Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

٢٨٣٩ - الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن عبد الله، مجد الدين، أبو المجد ابن الصاحب كمال الدين، المعروف كبقية أقاربه بابن العديم

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 4014, entry [3373]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 4014, entry [3373]Open original source
٢٨٣٩ - الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن عبد الله، مجد الدين، أبو المجد ابن الصّاحب كمال الدين، المعروف كبقيَّة أقاربِه بابن العديم * ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو من البيت المشْهور بالعلم والرِّياسة. وُلِد في مُسْتهَلِّ جُمادَى الأولَى، سنة أربع عشرة وستمائة، وأجاز له جماعة، واشْتغَل، وبَرع في فُنون، ونظَم الشِّعْر الحسَن، ودرَّس وخَطَب. ولما ملكَتِ التَّتارُ "حلب"، رحَل إلى "الدِّيار المصرِيَّة"، وتولَّى خطابَةَ جامع عمرو بن العاص، رضى الله تعالى عنه، وكان أوَّلَ حنفيٍّ وَلِيَها، ثم وَلِيَ قضاءَ "الشام" بعدَ موتِ القاضي شرف الدين ابن عَطاء، سنة ثلاثٍ وسبعين وستمائة. قال الذّهبيُّ في "تاريخه": كان قاضي القُضاة مجدُ الدين ابن العَديم مَهيبًا، مُحْتَشمًا، ذا دِينٍ وتَعَبُّدٍ، وأورادٍ يَسِيرةٍ حَمِيدةٍ، بارعا في المذهب، عارفا بالأدب، وكان والدُه الصاحبُ كمالُ الدين إذا حضر مجلسَ الملِكِ الناصر، لا يحْضر أحدٌ فَوْقَه، وكذلك في المحافِل، فإذا غاب والِدُه، وحصلَ عائقٌ، حضر مجدُ الدين، فقعَد مَكانَه، لا يترفَّعُ عليه أحدٌ من صُدورِ الحلبِيِّين والدِّمشقِيِّين. ولما بَنَى الملِكُ الظاهر مدرسته التي بين القَصْرَيْن، رتَّبوا مجدَ الدين لتَدْريس الحنفية بها، ولما حضرَ السلطانُ المدرسة المذكورة، كان هو لم يأتِ، فطلَبه السُلطان، فقيل: حتى يَقْضِيَ وِرْد الضُّحَى، ثم جاء وقد تكامَل الناس، فقاموا كلُّهم له، ولم يقُم هو في ذلك المجلس لأحَدٍ، ولما قَدِمَ على قضاءِ "الشام" قدِمَ بِزِيّ الفقراء والرُّؤساء، ولم يَعْبأ بالمنْصَبِ، ولا غيَّرَ لُبْسَه، ولا وَسَّع أكْمامَه، وكان كثير الصَّلاح والعبادة، له أوْرادٌ لا يقْطعُها. حُكِيَ عنه أنَّه مَرَّ بـ "وادى الرَّبيعة" (¬١)، وهو مَخُوفٌ جدًّا، فنَزَل وصلَّى، وقرأ ورْدَه بين العِشاءَيْن، والغِلْمانُ ينْتظرونه بالخَيْلِ، فلمَّا فرغ رَكِبَ وسار، وكان يتواضَع للصالحين، ويعْتقد