Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

٢٥٨١ - الشيخ الفاضل عبد الله أبو العباس المأمون ابن الخليفة هارون الرشيد ابن الخليفة محمد المهدي ابن الخليفة عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي البغدادي، أفضل خلفاء بني العباس على الإطلاق

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 3729, entry [3071]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 3729, entry [3071]Open original source
٢٥٨١ - الشيخ الفاضل عبد الله أبو العبّاس المأمون ابن الخليفة هارون الرّشيد ابن الخليفة محمد المهْدِي ابن الخليفة عبد الله أبي جعفر المنْصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس الهاشمِيّ العبّاسِيّ البَغْداديّ، أفضل خُلَفاء بني العبّاس على الإطْلاق * ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذكره صاحبُ "النجوم الزاهرة"، وقال: كان نبيلا، قرأ القرآن في صغره، وسمع من هُشَيم، وعبّاد بن العَوّام، ويوسف بن أبي عَطِيَّة، وأبي مَعاوِية الضَّرير، وطبقتِهم، وبَرع في الفقه على مذهب أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، والعربية، وأيّام الناس، ولما كَبِرَ عُنِيَ بالفلسفة وعُلوم الأوائل، ومهَر فيها، فَجرَّه ذلك لقوله بخَلْق القرآن، وكان من رجال بني العبّاس، حَزْما، وعَزْما، عِلْما، وحِلْما، ورأيا، دَهاءً، وهَيْبَةً، وشجاعةً، وسُؤْدَدا، وسمَاحةً، لولا أنَّه شان ذلك بقوله بخلْق القرآن. انتهى. أقول: قد تقدّم في ترجمة ابن أبي دُوَاد ذكر شيءٍ من أخْبار المأمون وأوْصافِه على سبيل الاخْتصار، كُنّا سُقْناه على سبيل الاسْتِطْراد، قبلَ أن اطَّلَعْنا على كلام صاحب "النجوم الزاهرة" هذا، وأنَّه كان حنفيُّ المذهب، ولما عَلِمْنا ذلك وتحقَّقْناه، تَعَيَّن علينا ذكرُه في هذا المحلِّ إجْمالا وتفصيلا، فنقول، وبالله الإعانة، ومنه الهداية: كانتْ ولادةُ المأمون، كما رواه الخطيبُ وغيرُه، سنة سبعين ومائة، في الليلة التي مَلَك فيها أبوه هارون في شهر ربيع الأوَّل، وقد مات في هذه الليلة خليفةٌ، ووُلِدَ خليفةٌ، وَوَلِيَ خليفةٌ، مات موسى، ووَلِيَ الرشيد، ووُلِدَ المأمون، وكثيرا ما يذكر المؤَرِّخون هذه الليلة في غرائب الاتِّفاق. وكان المأمون أبيض اللَّوْن، رَبْعَةً، حسن الوجه، قد وَخَطه الشَّيْبُ، تعْلُوه صُفْرةٌ، أعْيَنُ، طويلُ اللِّحْية رَقيقُها، ضَيِّق الجبين، على خَدِّه خالٌ، وكان ساقاه دون سائر جسده صَفْراوَيْن، حتى كأنَّهما طُلِيَتا بالزَّعْفَران. وعن اليَزِيدِيّ، أنّه قال: كنتُ أُؤدِّبُ المأمون، فأتيتُه يوما، فوجدتُه داخل المنزل، فوجَّهْتُ إليه بعضَ خَدَمِه يُعْلِمُه بمكاني، فأبْطَأَ عليَّ، ثم وجَّهْتُ إليه آخر، فأبْطَأ وتأخَّر، فلما خرج أمَرْتُ بحَمْلِه، فضربتُه سَبْعَ دِرَرٍ. قال: فإنَّه ليَدْلُكُ عيْنَيْه من البُكاء، إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقْبَل، فأخذ مِنْديلا، فمسَح عيْنَيْه من البُكاء، وجمع ثيابَه، وقال إلى فَرْشَةٍ، وقَعَدَ عليها مُتربِّعا. ثم قال: لِيَدْخُلْ. فدخل فقُمْتُ من المجلس، وخِفْتُ أن يَشْكُوَنِي إليه، فألْقى منه ما أكْرَهُ. قال: فأقْبَلَ عليه بوَجْهِه وحديثه حتى أضْحكَه، وضَحِكَ إليه، فلمّا همَّ بالحركة، دعا بدابَّته، وأمَر غِلْمانَه، فسَعَوْا بين يَدَيْه، ثم سأل عنِّي، فجئتُ، فقال: خُذْ علَيَّ ما بَقِيَ من جُزْئي. فقلتُ: أيّها الأميرُ، أطالَ اللهُ بقاك، لقد خِفْتُ أن تَشْكُوَنِي إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلتَ ذلك لَتنَكَّر لي، فقال: أتُرانِي يا أبا محمد كنتُ أُطْلِع الرشيد على هذه، فكيف بجعفر بن يحيى حتى أُطْلِعَه؟ إنِّي أحْتاجُ إلى أدب، إذا يغفرُ الله لك بُعْدَ ظَّنِّك، ووَجِيبَ قلبِك، خُذْ في أمْرِك، فقد خطَر ببالك ما تراهُ أبدا، ولو عُدْتَ في كلِّ يوم مائة مرّةٍ. وكانتْ ولايته الخلافةَ في المحرّم، لخمسٍ بَقينَ منه، بعدَ مَقْتلِ أخيه، سنة ثمان وتسعين ومائة، فاسْتمرَّ في الخلافة عشرين سنة وخمسةَ أشْهُرِ. قال ابنُ كثير في "تاريخه": وقد بايَع في سنة إحدى ومائتين بولاية العَهْدِ من بعدِه لعليِّ الرِّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين ابن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وخلَع السَّواد، ولبِس الخُضْرَة، كما قدَّمنا، فأعْظَمَ ذلك العبّاسِيُّون من البَغْادِدَةِ وغيرِهم، وخلَعوا المأمون، وولَّوا عليهم إبراهيم بن المهْدِيّ، ثم ظَفِر بهم المأمونُ، واسْتقام أمرُه في الخلافة، وذلك بعدَ مَوْتِ عليّ الرِّضا بـ "طُوسَ"، وعَفا عن عمِّه إبراهيم بن المْهدِيّ. قال: وروَى الخطيبُ البغداديّ، عن القاسم بن محمد بن عبّاد، قال: لم يَحْفَظِ القرآن أحدٌ من الخلفاء غيرَ عثمان بن عفان، والمأمون، وهذا غريب جدًّا. قالوا: وكان يتْلو في شهر رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة. وجلس يوما لإملاء الحديث، فاجْتَمَع حولَه القاضي يحيَى بن أكْتَم، وجماعةٌ، فأملَى عليهم من حِفْظِه ثلاثين حديثا. وكانتْ له بَصيرةٌ بعلوم مُتَعدِّدة؛ من فقه، وطِبٍّ، وشعر، وفرائض، وكلام، ونحو، وعربية، وغريب، وعلوم النُّجوم، وإليه يُنْسَبُ "الزِّيجُ المأمُونِيّ". ورَوَى ابنُ عساكر، أنَّ المأمون جلس يوما للناس، وفي، مجلسه العلماءُ والأمَراء، فجاءتْ امرأةٌ تتظَلَّم إليه، فذكرتْ أنَّ أخاها تُوُفِيّ، وترك سِتَّمائة دينار، فلم يحْصُلْ لها سِوَى دينار واحد. فقال لها على البديهة: قد وصَل إليك حقُّك؛ لأنّ أخاْك قد تَرَك بِنْتَيْن، وأمّا، وزوجةً، وأثْنَى عشر أخا، وأخْتا، وهي أنتِ. قال: نعم، يا أمير المؤمنين!. فقال: للبنتين الثُّلثان، أربعُمائة دينار، وللأُمِّ السُّدس، مائةُ دينار، وللزَّوجة الثُّمُن خمسة وسبعون دينارا، يبقى خمسة وعشرون دينارا، لكلّ أخٍ ديناران، ولك