page 4975, entry [4341]Open original source
٣٦٦٠ - الشيخ الفاضل النحرير الكبير الشيخ علي زين العابدين بن الحسن بن موسى بن زين العابدين بن الحاج ولي ابن الحافظ عبد الله الألَصُوني * ذكره الإمام الكوثري رحمه الله تعالى في كتابه "التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز"، فقال: ولد سنة ١٢٦٨ هـ في "ألاصُونيا" من مقاطعة يَكِيْشَهر في "مورة". تعلّم مبادئ العلوم في بلده، ثم رَحَل إلى "إستانبول" لتحصيل العلم، فحضر درس العلامة رجب الأرْنَوُطي، وحيث توفي أستاذه هذا سنة ١٢٨٩ هـ، انتقل إلى درس عمدة الجهابذة الحافط أحمد شاكر الكبير، به نحرّج في العلوم. وأخذ الحديث عن الشيخ حسن القَسْطمُوني، وتلقّي برهان الكَلَنْبَوي، وغيرَه من المحقّق الشهير عبد الكريم النادر الألْبَصاني، المتوفى سنة ١٣٠٠ هـ. ودرَّس العلوم في جامع الفاتح، وتخرّح عنده طبقتان من أهل العلم، الأولى نحوُ مائة عالم، والثانية نحوُ مائة وأربعين عالما، وكان هو من أضبط أصحاب شيخه لتقاريره، وكان العلماء بعد طبقته يستعيرون منه كتبه في العلوم لما في هوامشها من تقييدات نافعة من تقرير أستاذه، ومن بنات أفكاره، بل لو جرّدت تلك التقييدات من هوامش كتبه كانت حوشي أفيَدَ من كثير مما في أيدينا من الحواشي. وكان ﵀ آية في الورع، حتى إنه بعد أن أتمّ التدريس لزملائنا في الطبقة الثانية من تلاميذه، تخلّى عن مرتّبه لبيت مال المسلمين، مرتئيا أنه لم يَعُدَّ يستطيع التدريس، فلم يبق وجه لصلته من بيت المال، فطار هذا الخبر كلّ مطار، فكثُيرَ الزوّار إلى أن توهّم متوهّمونه مؤامرة سياسية في المتردّدين إليه، فأصابه بعض أذى إلى أن أذاع بين محبّيه أن لا يزوروه، فامتنع من مقابلة الزوّار لهذ العذر إلى الانقلاب الدستوري في الدولة العثمانية سنة ١٣٢٦ هـ. ولما أحيل أمرُ إصلاح المعاهد الدينية إلى كفاءة العلامة محمد خالص الشِّرْواني بأن عُيّن لوكالة الدرس بالمشيخة الإسلامية، أعني وظيفة الإشراف العام الفعلي علي شئون العلم العلماء - اختار صاحب الترجمة في عداد من اختارهم لمجلس الوكالة، فأبى شيخنا قبول ذلك بأدئ ذي بدء. لكن لما أصرّ الأستاذ محمد خالص قائلا: إن الإصلاح لا يتمّ إلا بمؤازرتكم، فإن رفضتم ذلك نهائيا، فوالله إني أستقيل حالا، فيكون وزر تأخير أمر الإصلاح على أكتافك، فاهتزّ شيخنا، واضطرُّ إلى قبول مؤازرته، متوكّلا على الله سبحانه، فعاد ثانية إلى ساحة التوطف بالحكومة، إلى أن عيّن سنة ١٣٢٩ هـ، لوكالة الدرس، بعد أن مرض الشيخ الشرواني مرضان لا يرجَى برؤه، واستمرّ على ذلك إلى وفاته. وكان امتحان العالمية (امتحان الرؤس) يجرى في كلّ خمس سنوات مرّة في عند تخرجنا في العلوم، فمن لم ينجح في الامتحان يبغي في اضطرار أن ينتظر خمس سنوات أخرى، ليتقدّم للامتحان، وهذا كان مما يستنفد صبر الصابرين، فكان من الضروريّ جدا لمن يريد النجاح في ذلك الامتحان أن يستعدّ في حينه للامتحان بكلّ ما أوتي من حول وطول، ولذلك كنت أذاكر مع بعض زملائي العلوم بعناية بالغة قبل انتهائنا. من الدروس المرتّبة، وكان درس الصبح بلغ إلى مبحث ما بعد عذاب القبر من الحواشي على "النسفية"، فقرّرتُ التخلّفَ عن درس الصبح أياما، لسهولة ما بعد هذا المبحث، حتى أتفرّغ لما نحن بسبيله، من مذاكرة العلوم، استعدادا للامتحان، ففعلتُ. ففى ليلة الخميس من الأسبوع الذي تخلّفت فيه عن درس الصبح رأيت في المنام الأستاذ في جامع الفاتح، وهو يبتسم إليّ، ويقول: إني لا أراك فيِ درس الصباح منذ أيام، فلا تتخلّفْ عن الدرس بأعذار واهية، فإن الدرس لا يخلو من فائدة. ولما استيقظتُ قلتُ: إني ربما كنت فكّرت فيما إذا كان الأستاذ أحسن بعدم حضوري من أيام، فرأيت هذه الرؤيا من قبيل حديث النفس، ولم أحكها لأحد. وفي ليلة الجمعة حضر أحد خُلَّص إخواني يفي الدرس إلى سَكَني، وقال لي: إني صادفت الأستاذ قرب جامع الفاتح قبل المغرب، فوقف، فسلّمتُ عليه، ثم قال لي: لعلّك تذهب إلى فلان يعنيني، فقلت: نعم، فقال: بلّغه سلامي، وقل له: إني لا أراه في درس الصباح منذ أيام، فلا يتخلّف عن الدرس بأعذار واهية، لأن الدرس لا يخلو من فائدة على طِبَق ما رأيته في المنام، فلم أستطع بعد ذلك التخلّفَ. ولا أقول: إن الصالحنِن من العلماء يعرفون الغيب، وإنهم يعلمون ما يحدث في المنام، ولكن التوافق بهذا الشكل بنِن اليقظة والمنام، مما لا يدع شكا في أن الله سبحانه يسدّد كلمات الصالحين، من العلماء نحو ما يرشد تلاميذهم إلى السداد. ومن عادة الناجحين في امتحان العالمية أن يزوروا أستاذهم قبل البدء في التدريس، راجين دعاءه، ومسترشدين بنصائحه الثمينة، ومستأذنين في بدئ التدريس. وعلي طِبَق هذه العادة ذهبتُ إلى الأستاذ بعد النجاح في الامتحان قبل البدء في التدريس بأيام، مسترشدا طالبا أن يدعو لي، فقال: كنت ذهبت إلى بلدي بعد النجاح فِى الامتحان، وبعد العيد توجّهتُ إلى العاصمة لأبدأ في التدريس، ولم يكن معي إلا طالب واحد، فصادفت في الطريق أحد أصدقائي، فتال لي: ألم تكن عازما على أن تبتدي التدريس في هذا العام، قلت: بلى. فقال: أهكذا يفعل من يبتدي في التدريس، إني لا أرى معك إلا طالبا واحدا من بلدك، وعادة الناجحين أن يوصوا أصدقاءهم في شتّى البلدان، أن ييعثوا باسمه طلابا جددا إلى جامع الفاتح، أزهر العاصمة، بل يشدّون الرحال إلى بلاد، يلقون فيها دروسا ليعلم الجماهير مبلغ مقدرته العلمية، فيرسلوا أبناءهم إليه، والطلبة أحرار في الحضور عند أيّ عالم شاءوا، فربما تبقى وحدك في مجلسك، حيث لم تتّخذ أيّ تدبير في الأمر، قال الأستاذ: فشوّش كلامه خاطري بعض تشويش، وفي مثل هذه الحالة النفسية كنت زرت أستاذي، مستأذنا مسترشدا بدون أن أفاتحه بشيء، مما أقلق فكري، من تلك الوساوس، فقال لي الأستاذ الكبير: اسع جهدّك في تحقيق درسك من كلّ مصدر، واهتمّ بالتفكير في أحسن طربق في إيصال تحقيقك إلى أذهان الطلبة قدر اهتمامك بتحقيق الدرس، لأن صوغ الإلقاء في قالب متّزن مستساغ عليه مدار استفادة الطلبة كما يجب، ثم لا تبال بكثرة الطلبة أو قلّتها أصلا، لأنّ بركة نشر العلم تحصل بالقليل، إذا شاء الله سبحانه، وربما لا يحصل أيّ نضر العلم من الجماعة الكثيرة، إذا لم يبارك الله في علومهم، إذ أن بركة العلم إلى الله سبحانه، وإنما عليك السعي في العلم جهد الطاقة، مع الإخلاص، وما سوى ذلك