فيهم، وإذا حضرَ الدرسَ يكونُ في مدرسته مَمْلوكان تُرْكيَّان بكَلَّاواتٍ (¬٢). كذا نَقَلَه في "الرَّوْض البَسَّام"، عن "تاريخ الحافظ الذَّهبي". ومن نَظْمِ مجد الدين قولُه (¬٣): أحِنُّ إلى قلبي ومَن فيه نازِلُ … ومن أجْلِ مَنْ فيها تُحَبُّ المنازِلُ وأشْتاقُ لَمْعَ البَرْقِ مِن نَحْوِ أرْضِكم … ففي البَرْقِ مِن تلك الثُّغورِ رسائلُ وإنْ مال بانُ الدَّوْحِ مِلْتُ صَبابَةً … فبين غُصون البان منك شَمائلُ ولي أرَب أن ينْزِلَ الرُّكْبُ بالحِمَى … لسَيَّالِ دَمْعِي وهوَ لِلرَّكْبِ سائلُ وبي أنَّه لا تَنْقَضِي أو أراكُمُ … وأُبْصِرُ نجْدًا وهوَ بالحَيّ آهِلُ تُرَى هلْ أراكمْ أو أرَى مَن يَراكُمُ … وأبْلُغُ منكمِ بعضَ ماْ أنا آملُ وأحْظَى بقُرْب الطَّيْف منكم وإنَّه … ليُقْنِعَنِي مِن وَصْلِكُم وهْوَ باطِلُ أُطالِبُ جَفْنِي بالمنام وقد غَدَا … يُواعِدُكمْ أن يَلْتَقِي وهْوَ ماطِلُ وقوله، في وَداعِ الملِك النّاصر (¬١): أقولُ لصَحْبِي حِينَ سارُوا تَوقَّفوا … لعلِّي أرى مَن بالجْناب الممَنَّعِ وألْثَمُ أرْضًا يُنْبِتُ العِزَّ تُرْبُها … وأسْقِي ثَراها مِن سحائبِ أدْمُعِي ويَنْظُرُ طَرْفِي أيْنَ أتْرُكُ مُهْجَتِي … كما أقْسمتْ أن لا تَسِيرَ غدًا مَعِي وما أنا إن خَلَّفْتُها مُتأسِّفًا … عليها وقد حَلَّتْ بأكْرَمَ مَوْضِع ولكنْ أخافُ العُمْرَ في البين ينْقضِي … على ما أرَى والشَّمْلُ ليس بمُجْمَعِ (¬٢) يَمينًا بمَنْ وَدَّعْتُه ومَدامِعي … تَفِيضُ وقلبي للفراقِ مُوَدِّعِي لئن عادَ لي يومًا بمُنْعَرَجِ اللَّوَى … وأصْبَح سِرْبِي فيه غَيْرَ مَرَوَّعِ غَفَرْتُ ذُنوبا أسْلَفَتْها يد النَّوَى … ولم أشْكُ مِن جَوْر الزَّمانِ المضَيِّع وبَشَّرْتُ آمالِي بيومِ لقائنا … ومَتعْتُ طَرْفِي بالحديث ومَسْمَعِي (¬٣) وفارَقْتُ أيَّاما توَلَّتْ ذَمِيمةً … وقلتُ لأيّام السرور ألا ارْجِعِي ومنه دوبيت (¬٤): أهْوَى قمرًا مَشَى إلى الشَّمْعِ وقطُّ … ما أنْعَمَ خَدَّه وما أنْعَمَ قَطُّ قد خَطَّ عِذارُه وما يَعْرِفُ خَطّ … ما أعْشَقَنِي فيه إذا نام وخَطّ (¬٥) كذا أوْرَدَ له ابنُ شاكِر الكُتْبِيُّ في "تاريخه" هذا الدوبيت، مع كثير من شعره. وحكي عنه (¬١) أنَّه قال: رأيتُ في المنام، كأنِّي قاصدٌ الدُّخولَ إلى بلدة صغيرة، فقيلَ لي: إنَّ نجمَ الدين ابن إسْرائيل (¬٢) قد صار كاتبا عندَ الوالي بها. فقلتُ في النوم: إلى كم ذا تُغَيِّرُك اللَّيالِي … وتُبْدِي منك حالا بعدَ حالِ فطَورًا شيخَ زاوِيةٍ وفَقْرٍ … وطَوْرًا كاتبا في دار والِي وكتب إلى ابنِ عمِّه بدر الدين عبد الواحد من الرَّبْوة يسْتدْعِيه، ويلْتمِسُ منه اصْطِحابَ نور الدين بن سعيد المغْرِبيّ، وفخر الدين بن الجنَّان الشّاطِبِيّ معه، قولَه، رضي الله تعالى عنه: رَبْوَتُنا أصْبحتْ عَرُوسًا … أثْوابُها لا تزالُ خُضْرا قدْ كُلِّلتْ بالنَّدَى وِشاحا … تَخالُه في العيون دُرًّا والظِّلُّ فيها ضُحًى كَلَيْلٍ … والزَّهْرُ قد عاد فيه زُهْرا والسَّعدُ يَقْضِي بأنَّ طَرْفِي … يَشْهدُ فيه سَناكَ بَدْرَا فأصْحِب النُّورَ مِنْك فَخْرًا … يَطْلُع منه الغَمام فَجْرا يهُزُّ عِطْفَيْه في ذَراها … وينْثَنِي نَشْوةً وسُكْرَا فإنَّ قلبي أسَرَّ نُورًا … فاشْتاق طَرْفِي إليه جَهْرَا فبادِرُوا بالرُّكوبِ واتْلوا … سبحانَ مَن بالنَّهار أسْرَى إذا رأيتَ الرِّياضَ جَهْرًا … شاهدْتَ صُنْعَ الإله سرَّا كأنَّما الدَّوْحُ فيه جَيْشٌ … على خيُولِ النَّسِيم كَرَّا والنَّهْرُ في الرَّوْض مثلُ إيمٍ … يطْلُبُ مِن خَوْفِه مَفَرَّا (¬١) والماءُ فيه جَرَى بَرِيدًا … أراه يُنْهِي إليك أمْرَا مُسابِقًا للنَّسِيم كَيْما … يَلْثَمُ من راحتَيْك عَشْرا رسائلٌ للنَّسيم راقَتْ … تُحيلُ نَظْمَ الرِّياض نَثْبَرا بَقيتَ في راحةٍ وعِزٍّ … ونِعْمَةٍ لا تزالُ تَتْرَى فأجاب بقوله (¬٢): لا غَرْوَ لي إن طَلَبْتُ عُذْرًا … عن أُفُقٍ صِرْتَ فيه بَدْرَا (¬٣) لا سِيَّما والرِّياضُ أضْحَتْ … تُهْدِي لنا من ثَناكَ نَشْرَا وسائلُ النَّهْرِ مَدَّ كَفًّا … ألْقَتْ إليه الغُصونُ دُرَّا (¬٤) لكنَّه خاف حينَ مالَتْ … عليه من سَلْبِه ففَرَّا برَبْوَةٍ أصْبَحَتْ عَرُوسًا … تُهْدَى إليها النُّفوسُ مَهْرَا بِتَّ على نَهْرِها فأضْحَى … يزيدُ بالجود منك بَحْرَا (¬٥) لله كم من سُطورِ دَوْحٍ … يوما إذا ما ذُكِرْتَ سَطْرَى بها مُقِرٌّ ولسْت ممَّن … يَرْضَى بَديلا عنها بمقْرَى سَطرَى؛ بفتح السِّين، وسُكون الطَّاء، وراء مفتوحة، وألفٍ مقصورةٍ، ومقرى؛ على ما ضبَطه أبو الحسن علي بن عُبَيْد الكُوفِيّ المتْقِنُ الخَطِّ والضَّبْط، وعلى ما نقَله ابنُ عَدِيٍّ، بالفتح، ثم السكون، وراء، وألف مقصورة، وتُكْتَبُ ياءً لمجيئها رابعةً. قال ياقوتُ (¬١): وأمّا المحْدثون وأهل "دمشق"، على ضَمِّ الميم: قريبا من نَواحِي "دمشق"، ومن مُتَنزَّهاتها الحسنة الكثيرة المياه، الملْتفَّة