دينار واحدٌ. فتعجَّب الناس من فِطْنَتِه وسُرْعة جَوابِه. وقد روينا هذه الحكاية أيضًا عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ودخل [بعض] الشُّعَراء على المأمون، وأنْشَدَه بيتا من شِعْره قالَه فيه، وكان الشاعر يُعْجَبُ به، فلم يقعْ من المأمون مَوْقِعا، ولا رفَع له رأسا، فلمّا خرَج من عِندِه لقيَهُ شاعرٌ آخَر، فشكا له حالَه، وعدمَ إقْبالِ المأمون على شِعْره، فقال له: ما هو؟ فقال: أضْحَى إمام الهدى المأمونُ مُشْتَغِلا … بالدِّين والناسُ بالدُّنيا مَشاغِيلُ، فقال له ذلك الشاعر: ما زِدْتَ على أن جعلتَه عَجوزًا في مِحْرابها، في يدِها سُبْحةٌ، فمن يقوم بأمْر الدُّنيا إذا كان مَشْغولا عنها، وهو المطَوِّق بها، فهلا قلتَ كما قال جَرِيرٌ في عبد العزيز بن الوليد، وهو: فلا هو في الدنيا مُضيعٌ نَصيبَه … ولا غَرَضُ الدُّنيا عن الدين شاغِلهْ روى ابنُ عَساكِر، من طريق النَّضْر بن شُمَيْل، قال: دخلتُ على المأمون، فقال: كيف أصْبَحْتَ يا نضر؟ قلتُ: بخيرٍ يا أمير المؤمنين! قال: ما الإرْجاءُ؟ فقلتُ: دينٌ يُوافقُ الملوك، يُصيبون به من دُنْياهم، ويَنْقُصون من دينهم. قال: صدَقْتَ. ثم قال: يا نضر، أتَدْري ما قلتُ صَبِيحة هذا اليوم؟ قلتُ: أنَّى لي بعلمِ الغيبِ. فقال: أصْبَح ديني الذي أَدينُ به … ولستُ منه الغداةَ مُعتَذِرَا حُبَّ عَليٍّ بعدَ النَّبِيّ ولا … أشْتُمُ صِدِّيقَنا ولا عُمَرَا وابنُ عَفان في الجنان مع الأبـ … ــرار ذاك القَتيلُ مُصْطَبِرا لا ولا أشْتُمُ الزُّبَيْرَ ولا … طَلْحَةَ إنْ قال قائلٌ غَدَرا وعائشُ الأمُّ لستُ أشْتُمُها … مَن يَفْتَرِيها فنحنُ منه بَرَا قال ابنُ كثير: وهذا المذهب ثاني مراتب التَّشَيُّع، وقبلَه تفضيلُ عليِّ على عثمان، رضي الله تعالى عنهما، وقد قال بعضُ السَّلف: مَن فضَّل عليًّا على عثمان، فقد أزْرَى بالمهاجرين والأنصار. يعني في اجْتهادِهم ثلاثةَ أيّام، ثم اتَّفقُوا على تقْديم عثمان على عليِّ بعدَ مَقْتلِ عُمَرَ، رضي الله تعالى عنه، وبعدَ ذلك سِتَّ عشْرَة مَرْتَبة في التَّشَيُّع، على ما ذكرَه صاحب كتاب "البلاغ الأكبر، والنّاموس الأعظم" تنْتَهِي [به] إلى كُفْرِ الكفر. قال - أعني ابن كثير -: وقد رَوَيْنا عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أنَّه قال: لا أُوتَى بأحدٍ يُفَضِّلُنِي على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، إلا جَلَدْتُه حَدّ المفْتَرِي. وتَواتَرَ عنه أنَّه قال: خيرُ الناس بعدَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، رضي الله تعالى عنهما. ثم خالَف المأمون في مَحَبَّته مذهبَ الصَّحابة كلِّهم، حتى عليِّ بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال: وقد أضاف المأمون إلى بِدْعته هذه التي أزْرَى فيها على المهاجرين والأنصار وخالفَهم، تلك البدعةَ الأخْرَى، والطَّامَّة العُظْمَى، وهي القولُ بخلق