ليس إليك. ثم إيّاك أن تشتغل بترفيه طلبتك من ناحية السكن أو المعيشة أو نحوهما، لأن ذلك مما لا آخر له، ومما لا قبل لك به، ولأن الدرهم لا يدخل محلّا، إلا ويخرج منه الإخلاص، فليقصدك من يقصد العلم فقط، واحدا كان أو ألفا، وإيّاك أن يفسد عليك إخلاصك في العلم عقصد دنيويّ. ثم إن العالم الجديد إذا أجهد نفسه صباحَ مساءَ بإلقاء الدرس والاستعداد للدرس انتهكت قواه، فلا بدَّ من تدارك ذلك بحسن التغذية الجسمية بشرب قدر رطل من الحليب صباحا، ممزوجا بمحَّة بَيْض مُسْتَمْرأة، وبأكل نحو ربع أقّة لحم ضأني مشويّ غداء. وبعدْ أنْ حكى أستاذنا نصيحة أستاذه هكذا، قال: هذه وصية أستاذي فيمن يبتدي في التدريس، ولا أزيد عليها كلمة، وقد كانت كلمته أزالت من نفسي ما كان يساورني من القلق من كلام ذلك الصديق، وخرجت من عند الأستاذ بعد هذه النصيحة، وقد أصبحت كثرة الجماعة وقلّتها عندي سواء، حتى تم لي بتوفيق الله سبحانه ما تعلمونه، وهنا انتهي كلام الأستاذ. والواقع أن أستاذي أقلقني في المجلس بما لم أكن فكّرت فيه، ثم أزال عني القلقَ في المجلس نفسه بما دكره عن أستاذه، فاكتفيت بهذه الوصيّة الغالية، فقمتُ، وقلبي ممتلئ نورا، فترّسمت خِطَّتَه بتوفيق الله سبحانه، ولله الحمد على ما أولاني من نعمه المتوالية بعد أخذي بوصيّة الأستاذ، ولم أستطع أن أفوت هذه النصيحة القيّمة بدون تسجيلها، وإن كانت قيلتْ في زمن غير هذا الزمن الذي نحن فيه. ومن جملة مرويّات الألَصوني ثبت الشيخ صاع الجينيني بطريق هبة الله البعلي عنه، وثبت السيّد أحمد بن محمد الطحطاوي التوقادي، بطريق أبي القاسم الأزهري، عن مفتي الإسكندرية محمد بن صاع البنَّاء عنه، والطحطاوي يروي فيه الأصول الستّة، و"مسند ابن خسرو"، و"موطأ محمد"، و"مسند الشافعي"، و"مسند أحمد" بطريق ابن عقيلة. ويروي "المواهب" بطريق الزرقاني، وقد تفقّه على أربعة. منهم: والده تلميذ أحمد الحماقي، تلميذ علي السيواسي، تلميذ شاهين، وعبد الحي، تلميذي أحمد الشوبري الحشن الشرنبلالي. منهم: السيّد محمد الحريري، تلميذ الحسن بن علي المقدسي تلميذ سليمان المنصور تلميذ عبد الحي، ومنهم: الحسن بن إبراهيم الجبرتي الرياضي، راوي "نور الإيضاح" عن الحسن بن أبي الإخلاص عن أبيه المؤلّف. ومنهم: مصطفى بن محمد الطائي، عن والده، عن محمد بن عبد العزيز الزيادي، عن المشايخ شاهين، وعبد الحي، والسيّد أحمد الحموي، وعثمان بن عبد الله النحراوي، وعمر الزهري الدفري، ويحيى الشاوي، وفائد الأبياري، أصحاب المؤلّفات المعروفة، وهم عن أبي الإخلاص الحسن الشرنبلالي بسنده المعروف. وأروى الثبتين بطرق شتّى، كما أروي ثبت فتح الله بن محمود البيلوني، بطريق الشرنبلالي عنه، وثبت أبيه بطريق ابنه. توفي أستاذنا الألَصوني يوم الجمعة ١٨ صفر الخير سنة ١٣٣٦ هـ عن ٦٨، ودفن في مقبرة السلطان محمد الفاتح جنوبي قبر شيخه، بنحو خمسة عشر قبرا بعد أن صلّى عليه بعد الظهر من يوم السبت في مصلّى الفاتح جمع عظيم، يزيد على عشرات الألوف، فيهم شيخ الإسلام الحيدري، ومن دونه، أفاض الله سبحانه على جدثه سحب رضوانه، وأعلى منزلته في غرف جنانه، ونفعنا بعلومه وبركاته. * * *