهُ بالاستفادة، وَقد تشرفت بِرُؤْيَتِهِ، وتبركت بِصُحْبَتِهِ. توفّي ﵀ سنة إحدى وَسبعين وَتِسْعمِائَة، وَكَانَ المرحوم رَأْسا فِي جَمِيع الْعُلُوم، مستجمعا لشروط الْفَضَائِل، وجامعا لعلوم الأواخر والأوائل، يرغم فِي الرياضيات أنوف الرؤوس، ويحاكي فِي الطِّبّ بقراط وجالينوس. وَكَانَ صَاحب فنون غَرِيبَة، قَادِرًا على أفاعيل عَجِيبَة، ماهرا فِي وضع الآلات النجومية والهندسية، كالربع والإسطرلاب، وَسَائِر الأسباب. وَكَانَ رَحمَه اللى مَظَنَّة علم الْكَاف وَعلم الزايرجه بِلَا خلاف، وَكَانَ ﵀ مَشْهُورا بِالْمحل فِي التَّعْلِيم والإفادة لأرباب الطّلب والاستفادة، وَلم يقبل مُدَّة عمره وَظِيفَة السُّلْطَان، وَقطع حبال الأماني من أرباب الْعِزَّة بِقدر الإمكان، وَكَانَ يكْتَسب بطبابته، ويقتات بِهَدَايَا تلامذته. وَكَانَ يلبس لباسا خشنا، عمَامَته صَغِيرَة، ويقنع من الْقُوت بالنزر الْقَلِيل، والأمور الْيَسِيرَة، وَكَانَ ﵀ ينظم الأبيات أعذب من مَاء الْفُرَات، وَقَالَ فِي قافية الطَّاء مادحا لبَعض الْفُضَلَاء، وَأَظنهُ الْمولى صَالح ابْن جلال عِنْد كَونه قَاضِيا بـ "حلب" وَمِنْهَا: دعائي فَلَا يُحْصِيه عد وَلَا ضبط … وشكري لكم دوم فَمَا كَانَ ينحط وأثني جميلا ثمَّ أهدي تَحِيَّة … لطب شذاها يطْلب الْعود والقسط فباح بهَا مسك وفاح بعطرها … وَفِي وجنة للورد مِنْهَا أتى قسط إلى حَضْرَة أحيا الأنام بعلمها … وَبَان بهَا حكم الشَّرِيعَةْ وَالشّرط فَلَا مطلب إلا ذراها نعم وَلَا … رحال لَدَى عزم إلى غَيرهَا تخطو لقد جد أقوام وضاهوا بِمِثْلِهَا … فدون أمانيها القتادة والخرط فكم من كَبِير قد جبرت لحاله … وفككت مأسورا أضربه الرَّبْط كم من أياد قد أناخت لكاهل … وَمَا كَادَت الأقدام من حملهَا تخطو سبقت إلى الْفضل السراة فَمَا لَهُم … من الجْهد الأدون عزمك قد حطوا عَلَوْت إلى إن جِئْت بِالشُّهُبِ منطقا … فسارت بِهِ الأمثال وَالْعرب والقبط جمعت لأنواع الْعُلُوم فَلَا نرى … لمثلك فَردا فِي الْفُنُون لَهُ ضبط لعمري من أَيَّام أرى فِيهِ للعدا … كمودا وَقد حاروا وَقد ساءهم سخط جواد لَهُ جود ترَاهُ على الرِّضَا … وإلا تمنى أن فارسه سقط فَتلك أمانيهم وأحلام كَاذِب … فَهَل ثمَّ عقبان يردعها البط سلوا عُلَمَاء الْخَافِقين وفتية … بسمر القنا في الْجَانِبَيْنِ لَهُم شَرط فَهَل كَانَت الأنعام تأوي لبقعة … أقام بهَا لَيْث وفيهَا لَهُ سبط فيا حبذا يَوْم وَفِيه تظلهم … سيوف لكم بيض على روسهم رقط ترود حِيَاض الْمَوْت فِيهِ نُفُوسهم … ونيران نقع من زفير لَهَا لغط وتهدي