القرآن، مع ما فيه من الانهِماك على تَعاطِي المسْكِر، وغير ذلك من الأفعال التي تَعَدَّد فيها المنْكِرُ، ولكن كان فيه شهامةٌ عظيمةٌ، وقوةٌ جسيمةٌ، وله هِمَّةٌ في القتال، وحِصار الأعداء، ومُصادرة الرُّوم وحَصْرِهم في بُلْدانهِم، وقَتْلِ فُرْسانهِم، وأسْرِ ذَرارِيّهم ووِلْدانهِم. وكان يقول: معاويةُ بعَمْره، وعبدُ الملك بِحَجّاجِه، وأنا بنفسى. وكان يقصد العدل، ويتولى بنفسه بين الناس الفصل، جاءته امرأة ضعيفة، فتظلمت من العبّاس، وهو واقفٌ على رأسِه، فأمر الحاجبَ فأخذ بيده، فأجْلَسَه معها بين يديه، فادَّعتْ عليه أنَّه أخذ ضَيْعَةً لها، واسْتَحْوَذَ عليها، فتناظَرَا ساعةً، فجعل صَوْتُها يعْلُو على صوتِه، فزَجَرها بعضُ الحاضرين، فقال له المأمون: اسْكُتْ فإنَّ الحقَّ أنْطَقَها، والباطِلَ أسْكَتَه، ثم حكم لها بَحَقِّها، وألْزَمَ لها ولَدَه بعشرة آلاف درهم. وكتب إلى بعض الأمَراء: ليس من المروءة أن يكونَ آنِيَتُك من ذهبٍ وفِضَّةٍ، وغَريمُك عارٍ، وجارُك طاوٍ. ووقفَ رجلٌ بين يدَيْه، فقال له: والله لأقْتُلَنَّك. فقال: يا أمير المؤمنين! تأنَّ عليَّ، فإنّ الرِّفْقَ نصفُ العَفُو. فقال: وَيْحَك، كيف وقد حلفتُ لأقْتُلَنَّك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لأنْ تَلْقى الله حانثًا، خيرٌ من أن تلْقاه قاتلًا، فعفا عنه. وكان يقول: ليتَ أهلَ الجرائم يَعْرفون مذهبي في العَفْو، حتى يذهَب الخوفُ عنهم، ويَدْخُلَ السُّرورُ على قلوبهم. وحضَر عنده هُدْبةُ بن خالد يومًا، فتغدّى عنده، فلمّا رُفِعتِ المائدُة، جعل هُدْبَةُ يَلْتَقِطُ ما تناثَر منها، فقال له المأمون: أما شَبِعْتَ يا شيخ؟ فقال: بَلَى، ولكنْ حدَّثنِي حَمّاد بن سَلَمة، عن ثابت عن أنس، أنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "مَنْ أكَلَ ما تَحْتَ مائدَتِه أمِنَ من الفَقْرِ". قال: أمَر له المأمون بألف دينار. وروَى ابنُ عَساكِرَ، أنَّ المأمون قال يوما لمحمد بن عَبّاد بن المهلّب: يا أبا عبد الله! قد أعطَيْتُك ألفَ ألفٍ وألفَ ألفٍ وألفَ ألْفٍ، وإنَّ عليك دَيْنا، فقال: يا أمير المؤمنين! إنَّ منْع الموجود، سُوءُ ظَنٍّ بالمعْبود. فقال: أحْسَنْتَ يا أبا عبد الله! أعْطوه ألفَ ألْفٍ، وألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ. ولما أراد المأمون أن يدخل ببوران بنتِ الحسن بن سهل، جعل الناس يُهْدُون لأبيها الأشياءَ النفيسة، وكان من جُمْلةِ الناس رجلٌ من الأدباء، فأهْدى إليه مِزْوَدًا فيه مِلْح طَيِّب، ومِزْوَدا في أشْنان جَيِّد، كتب إليه: إنِّي كَرِهتُ أن تُطْوَى صحيفةُ أهْلِ البِرِّ ولا ذِكْرَ لي فيها، فوجَّهتُ إليك بالمبْتدإ به؛ لِيُمْنِه وبركتِه، وبالمخْتوم به، لطِيبِه ونَظافتِه، وكتب إليه: بِضاعَتِي تقْصُرُ عن هِمَّتِي … وهِمَّتِي تَقْصِرُ عن مالِي والملحُ والأُشْنانُ يا سيدِي … أحْسَنُ ما يُهْدِيه أمْثالِي قال: فدخل بهما