الأشجار. قال عَرْقَلة فيها (¬٢): سقَى الله من سَطْرَى ومَقْرَى مَنازِلا … بها للنُّدامَى مَنْظَرٌ وسُرورُ وقال في مَقْرَى توفيقُ بن محمد النَّحْوِيُّ (¬٣): سقَى الحيا أرْبُعًا تَحْيَى النُّفوس بها … ما بين مَقْرَى إلى باب الفرادِيسِ رجع إلى تَمام الأبيات: لو لم يكنْ دَوْحُها سماءً … لم يطْلَعِ الزَّهْرُ منه زُهْرَا فالنّهْرُ قد سَلَّ منه سيفًا … به على الرَّوْضِ قد تَجَرَّا وَافَى نَسِيمُ الضَّبا رسولا … يُهْدِي ويُبْدِي نَشْرًا وبِشْرَا دعا فلَبَّاه كلُّ داعٍ … قد ملأَ الأرضَ فيكَ شُكْرَا (٣) طَلَعْتَ شمسًا فحُزْتَ نُورًا … وكنتَ مَجْدًا فزِدْتَ فَخْرَا وقُلْتَ في ساعةٍ قَريضًا … يُتْعِبُنِي في الجواب دَهْرَا ما العُمْرُ إلا لَدَيْكَ يَصْفُو … أوْلا فلا أرْتَضيه عُمْرَا وكتب القاضي مجدُ الدين إلى الإسعَرْدِيِّ (¬٤) صُحْبَةَ طَبَقِ فاكِهةَ (¬٥): يا أيَّها النُّور الذي يجْلُوا الغَسَقْ وَجْهُك هذا قمرٌ إذا اتَّسَقْ عساك أن تَدْنُو دُنُوَّ مَن وَمِقْ نَحوَ غلامٍ وكتابٍ وطبَقْ وإن تشأْ فاقْرأْ أوائلَ الفَلَقْ فأجابه النُّور الإسْعَرْدِيّ، بقوله (¬١): يا مَجْدًا إلى ذُرَى الفضلِ سَبَقْ ومَن سَمَا نَحْوَ المعالِي وسَمَقْ (¬٢) يا حبَّذا منكَ كتابٌ وطَبَقْ وحبَّذا الغلامُ لو كان يَقَقْ (¬٣) وكتبَ سعد الدين ابنُ عَرَبِيّ (¬٤) إلى القاضي مجد الدين، وقد عَزَموا على الخُروج لملْتَقَى والِده الصاحب كمال الدين وقد عاد من "الموْصِل"، سنة ثلاث وخمسين وستِّمائة، ويَطْلُبُ لرَفِيقِه النَّجْم ابن أبى الطَّيّب دَابَّةً، قولَه: النَّجْمُ مُصاحبِيِ قَوِيُّ العَزْمِ … ما عندِي ما يَرْكَبُه للعُدْمِ والعبد يُرَجِّي إن أتَى صُحْتَنا … أن نُسْرِعَ إذ سِرْنا بِسَيْرِ النّجْمِ فسيَّر إليه القاضي مجد الدين بَغْلةً وكتب إليه يقول: البَغْلَة قد أصْغَتْ لحُسْنِ النَّظْمِ … سَمْعا وأتَتْ مُطيعةً للرَّسْمِ بُشْرايَ إذًا بصُحبَةِ النَّجْمِ لنا … فالسَّعْدُ مُقارِنٌ لهذا النَّجْمِ ومن نَظْمِ القاضي مجد الدين أيضا، في لاعبِ كُرَةٍ، قولُه (¬١): لله ما أحْلَى شمائلَ أغْيَدٍ … أجْرَى الدُّموعَ له عِذارٌ واقفُ وكأنما الكرة التي يسطو بها … قلب لديه من جفاه واجف وكأنها إنسانُ عَيْنِ مُحِبِّه … وكأنما الجوكان بَرْقٌ خاطِفُ (¬٢) قال في "الرَّوض البَسَّام": ولم يزَلْ على القضاء إلى أن مات بـ "جَوْسَقَة" (¬٣) بـ "دمشق"، في سادس عشرَ ربيع الآخِر، سنة سبع