المنايا للنفوس بأسهم … وأقلام سمر من أسود بهَا نشط فديتكم روحى لقد حئت بالخطا … فحلم بدا مِنْكُم فحاشاه بِي يَسْطُو فأين صوابي والخطا كَانَ جبلتي … وأقدام مَا أبغى عَلَيْهِ لقد حطوا فسامح لمن أخطأ وصنه تكرما … فأبكار فكرى للخاطئين قد خطوا جَزَاك إله الْعَرْش عني عَطِيَّة … ويأتيك أفراح ويعقبها الْغَبْطُ وَلما وصل إليه القصيدة الميمية الَّتِي أنشأها الْمُفْتِي أبو السُّعُود، عَلَيْهِ رَحْمَة الرب الْوَدود، وَهِي الَّتِي أولها: أبعد سليمى مطلب ومرام … وَغير هَواهَا لوعة وغرام صنع خطْبَة سنية، وصنع عدَّة أبيات سينية، وأرسلها إلى الْمولى الْمَزْبُور: أستبدى باسم السَّلَام إلى السدة السّنيَّة، وأستهدي من سناء سيدنَا وسندنا بنسمة من نسماته السجسجية، سالكا سَبِيل التَّسْلِيم، متمسّكا بالصراط الْمُسْتَقيم، نسج السحر فِي سلك الاسْتقَامَة، فسبى النُّفُوس، وأستدعى لسليمى، فأسرعت إليه كالعروس. ثمَّ صلا عَنْهَا بسلوان من التَّسْلِيم، وسلب أساطيرها عَن سويدائه بسر سليم، فَسَأَلت السخاء من سَحَاب سماحته، فأسعفني بهَا، واسترقني من سَاعَته، فَسمِعت مستهاما في سلسال سلسبيلها، مسارعا لسلافها، فسل سَبِيلهَا، وأنشدت: سطور لَهَا حسن عَن الشَّمْس أسفرت … سباني سنّ باسم وَسَلام فسهل لَهَا سفك النُّفُوس وَقد سعى … يساعد فِيهَا سائف وسهام فسرعان مَا سلت سيوف نواعس … فسيرا فسيرا فالسيوف سطام سليمى فَمَا أسلو فسفكا أوْ أسمحي … فأسلو وَفِي أرسم ووسام فيا حسرتا مَا للسهاد مساعدي .... مَا سر إلا حسرة وسمام سقاني السخا سما وَسَار سنية … سحائب تَسْلِيم سعدن سجام سخيت بنفسي أن سمحت بِنَفسِهَا … بأنس وَتَسْلِيم عَلَيْك سَلام وَقد أظهر البراعة فِيمَن أرسل سَاعَة، فَقَالَ: يَا مفرد العصر قد بادرت بِالطَّاعَةِ … يَا من حوى الْجُود والأوقات فِي سَاعَة نَوْعَانِ الْخيْر قد لاحظتموه لنا … فَكنت عبد الكم فِي الْوَقْت والساعة ذكر تصانيفه: "التَّذْكِرَة" فِي علم الحْساب، وَمتْن، وَشرح فِي علم الْفَرَائِض، وحاشية على "فلكيات شرح المواقف"، و "حاشية على شرح الجامي" للكافية إلى آخر المرفوعات، وحاشية على "شرح النفيسي" للموجز من الطِّبّ، وَ"شرح تَفْسِّير الْبَيْضَاوِيّ"، حوى جزأين من القرآن الْكَرِيم، وَكتابِ فِي علم الزايرجه، وَقد شرح "القصيدة الميمية" للمفتي أبي السُّعُود، وأتى بِهِ إلى الْمولى الْمَزْبُور، فَاسْتَقْبلهُ، وعانقه، وأكرمه غَايَة الإكرام، فَلَمَّا نظر إلى مَا كتبه استحسنه وأعطاه بَعْضًا من الأقمشة والعمائم وَغَيرهَا. روّح الله روحه، وَنوَّر ضريحه. * * *