page 4376, entry [3728]Open original source
صفاته: إذا كان بعض الأدباء يجعل (مفتاحا) لكلّ شخصية يدرّسها، ويترجم لها، فإن مفتاح شخصية الوالد ﵀ حبّه الكمال في كلّ شؤونه، والترقّي من الحسن إلى الأحسن. فكان ﵀ مجمع الفضائل والشمائل، كريما غاية في الكرم، يحرص على إكرام ضيفه، بما يستطيع، ويبذل في ذلك جهده وغايته، وكان ﵀ حليما، كثير ما يعفو، ويصفح. وكان أديبا خلوقا، لا يؤذي أحدا بكلامه، يحترمه، ويثني عليه، ويختار في ذلك الألفاظ الراقية، وكان عاقلا حصيفا أريبا، لا تخرج الكلمة منه إلا بوزن، وفي موضعها المناسب، ولا يقوم بأمر إلا ويزنه بعقله، وطالما قال لي استعمل عقلك في كلّ ما تقوم به. وكان ظريفا، خفيف الروح، يمازح جلساءه بالقدر المناسب، ويضفي على مجلسه العلمي والطبعي روح اللطافة والظرافة، بما يناسب مقام المجلس، ويخفّف من وطأة الوقار، لكن في ظلّ التأدّب والاحترام. وكان ذوّاقة جدا في ملبسه ومشربه ومسكنه وكتبه، ترتيبا وكتابة وتأليفا، حتى في صفه لحذاءه وتنعلّه، وهكذا تراه في كلّ حركة وسكنة عاقلا ذوّاقا. وكان عفيف اللسان، لا يشتم أحدا، ولا أذكر أني سمعت منه كلمة نابية، إلا من أندر النادر، وحينما يغضب جدا، وأكثر غضبه لله ﷾. وكان عفيف النفس، لا يطلب من مسؤول أمرا لذاته، وإنما لأحبابه وإخوانه. وكان صبورا على الطاعة والابتلاء، حريصا على الصلاة، حرصا شديدا، مؤدّيا لها في أول وقتها في الحضر والسفر والتعب والمرض، غارسا ذلك في أولاده وأحفاده، فإذا كان نائما أو متعبا، ونبّه إلى الصلاة انتفض، وقام مسرعا، وطالما ذكر قصة عمر بن الخطاب ﵁ في وفاته، وقوله (لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة). وكان خِدْنا للقرآن، له ورد صباحيّ يوميّ، لا يدعه إلا مضطرا، مع إكثاره من الأذكار والأوراد، فلا تجده جالسا بدون عمل علمي، من تأليف أو تحقيق أو تعليم أو مذاكرة أو إفتاء، إلا وجدته يسبّح، ويحمد، ويهلّل، ويكبّر. وكان رقيق القلب، سريع الدمعة، كثير العبرة، يفيض دمعه عند قراءة القرآن، وذكر الله، وقصص السلف والصالحين، وفي المواقف الروحانية، وعلى مآسي المسلمين وآلامهم، وعندما يمدح، ومن حضر حفل تكريمه عند الشيخ عبد المقصود خوجه المسمّى "الأثنينية" رآه كيف قطع الحفل كلّه بالبكاء. وكان يألم ويحترق على مآسي هذه الأمة وأحوالها، وقد فقد سمعه بأذنه اليمني بعد أن زاره شخص، وحكى له عن مآسي المسلمين في بلد من البلدان، فحزن حزنا شديدا، وباتت ليلته حزينا مهموما، وفي اليوم التالي شعر بدم يسيل من أذنه، ثم ذهب سمعه. وكم وكم أرق الليالي حزنا … وتفكيرا بأحوال المسلمين. ولقد ابتلاه الله بعد فقد سمعه في أذنه اليمنى بضعف بصره في عام ١٤١٠ هـ، فما رأيته شكى أو تشكّى، ولا ثناه ذلك عن الإنتاج العلمي، بل تجمّل بالصبر والتسليم والمثابرة على التأليف والتحقيق، مخافة أن يدركه الأجل، لم يخرج ما في صدره من الكتب. ثم في آخر حياته قبل أربعة أشهر من وفاته أصيب بانفصال الشبكية في عينه اليمنى، وفقد بصره فيها، ثم أجرى لها عملية جراحية، لم تكلّل بالنجاح، وإنما أعقبته ألما شديدا في عينه ورأسه، وصفه كرمي السهام، فما سمعته صرخ أو تأوّه، وإنما كان يقول إذا اشتدّ الألم كثيرا جدا: يا الله! لا إله إلا الله. وكان جَلْدا على العلم قراءة ومطالعة وتأليفا، لا يغادره القلم والقمطر في حلّه وسفره وصحته ومرضه، وقد ألّف، وأنهى بعض كتبه في أسفاره الكثيرة، كما دوّن في مقدّمات بعض كتبه، وقبل دخوله المستشفى بيوم كان وهو يعارك الآلام يضيف في كتابه الماتع "الرسول المعلّم ﷺ وأساليبه في التعليم"، كما كان يكثر السؤال، وهو في المستشفى عن كتاب "لسان الميزان"، كما أنه كتب مقدّمة "لسان الميزان" قبل عشرين يوما من وفاته. وكان قليل النوم، يستكثر ساعات نومه، مع قلتها، وإن في شبابه يواصل اليوم واليومين، كما ذكر لي عدّة مرّات. وهاتان الصفتان الأخيرتان تدلان على صفة أخرى، هى حرصه على الوقت، فهو حريص على وقته أشدّ من حرصه على ماله، كما تدلّ الأخيرة على نهمه العلمي الشديد. وكان لا يأمر بأمر إلا ويأتيه، ولا ينهى عن شيء إلا ويجتنبه. وكان ﵀ ذكيا ألمعيا، ذا حافظة قوية، وذهن متقد، مع عمل بالعلم، وعبادة، وتقوى، وصلاح، وورع، وتواضع جم لطلابه وتلاميذه عوضا عن مشايخه، وعلماء الإسلام، فلا يرى نفسه في جنبهم شيئا يذكر، ولما مدحه شاعر طيبة الأستاذ محمد ضياء الدين الصابون سدّده الله في "الأثنينية" بقوله: أبو حنيفة في رأى وفي جدل … يسمو بهمته لأرفع الرتب عقّب على ذلك والدي ﵀ بقوله: وكذلك الإخوة الذين تكلّموا، وتفضلوا بهذه الكلمات عني، فقد أغدقوا، ولكنهم أوسعوا وأرهقوا، حتى دخلت مع أبي حنيفة ﵁ بالمواجهة، كما قال أخي الشاعر ضياء الدين الصابوني، فهذا شيء لا يبلغ من قدري أن أكون ذرة رمل أو تراب في جنب أبي حنيفة، من أبو حنيفة؟ أبو حنفية رحمة من رحمات الله ﷿، أهداها الله ﷾ لهذه الأمة، كما أهدى الإمام مالكا، والإمام أحمد، والإمام الشافعي رضى الله عنهم، والإمام ابن جرير، فهؤلاء الأئمة، فإن صلحت أن أكون رملة صغيرة في جنب هؤلاء فهذا وسام عظيم وفضل كريم، لا أستطيع الشكر عليه، فأعتذر عن مثل هذه الكلمات، التي وجهت في جنب الحديث عني، فإنها لا تستطيع نفسي سماعها ولا قبولها، وإن صدرت من أخ محبّ صادق في نية حسنة، ولكن الحق أحقّ أن يتبع. اهـ. وكانت له نظرة في الرجال وفراسة، فما رأيتُه وصف شخصا بوصف أو مدح أو قدح إلا وجدتُه فيه، ولو بعد حين. وكذا نظرته في الأمور تجدها مسدّدة ولو بعد حين، وظنّي أنه مسدّد بتقواه وعقله، كما كان يصف الإمام حسن البنا، رحم الله الجميع. كان محبّبا إلى زوجه وأولاده وأحفاده، موجّها مربّيا لهم باللطف والذوق والحكمة والحُنكة، فما رحل عنهم إلا وهو عزيز وغال يودون لو يفدونه بأرواحهم وأولادهم وأموالهم. هذا حال كثير من محبّيه، الذين بكوه بكاء الشّكالي في أنحاء المعمورة. أسُكّان بطن الأرض لو يقبل الفِدَى … فدينا وأعطينا بكم ساكن الظَّهر! فهو كما يقال مجمع الفضائل، ويصدق عليه قول القائل: وتوجز في قارورة العطر روضة … ويوجز في كأس الرحيق كروم