وسبعين وستمائة، وصُلِّيَ عليه بعدَ العصر بالجامع الأُمَوِيِّ، ودُفِنَ بتُرْبتِه التى أنشأها بـ "الشَّرَف القِبْلِيّ"، جوار زاوية الجَرِيرِيّ، غرِبِيّ الزَّيْتون، رحمه الله تعالى. ورثاه أبو الثَّناء محمود بن سليمان بن فَهْد الحلبيُّ، بقوله (¬٤): أقِمْ يا سارِيَ الخَطْبِ الذَّميمِ … فقد أدْرَكْتَ مَجْدَ بني العَديم هَدَمْتَ وكنتَ تقْصُرُ عنه بَيْتا … له شَرَفٌ يطولُ على النُّجومِ قصَدْتَ ذَوِي الكمال فعاجلَتْهم … يدَاكَ بحَلِّ عِقْدِهم النَّظيم وأنت بكَفِّ بأسِهم الرَّزايا … حَلَلْتَ مِن المعالِي في الصَّمِيمِ أتَدْرِي مَن أصَبْتَ وكيف أمْسَتْ … بك العَلْياءُ دامِيَةَ الكُلومِ (¬٥) وكيف رَفَعْتَ قَدْرَ الجهلِ لما … خَفَضْتَ مَنارَ أعْلامِ العلوم (¬٦) عَثَرْتَ وقدْ ضَلِلْتَ بطَوْدِ عِلْمٍ … أما تَمْشِي على السَّنَنِ القَويم (¬١) بمَن بسَط النَّدَى وأنارَ عَدْلا … يكُفُّ اللَّيْثَ عن ظُلْمِ الظَّليم (¬٢) صحيح الزُّهْدِ غادَرَهُ تُقاهُ … وخَوْفُ اللهِ كالنضْوِ السَّقيمِ (¬٣) مَضَى وسِراجُ مَنْزِلِه الثُّرَيَّا … ومَوْرِدُ بَيْتِه قَلْبُ الغُيومِ (¬٤) ووَدَّعَ والثَّناءُ على عُلاهُ … يفوقُ مُضاعَفَ الغيثِ العَميمِ (¬٥) وسارَ وكان للفُضَلاءِ منه … حُنُوُّ المرْضِعاتِ على الفَطِيمِ (¬٦) وغاب فأعْدَمَ الأسْماعَ لَفْظًا … أرَقَّ من المدامَةِ للنَّدِيمِ قلتُ: هذه الأبيات الثَّلاثة، ضمَّنها ابنُ فَهْدٍ مع تَغْييرٍ يسيرٍ، ثلاثةَ أعْجازٍ من مَقْطوع، قاله المنازِيُّ (¬٧) الشاعر المشهورُ، يَصِف وادِيًا كثيرَ الأشجار، طيَّب التُّرْبة، حسَن المنْظَرِ، يُقالُ له "وادى يُزاعة" (¬٨)، من نَواحِي "حلب"، وهو: وَاقانا لَفْحَةَ الرَّمْضاء وادٍ … سَقاه مُضاعَفُ الغيث العميمِ نَزَلْنا دَوْحَهُ فحَنا علينا … حُنُوَّ المرْضِعاتِ على الفَطيم وأرْشَفَنا على ظَمَأ زُلالا … ألَذَّ مِن المدامةِ للنَّديمِ يُراعِي الشمسَ أنَّى واجَهَتْنا … فَيَحْجُبُها ويَأذَنُ للنَّسِيمِ يَرُوعُ حَصاهُ حالِيَةَ العَذارَى … فتَلْمَسُ جانِبَ العِقْدِ النَّظيمِ وللْمَنازِيّ أيضا مقْطوعٌ غيرُ هذا في غاية الحُسْنِ، مِن قَبيلِ المطْرِب والمرَقَّص، لا بأس بإيرادِه هنا عندَ أخيه، ولم يشْتهرِ للمَنازِيّ غيرُ هذين المقْطوعَيْن، وله "ديوان شعر"، تطَلَّبَه القاضي الفاضلُ من أقاصي البلاد وأدَانِيها، فلم يظْفَرْ به (¬١)، والمقْطوعُ الثاني هو قولُه (¬٢): إذا صَدَع الحمامُ لنا بسَجْعٍ … وأصغى نَحْوَه وَطْبٌ تَلاحَى (¬٣) شَجَى قَلبَ الخَلِيّ فقيلَ غَنَّى … وبَرَّحَ بالشَّجيِّ فقيل نَاحَا وكم للشَّوْقِ في أَحْشاءِ صَبٍّ … إذا انْدَمَلَتْ أجَدَّ له جِراحا ضعيفُ الصَّبرِ عَنْكَ وإن تَنَاءَى … وسَكْرانُ الفُؤادِ وإن تَصَاحَى كذاك بنو الهَوَى سَكْرَى صُحاة … كأحْداقِ الظُّبَى مَرْضَى صِحاحا والعُذرُ في إيراد هذين المقْطوعَين بتَمامهما واضحٌ بَيِّنٌ، وهو قِلَّةُ وُجود مِثْلِهما رِقَّةً، ولَطافةً، وانْسِجامًا، وحُسْنَ سَبْكٍ، وخُصوصًا بعدَ حُصولِ المناسبة، وقولهم: الشيءُ بالشيءِ يُذْكَرُ. ويكْفِي لنا في مَدْح هذين المقْطوعين حُجَّةً شهادَةُ أبي العلاء المعَرِّيِّ، إمام الفَنِّ وقائد زِمام البلاغة، وفارسِ مَيْدان الفصاحة، وذلك فيما رُوِىَ من أنَّ المنازِيَّ قَدِمَ يومًا على أبي العلاء بـ "الشام"، فوجدَه جالسا، والناس يقرأون عليه، فأنْشَدَه أحدَ هذين المقْطوعَين، فقال له وهو لا يعْرِفُه: أنتَ أشْعَرُ من بـ "الشام. ثمْ مَضَىِ على ذلك بُرْهةٌ من الزمن، ثم اجتَمع به في "العراق"، وهو مُتصدِّرٌ في أحَدِ جوامع "بغداد" للإقْراء، فأنشَدَه المقْطوعَ الآخَرَ (¬١)، فلمَّا فرغ من إنْشادِه، قال له: ومَن بـ "العراق". وعُدَّتْ هذه من فضائل أبي العلاء، ومن أكْبرِ الدَّلائل على قُوَّةِ حِفْظِه وفَهْمِه، حيث عطَف جملةً على جملةٍ تخلَّل بينهما فيما يُقالُ عِدَّةُ سنَوات، وهو لا ينْظُرُ قائلَهما، ولا يعْرفُه، وإنَّما عرَف أنّ قائل الشِّعْرِ الأوَّل هو قائل الشعر الثاني، وأنَّ النَّفَسَيْن لرجلٍ واحد، بقُوَّةِ الحافظة، وفَرْطِ الذَّكاء، وهذا من أعْجَبِ العجائب. ويُحْكَى عنه ما هو أعْجَبُ من ذلك، ولوكان مَحَلَّه لأوْرَدْنا منه شيئا كثيرًا. رجع إلى تَمام القصيدة: أمَجْدَ الدين دَعْوةُ مُسْتَهامٍ … لأنْواعِ الكآبةِ مُسْتديمِ (¬٢) حَلَلْتَ من الجِنانِ أجَلَّ دارٍ … وقلبي حَلَّ بعدَك في جَحِيمِ فمالي غيرُ حُزْنِي مِن صديقٍ … ولا لي غيرُ دمعي مِن حَميمِ إذا ما شامَ نَوْءُ الأُنْسِ طَرْفِي … ليمطرني هما لي بالهموم قاك من الجنان رحيق لطف … يُدارُ عليكَ مَفْصومَ الخُتومِ (¬٣) ولا بَرِحَتْ رِكابُ المزْنِ تَسْرِي … إلى مَثْواكَ دائِمةَ الرُّسومِ (¬٤) * * *
Parsing and provenance details
Local passage ID
1094177
Book record
shamela-819
Source record
1109216
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain