page 4295, entry [3648]Open original source
٣٠٨٦ - الشيخ الفاضل العلامة الكبير السيّد عبد العلي بن عبد الحي الحسني اللكنوي * ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف بـ"هنسوه" قرية جامعة من أعمال "فتحبُور" في بيت جدّه لأمّه السيّد عبد العزيز بن سراج الدين الحسيني الواسطي. وقرأ في علم الآلات على شيخه السيّد علي الزينبي، والمولوي شبلي الجيراجبُوري، وأخذ الهيئة عن المولوي سلطان محمد الكابلي، والهندسة عن العلامة شير علي الحيدر آبادي، وحضر الدروس في دار العلوم لندوة العلماء، وقرأ عليّ بعض الكتب الدراسية، ولازمني مدّة، وأخذ عى الصناعة الطبّية، وقرأ على شيخنا العلامة حسين بن محسن الأنصارى اليماني حين وفد عليّ من "بوبال" "كتاب الأوليات" للشيخ محمد سعيد سنبل، وأجازه شيخنا المذكور، ثم سافر إلى "ديوبند" سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف، وقرأ الصحاح والسنن على السيّد أنور شاه الكشميري، وعلى العلامة محمود حسن الديوبندي المحدّث، ولازمهما سنة كاملة، ثم رجع إلى مدينة "لكنو"، فزوّجتُه بابنة خاله السيّد أبي القاسم بن عبد العزيز الحسيني الواسطي، وأقبل على دراسة اللغة الإنكليزية والعلوم العصرية، وانتسب إلى إحدى مدارسها الرسمية، وخرج ناجحا، ودخل في كلّيه لكنو، وجدّ في البحث والاشتغال، حتى نال الفضيلةْ بتفوّق في علم الكيمياء، وعلم الحيوان، وعلم النبات، وغيرها، وذلك سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف، وحصلت له وسامتان عاليتان، إحداهما من الذهب المسكوك مع الكتب النفيسة من جامعة إله آباد على يد الحاكم العام للولايات الشمالية المتّحدة. وقرأ الطبّ القديم على مؤلّف هذا الكتاب، وسافر في هذه السنة إلى "دهلي"، ومكث عند طبيب الهند المشهور وزعيمها حاذق الملك الحكيم أجمل خان، ومكث عنده ستة أشهر، يرافقه، ويستفيد منه، ثم التحق بكلّية الطبّ الحكومية في "لكنو" سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف، واستقام على طريقته وشارته، محافظا على الشعائر الدينية والآداب الإسلامية، متقشّفا في اللباس والوضع، جادّا في البحث والدراسة، حتى نال إعجاب أساتذته وثقتهم، وتقدير زملائه واحترامهم، وتوفي والده مؤلّف هذا الكتاب سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف، وأكمل المترجم دراسته في كلّية الطبّ، وأخذ الشهادة من جامعة لكنو سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف، ثم بدأ حياته المستقلّة كطبيب ليكفل أسرته، وكان زاهدا في الوظائف الحكومية. وانتخب عضوا في لجنة ندوة العلماء التنفيذية سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف، وانتخب نائب المدير سنة ستّ وأربعين وثلاثمائة وألف، مديرا أو الأمين العام سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف، وقد قطعت ندوة العلماء ودار العلوم التابعة لها أشواطا بعيدة زمن إدارته وإشرافه، وجلب لها بعض الأساتذة الكبار، وفاقت في تحسين طريقة تعليم اللغة العربية وإصلاح مناهج الدرس، وحجّ وزار سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف على جناح شوق وحبّ، وطابت له الأيام في الحرمين الشريفين، وظلّ مشتغلا ثلاثين سنة بإدارة ندوة العلماء وخدمة الناس عن طريق المداواة والبرّ والمؤاساة، مهتمّا بأمور المسلمين، مساهما في تأييد القضايا الإسلامية، والمشاريع الإصلاحية، بقدر الإمكان، مشتغلا بذات نفسه، معتزلا في بيته، قليل الحديث إلا فيما ينفعه، وينفع الناس، زاهدا في الجاه والشهرة والظهور. وكان ﵀ مثالا نادرا للجمع بين محاسن القديم والجديد، وفضائل الدين والدنيا، رسوخ في العقيدة، واستقامة في الدين، وتضلّع في العلوم القديمة والحديثة، وسعة آفاق الفكر، وتصلّب في المبادئ والغايات، وتوسّع في الوسائل والآلات، وقد اجتمع فيه حبّ الواقعية وعدم التعصّب مع الإتقان والتعمّق، متوسّطا بين الجمود والتجدّد، وبين التقليد ورفض التقليد، وكانت له فطرة سليمة بعيدة عن الإفراط والتفريط. كان