page 3741, entry [3074]Open original source
٢٥٨٤ - الشيخ الفاضل عبد الله بن يوسف بن محمد الزَّيْلَعِيّ جمال الدين، أبو محمد * * ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: اشتغل، وسمع من أصحاب النَّجيبِ، وأخذ عن الفخر الزَّيْلَعيّ شارح "الكنز"، وعن القاضي علاء الدين ابن التُّركُمانِيّ، وغيرهما، ولازَم مُطالعتَه كُتُبَ الحديث، إلى أن خرَّج أحاديث "الهداية"، وأحاديث "الكشّاف"، فاسْتَوْعَب ذلك اسْتيعابا بالغا. ومات بـ "القاهرة"، في المحرَّم سنة اثنتين وسبعمائة. قال في "الدرر": ذكر لنا شيخنا العِراقِيّ، أنَّه كان يوافِقُه في مُطالعة الكتب الحديثيَّة، لتَخْريج أحاديث "الإحياء"، والأحاديث التي يُشير إليها التِّرْمِذِيُّ في الأبواب، والزَّيْلَعِيُّ لتَخْريج أحاديث "الهداية"، والكشَّاف"، فكان كلُّ منهما يُعينُ الآخَرَ، ومن كتاب الزَّيْلَعِيّ في تخْريج أحاديث "الهداية" اسْتِمْدادُ الزَّرْكَشِيّ في كثير ممّا كَتَبه من تَخْريج أحاديث "الرَّافِعيّ". قال ابنُ العَديم: ومن خَطِّه نقلتُ: شاهدتُ بخطِّ شيخِ الإسلام، حافظِ الوقتِ شهاب الدين أبي الفضل أحمد ابن حَجَر العَسْقلانِيّ، ما صورتُه. فذكر غالبَ ما نَقلْناه هنا من "الدُرر"، ومنه: حتى جمَع تَخْريجَ أحاديث "الهداية"، فاسْتَوْعَبَ فيه ما ذكَره من الأحاديث والآثار في الأصل، وما أشار إليه إشارةً، ثم اعْتَمَد في كلِّ بابٍ أن يذكُرَ أدِلَّةَ المخالِفين، ثم هو في ذلك كثير الإنصاف، يحكِي ما وجده من غير اعْتراضٍ ولا تَعَقُّب غالبا، فكثُر إقْبالُ الطَّوائف عليه، واسْتَوْعَبَ أيضًا في تخْريج أحاديث "الكشّاف"، ما فيه من الأحاديث المرفوعة خاصَّةً، فأكْثَرَ من تَبْيينِ طُرُقِها، وتَسْميَةِ مُخَرِّجِها، على نَمَط ما في أحاديث "الهداية"، لكنَّه فاتَهُ كثيرُ من الأحاديث المرْفوعة، التي يذْكُرُها الزَّمَخْشَرِيّ بطريق الإشارة، ولم يتعرَّض غالبا لشيءٍ من الآثار الموقوفة، ورأيتُ بخطِّه كثيرا من الفوائد مُفَرَّقًا. انتهى. قال الحافظ الناقد الإمام زاهد بن الحسن الكوثري رحمه الله تعالى في "تقدمته" على "نصب الراية": ما نصّه: فإن كتاب "نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية" للإمام الحافظ الفقيه الناقد الشيخ عبد الله بن يوسف الزيلعي - أعلى الله سبحانه منزلته في الجنة - كتاب، لا نظير له في استقصاء أحاديث الأحكام، حيث كان مؤلّفه لا يفتر ساعة عن البحث، ولا يعوقه عن التنقيب عائق، ولا يحول دون فحصه تواكل ولا تكاسل، ولا يزهده في الأخذ عن أقرانه عمّن هو دونه كبر النفس وسعته في العلم، بل طريقته الدأب ليل نهار على نشدان طلبته أينما وجد ضالّته. وهذا الإخلاص العظيم وهذا البحث البالغ جعلا لكتابه من المنزلة في قلوب الحفّاظ ما لا تساميه منزلة كتاب من كتب التخريج. والحق يقال: إنه لم يدع مطمعا لباحث وراء بحثه وتنقيبه، بل استوفى في الأبواب ذكر ما يمكن لطوائف الفقهاء أن يتمسّكوا به، على اختلاف مذاهبهم من أحاديث، قلّما يهتدي إلى جميع مصادرها أهل طبقته، ومن بعده، من محدّثي الطوائف، إلا من أجهد نفسه إجهاده، وسعى سعيه، لوجود كثير منها في غير مظانّها. بل قلّ من ينصف إنصافه، فيدوّن أدلّة الخصوم تدوينه، غير مقتصر على أحاديث طائفة دون طائفة، مع بيان ما لها وما عليها بغاية النصفة، بخلاف كثير ممن ألّفوا في أحادث الأحكام في المذاهب، فإنك تراهم يغلب عليهم التقصير في البحث، أو السير وراء أهواء، فالتقصير في البحث يظهر المسألة القوية الحجّة بمظهر أنها لا تدلّ عليها حجّة، والسير وراء هوى تعصّب، يأباه أهل الدين. وأخطر ما يغشي على بصيرة العالم عند النظر في الأدلّة هو التعصّب المذهبي، فإنه يلبس الضعيف لباسَ القوي، والقوىّ لباس الضعيف، ويجعل الناهض من الحجّة داحضا، وبالعكس، وليس ذلك شأن من يخاف الله في أمر دينه، ويتهيّب ذلك اليوم الرهيب، الذي يحاسب فيه كلّ امرئ على ما قدّمت يداه. فإذا وجد المتفقّه من هو واسع العلم غواصّ، لا يتغلّب عليه الهوى بين حفّاظ الحديث، فليعضّ عليه بالنواجذ، فإن ذلك الكبريب الأحمر بينهم. والحافظ الزيلعي هذا جامع لتلك الأوصاف حقّا، ولذلك أصبحت أصحاب التخاريج بعده عالة عليه. فدونك كتب البدر الزركشي، وابن الملقّن، وابن حجر، وغيرهم من الذين يظنّ بهم أنهم يحلّقون في سماء الإعجاب، ويناطحون السحاب، وقارنها بكتب الزيلعي، حتى تتيقّن صدق ما قلنا، بل إذ فعلت ذلك ربما تزيد، وتقول إن سدى تلك الكتب ولحمتها كتب الزيلعي، إلا في التعصّب المذهبي. وكتاب الزيلعي هذا يجد فيها الحنفي صفوة ما استدلّ به أئمة المذهب من أحاديث الأحكام، ويلقى المالكي فيها نقاوة ما خرّجه ابن عبد البر في "التمهيد"، و"لاستذكار"، وخلاصة ما بسطه عبد الحق في كتبه في أحاديث الأحكام، والشافعي يرى فيه غربلة ما خرّجه البيهقي في "السنن"، و"المعرفة"، غيرهما، وتمحيص ما ذكره النووي في "الخلاصة"، و"المجموع"، و"شرح مسلم"، واستعراض ما بينه ابن دقيق العيد في "الإلمام شرح العمدة"، كذلك الحنبلي يلاقي فيه وجوه النقد في "كتاب التحقيق" لابن الجوزي، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي، وغير ذلك من الكتب المؤلّفة في أحاديث الأحكام. بل يجد الباحث فيه سوى ما في الصحاح والسنن والمسانيد والآثار والمعاجم، من أدلّة الأحكام أحاديثَ في الأبواب، من "مصنف ابن أبي شيبة" أهمّ كتاب في نظر الفقيه، و"مصنف عبد الرزاق"، ونحوهما، مما ليس بمتناول يد كلّ باحث اليوم، مع استيفاء الكلام في كلّ حديث، من أقوال أئمة الجرح والتعديل، ومن كتب العلل المعروفة، وهذا مما جعل لهذا الكتاب ميزة عظمى بين كتب التخاريج. ولا أريد بهذا الثناء على كتابه تثبيط العزائم وتخدير الهمم، ولا إنكار أنه لا نهاية لما يفيض الله سبحانه على أهل العزيمة الصادقة من خبايا العلوم، ولا نفي أن في كتب من بعده بعض فوائد، يشكر مؤلّفوها عليها، ويزداد استقاء أمثالها من ينابيعها الصافية عند مضاعفة السعى، وصدق العزيمة، وإنما قلت: ما قلت إعطاء لكلّ ذي حقّ حقّه، وإجلالا للعلم، واستنهاضا للهمم، نحو محاولة الاستدراك على مثل هذا العالم الجليل. وهذا حافظ واحد من حفّاظ الحنفية قام مثل هذا العمل العظيم، الذي وقع موقع الإعجاب الكلّي بين طوائف الفقهاء، كلّهم في عصره وبعد عصره، فمن قلّب صحائف هذا الكتاب، ودرس ما في الأبواب، من الأحاديث، تيقّن أن الحنفية في غاية التمسّك بالأحاديث والآثار في الأبواب كلّها. لكن لا تخلو البسيطة من متعنّت، يتقوّل فيهم إما جهلا أو عصبية جاهلية، فمرة يتكلّمون في أخذهم بالرأى عند فقدان النص، مع أنه لا فقه بدون رأي، ومرة يرمونهم بقلّة الحديث، وقد امتلأت الأمصار بأحاديثهم، وأخرى يقولون: إنهم يستحسنون، ومن استحسن فقد شرّع. انتهى كلامه. * * *