الحسن بن سهل على المأمون، فأعْجَبَه ذلك، وأمر بالمزْوَدَيْنِ، ففُرِّغا ومُلِئا دنانير، وبعث بهما إلى ذلك الأديب. ووُلِد للمأمون ابنُه جعفر، وبه كان يُكْنَى، فدخل عليه الناسُ يُهَنُّونه بصنوفِ التَّهانِي، ودخل في جُمْلتِهم بعضُ الشعراء، وأنْشَده قولَه: مَدَّ لك الله الحياةَ مَدّا … حتى يُرِيك ابْنَك هذا جدَّا ثُم يُفَدَّى مِثْلَما تُفَدَّى … كأنَّه أنتَ إذا تَبَدَّى أشْبَهَ منك قامةً وقَدَّا … مُؤزَّرًا بمَجدِه مُردَّى فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقدم عليه، وهو "دمشق" مالٌ جزيل بعد ما كان قد أفْلس، وشكا إلى أخيه المعتصم ذلك، فورَد عليه خَزَائنُ من "خُراسانَ" فيها ثلاثون ألفَ ألفٍ، فخرج يسْتَعْرِضها، وقد زُيِّنت الجِمالُ والأجمال، ومعه يحيى بن أكْتَم القاضي، فلمّا دخلت البلدَ، قال: ليس من المروءة أن نَحُوزَ هذا كلَّه والناسُ ينْظُرون. ثم فرَّق منه أربعة وعشرين ألفَ ألْفِ درهم، ورِجْلُه في الركاب، لم يَنْزِلْ عن فرسِه. ومن لطيف شعرِه: لسانِي كَتومٌ لأسْراركمْ … ودَمعِي نَمُومٌ بِسِرِّ مُذِيعْ فلولا دُمُوعِي كَتمْتُ الهوى … ولولا الهوَى لم يكُن لي دُموعْ وقد بعثَ خادما له ليلة من الليالي، ليأتِيَه بجاريةٍ كان يهْواها، فأطال عندَها المكْثَ وتمنَّعت الجارية من المجيء إليه حتى يأتي إليها بنفسه، فأنْشأ المأمون يقولُ: بعثْتُك مُشْتاقا ففُزْتَ بنَظْرةٍ … وأغْفَلْتني حتى أسأتُ بكَ الظَّنَّا وناجَيْتَ مَن أهْوَى فكنتَ مُقرَّبا … فياليتَ شِعْرِي عن دُنُوِّكَ ما أغْنَى ورَدَّدْتَ طَرْفا في مَحاسن وَجْهِها … ومَتَّعْتَ باسْتِمْتاعِ نَغْمَتِها أُذْنا أرَى أثرًا في صَحْنِ خدِّك لم يكُن … لقد سَرَقتْ عَيْناكَ من حُسْنِها حُسْنا ولما ابْتَدَع المأمون ما ابْتَدَع من التَّشَيُّع والاعْتِزال، فرِح بذلك بِشْرٌ المرِيسِيُّ، وكان شيخا للمأمون في ذلك، وأنْشَد: قد قال مَولى الوَرى وسَيِّدُنا … قَوْلا له في الكتابِ تصْدِيق إنَّ عليًّا أعْنِي أبا حسَنٍ … أفضلُ مَن أرْقَلَتْ به النُّوقُ بعدَ نَبيّ الهُدَى وإنَّ لنا … أعْمالنا والقرآنَ مخْلوقُ فأجابه بعضُ الشعراء من أهل السُّنة، فقال: يا أيُّها الناس لا قَوْلٌ ولا عملٌ … لمن يقولُ كلامُ الله مخلوقُ ما قال ذاك أبو بكر ولا عمرُ … ولا النبيُّ ولم يَذْكرْه صِدِّيقُ ولم يقلْ ذاك إلا كلُّ مُبْتَدِعٍ … على الإله وعند الله زنْديقُ أصيحُ يا قومُ عَقْلا من خَليفتِكم … يُمْسِي ويُصيحُ في الأغلال مَوْثوق وقد سأل بشرٌ من المأمون أن يطْلُبَ قائلَ هذه الأبيات، فيؤدِّبَه على ذلك، فقال له: وَيْحَك، لو كان فقيها لأدَّبْتُه، ولكنَّه شاعرٌ، فلستُ أعْرِضُ له. ولما تجهَّز المأمون للغَزْو، في آخر سَفْرةٍ سافَرها إلى "طَرَسوسَ" اسْتَدْعَى بجاريةٍ كان تُحِبُّها، وقد اشْتراها في آخر عمرِه، فضمَّها إليه، فبكتِ الجاريةُ، وقالتْ: قتلْتَنِي يا أميرَ المؤمنين! بسَفَرك