متقشّفا في حياته الشخصية، زاهدا في معيشته، ولكنه كان واسع النظر، رحب الصدر في العلم والدراسة، متتبعا للحديث الأحدث من العلوم والتجارب، وكان حريصا على اتباع السنّة، بعيدا عن الإسراف عن تقليد العادات الهندية، وكان حادّا في كلّ أعماله، متقنا لكلّ ما درسه من قديم وجديد، إماما في مسجد الحيّ، عالما، فقيه النفس، قد بايع مولانا حسين أحمد الفيض آبادي، وكان شديد الحبّ، كثير الإجلال له، وكان بيته منزله الدائم في البلد، وكان أثيرا، كبير المنزلة عنده، وكان قويّ الحمية للإسلام، مقدرا للجهاد أينما كان، حريصا على المساهمة فيه، واسع الاطلاع على شؤون العالم الإسلامي، شديد التعلّق بجزيرة العرب والحجاز والحرمين الشريفين، عميق الحبّ، شديد التعظيم للنبي ﷺ وأصحابه وأهل بيته، شديد الحبّ للعرب، يسوؤه، ويؤلمه ذمّهم، وانتقاص حقّهم وفضلهم، خبيرا بجغرافية الجزيرة العربية، ألّف كتابا بالعربية في هذا الموضوع في شبابه، كبير الاعتناء بالحديث النبويّ الشريف. وكان له شغف بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن قيّم الجوزية، حسن الاعتقاد، شديد الإجلال للشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي، والشيخ ولي الله الدهلوي، والسيد أحمد بن عرفان الشهيد. وكان له شغف عظيم واهتمام كبير بالدعوة إلى الإسلام، ونشر الدين والعلم، في الطبقات المتخلفة، وأصحاب الحرف والمهن، وكان واسع الذراع، رحيب الصدر، لإخوته الصغار، وأهل بيته. وكان قد غلب عليه الاحتساب، لا يتكلّم إلا فيما يعنيه، ويكتفي بقدر ما يلزمه، ولا ينفق إلا فيما يرجو ثوابه، مقتصدا فيما يتفاخر به الناس، منبسطا فيما يدّخره عند الله، رزقه الله القبول العام وقد بلغ الغاية في برّ والده وطاعته، ونال رضاه وأدعيته الوافرة، وقد ختم ﵀ ترجمته في هذا الكتاب بقوله: وهو حسن الفهم، جيّد التصوّر، قويّ الإدراك، قد أخذ العلوم الآلية والعالية بنصيب وافر، فتح الله سبحانه عليه أبواب معارفه، وجعله من العلماء العاملين، ورفع شأنه، وبارك فيه، وجعله لي قرّة عين بحوله وطوله، وإني أجزتُه بجميع ما تجوز لي روايته، وتصحّ عنى درايته بحقّ ما أجازني جمع من المشايخ الأجلّاء، وأرجو الله تعالى أن ينفعه، وينفع به، ويجعله من عباده الصالحين، ومن العلماء الناشرين للدين القويم بحقّ النبي الكريم. كان مربوع القامة، مائلا إلى القصر، أبيض اللون والبشرة، جميلا، وسيما، من رآه أحبّه وأجلّه، طلق الوجه، وفورا، ضحكه التبسّم في غالب الأحوال، وإذا ضحك دمعت عيناه، عريض الجبهه، واسع العينين، نظيف الأثواب، في غير تكلّف وإسراف، يحبّ النطافة والنظام في كلّ شئ، يؤثر من اللباس والطعام، ما خفّ وعمّ، وكان جيّد الخطّ، بارعا في الكتابة، متقنا للحساب، يجيد اللغة الفارسيّة والعربية والإنكليزية، وإذا كتب باللغة الأردية أوجز، وأجاد، وكان يباشر أموره بنفسه، وكان يحسن شيئا كثيرا من الأمور المنزلية، ويعرف الخياطة والطبخ، وكان صبورا دؤوبا في المداواة والتمريض، ناصحا مخلصا للمرضى، لا يستحيي من قوله ما فهمت، ولا يصرّ على خطاء، ويحبّ الفقراء والمساكين، ويؤثر مساكنتهم ومجالستهم، ويكره المبالغة في كلّ شيئ، قد فطر على الاقتصاد والتوسّط في أمور الدين والدنيا. ولم يزل على ذلك، حتى انحرفت صحته في الزمن الأخير، وأصيب بضغط الدم، وأمراض القلب، حتى وافاه الأجل المحتوم لتسمع ليال بقين من ذى القعدة سنة ثمانين وثلاثمائة وألف، وصلى عليه مولانا عبد الشكور اللكنوي في جمع حاشد، ونقل جثمانُه إلى وطنه "رائ بريلى" حيث دفن بجوار والده وأجداده بمقبرة شيخ المشايخ الشيخ علم الله النقشبندي رحمه الله تعالى. قلت: قرأ صاحب الترجمة كتب الصحاح الستّة وغيرها من الكتب الحديثية سنة ١٣٢٩ هـ في دار العلوم ديوبند، وتخرّج على شيخ الهند العلامة محمود حسن الديوبندي، والعلامة أنور شاه الكشميري. قرأ "سنن أبي داود"، وحصّة من "صحيح مسلم" على العلامة أنور شاه الكشميري، كتب تقريراته في الدروس بيده، وكان يقدّمها عليه، وهو يصحّحه بقلمه. * * *