هذا. ثم أنْشأتْ تقول: سأدْعو دَعْوَة المضْطَرِّ رَبًّا … يُثيبُ على الدُّعاء ويسْتَجيبُ لعلَّ اللهَ أن يَكْفِيكَ حَرْبًا … ويَجْمعَنا كما تَهْوَى القلوبُ فضمَّها إليه، ثم أنْشأ مُتَمثِّلا يقول: فيا حُسْنَها إذَ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَها … وإذ هِيَ تُذْرِي الدَّمْعَ منها الأنامِلُ صَبيحةَ قالتْ في العِتاب قَتَلْتَنِي … وقَتْلِي بما قالتْ هناك تُحاوِلُ ثم أمر الخادم: مُرُوا بالإحْسان إليها، والاحْتفاظ عليها حتى يرجعَ، ثم قال: نحن كما قال الأخْطَل: قومٌ إذا حارَبوا شَدُّو مآزِرَهم … دُون النِّساء ولو باتَتْ بأطْهارِ ثم ودَّعها وسافر، فمرِضت الجارية في غَيبته، ومات المأمون أيضًا. وقيل: إنّه لما مات جاء نَعِيُّه إليها، تنفَّسَت الصُّعَداء، وحضرَها الموتُ، وأنْشأت تقول، وهي في السِّياق: إنَّ الزمان سَقانا مِن مَرارتِه … بعدَ الحلاوَة أنْفاسا فأرْوانَها أبْدَى لنا تارةً منه فأضحكَنا … ثم انْثَنَى تارةً أخرَى فأبْكَانا إنا إلى الله فيما لا يزالُ لنا … من القضاء ومن تَلْوِينِ دُنْيانا دُنيا نَراها تُرِينا مِن تَصَرُّمِها … ما لا يَدومُ مُصافاةً وأحْزانَا ونحن فيها كأنَّا لا يُزايلُنا … عيشٌ فأحْياؤُنا يَبْكونَ مَوْتانا وروى الخطيبُ في "تاريخه": أنّ هارون الرشيد كان له جارية غُلامِيَّة، تصبُّ على يدِه، وتقِفُ على رأسِه، وكان المأمونُ يُعْجَبُ بها وهو أمْرَدُ، فبينا هي تصُبُّ على هارونَ من إبْريقٍ معها، فأشار إليها المأمون بقُبْلةٍ، فزَبَرتْه بحاجبِها، وأبْطأتْ عن الصبِّ، فنظر إليها هارون، فقال: ما هذا؟ فتلَكَّأت عليه - ضَعي ما معك، عليَّ كذا إن لم تُخْبِريني لأقْتُلَنَّك. فقالتْ: أشار إليّ عبد الله بقُبْلةٍ، فالْتفَت إليه، وإذا هو قد نزَل به من الحياء والرُّعب ما رحمه منه، فاعْتنَقه، وقال: أتُحِبُها؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين! فقال: قُمْ فاخْلُ بها في تلك القُبَّة. فقام ففعل، فقال له هارون: قُلْ في هذا شِعرا. فأنْشأ يقول: ظَبْيٌ كنَيْتُ بطَرْفِي … عن الضَّمير إليه قبَّلْتُه من بعيدٍ … فاعْتلَّ مِن شَفَتَيْه وردَّ أخْبَثَ رَدٍّ … بالكَسْرِ من حاجِبَيْه فما بَرِحْتُ مَكانِي … حتى قَدَرْتُ عَلَيْه وعن ابن أبي دُواد، أنه قال: دخل رجلٌ من الخَوارج على المأمون، فقال: ما حَمَلَك على خِلافِنا؟ قال: آية في كتاب الله تعالى. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. فقال له المأمون: ألك علمٌ بأنَّها مُنَزَّلةٌ؟ قال: نعم. قال: وما دليلك؟ قال: إجْماعُ الأمة. قال: فكما رَضيتَ بإجمْاعِهم في التَنْزيل، فارْضَ بإجماعهم في التأويل. قال: صدَقْتَ يا أمير المؤمنين! وكان المأمون يقول: غَلَبةُ الحُجَّة أحبُّ إلىَّ من غلبة القُّدرة؛ لأنَّ غلبة القدرة تزولُ بزَوالها، وغلبةَ الحُجَة لا يُزيلُها شيءٌ. ومن مَكارِم أخْلاقه: ما حكاه يحيى بن أكْتَم، قال: بِتُّ ليلةً عند المأمون، فعَطِشْتُ في جَوْف الليل، فقمْتُ لأشْربَ ماء، فرآني المأمون، فقال: مالك لست تَنامُ يا يحيى؟ قلتُ: يا أمير المؤمنين! أنا والله عَطْشان. قال: ارْجِع إلى مَوضعِك. فقام والله إلى البَرّادَة، فجاءنِي بكوز ماء، وقام على رأسي، فقال: اشربْ يا يحيى! فقلتُ: يا أمير المؤمنين! هلّا وَصيفٌ أو وَصيفةٌ يقومُ بذلك؟ فقال: إنَّهم نيامٌ. قلتُ: فأنا كنتُ أقومُ للشُّرب. فقال لي: لُؤْمٌ بالرجل أن يستَخْدِمَ ضَيْفَه. ثم قال: يا يحيى! فقلتُ: لبَّيْك يا أمير المؤمنين! قال: ألا أحَدِّثك؟ قلتُ: بلى يا أمير المؤمنين! قال: حدَّثني الرشيدُ، قال: حدَّثني المهْدِيُّ، قال: حدَّثني المنصور، عن أبيه، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: حدَّثني جَريرُ بن عبد الله، قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "سَيّدُ القَوْمِ خادِمُهم". وعن يحيى أيضًا: ما رأيتُ أكْرَمَ من المأمون، بِتُّ عندَه ليلةً، فعَطَش، وقد نِمْنا، فكَرِه أن يصيح بالغِلْمان، فأنْتَبَه وكنتُ مُنْتَبها، فرأيتُه قد قام يمشي قليلا قليلا إلى البرَّادة، وبينه وبينها بُعْدٌ، حتى شرِبَ، ورجَع. قال: يحيى: ثم بِتُّ عندَه ونحنُ بـ "الشام"، وما معي أحدٌ، فلم يَجِئْني النومُ، فأخذ المأمونَ سُعالٌ، فرأيتُه يسدُّ فاهُ بكُمِّ قميصِه كي لا أنْتَبِه، ثم حَمَلنِي آخرَ الليل النومُ، وكان له وقتٌ يقومُ فيه يسْتاكُ، فكَرِه أن يُنَبِّهنِي، فلمّا ضاق الوقت عليه تَحرَّكتُ، فقال: الله أكبر، يا غِلْمان، نَعْلُ أبي محمد. وقال يحيى أيضًا: كنتُ أمشي يوما مع المأمون في بُستان موسى، في مَيْدان البُسْتان، والشمسُ عليَّ، وهو في الظِّلِّ، فلمّا رجعنا قال لي: كُنِ الآن أنتَ في الظِّلِّ. فأبَيْتُ عليه، فقال: أوَّلُ العدلِ أن يَعْدِل الملِكُ في بِطانتِه، ثم الذين يلونهم، حتى يَبْلُغَ إلى الطبقة السُّفْلى. وعن عبد الله بن محمود المرْوَزِيّ، قال: سمعتُ يحيى بن أكْتَم القاضي يقول: ما رأيتُ أكْملَ آلةً من المأمون. وجعل يُحدِّث بأشياءَ اسْتَحْسنَها مَن كان في مجلسِه، ثم قال: كنتُ عندَه ليلةً أُذاكِرُه، ثم نام وانْتبَه، فقال: يا يحيى! انْظُرْ أيْش تحت رِجْلِي. فنظرتُ فلم أرَ شيئا، فقال: شَمْعةً. فتبادَر الفَرَّاشون، فقال: انْظروا. فنظروا، فإذا تحت فراشِه حَيَّةٌ بطُولِه، فقتلوها، فقلتُ: قد انْضافَ إلى كمال أمير المؤمنين علمُ الغيب. فقال: مَعاذَ الله، ولكن هَتَف بي هاتفٌ السَّاعة وأنا نائمٌ، فقال: يا راقد الليل انْتَبِه … إنّ الخُطوبَ لها سُرَى ثِقَةُ الفتى بزَمانِه … ثِقةٌ مُحَلَّلةُ العُرَى وعلمتُ أنَّه قد حدث أمْرٌ، إما قريبٌ، وإما بعيدٌ، فتأمَّلْتُ ما قَرُبَ، فكان ما رأيتَ. * * *
Parsing and provenance details
Local passage ID
1094003
Book record
shamela-819
Source record
1109042
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain