page 3690, entry [3035]Open original source
٢٥٤٦ - الشيخ الفاضل عبد الله بن محمد بن عطاء بن حسن بن عطاء بن جُبير بن جابر بن وُهَيْب الأذْرَعِيّ، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو محمد * * ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: وُلِد سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وسمع أبا حفص عمر بن طَبَرْزَد. وتفقَّه، وحدَّث، وأفتَى، ودرَّس، وناب في الحكم عن قاضي القضاة أحمد بن سَنِيِّ الدَّولَةِ الشَّافعِيّ، فلما جُددت القضاةُ الثلاثة في سنة أربع وستين وستمائة كان أوَّل من وَلِي القضاء بـ "دمشق" من الحنفية اسْتِقْلالا، ووصَل تقْلِيدُه بذلك، فقَبِلَ، وباشَر مُباشرةً تَلِيقُ به. قال في "الجواهر": جاء من "مصر" ثلاثة عُهود لثلاثة من القضاة؛ شمس الدين ابن عطاء، وشمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر الحَنْبَلِيّ، وزين الدين عبد السلام الزَّواوِيّ المالِكِيّ، وكان قاضي القُضاة شمسُ الدين ابن خَلِّكان إذ ذاك قاضيَ الشافعية، فلم يقْبَلِ المالِكِيُّ والحنبَليّ، وقبِل الحنَفيّ، فورَد المرْسومُ بإلْزامهما بذلك، وأخْذِ ما بأيْديهما من الأوقاف إن لم يفْعلا، فأجابا، ثم أصبح المالكِيّ وعزَل نفسَه عن القضاء والأوقاف، ثم ورَد الأمرُ بإلْزامِه، واسْتمرَّ الجميعُ، لكن امْتنع المالكِيّ والحنبليُّ من الجامْكِيَّة. وقال بعض الظُّرَفاء من أهل "دِمَشق"، لما رأى اجْتماع ثلاثة قُضاة كلُّ واحدٍ منهم لَقَبُه شمس الدين: أهلُ دِمَشْقَ اسْترابوا … مِن كثرة الحُكَّامِ إذ هم جميعا شُموسٌ … وحالُهم في ظلامِ وله أيضًا: بِدِمَشْقَ آية قد … ظَهَرَتْ للناس عاما كُلَّما وُلِّيَ شمسٌ … قاضيًا زادتْ ظَلاما وكان والدُ صاحب الترجمة محمد حَنْبَلِيّ المذهب، واشْتَغل ولدُه عبد الله في الفقه، على مذهب الإمام الأعظم، رَضِيَ الله تعالى عنه، وحَفِظَ "القُدوريِّ"، ولم يَزَلْ يَدْأَبُ ويُحَصِّلُ إلى أن صار مُشارًا إليه في مذهب الحنيفة، ووَلِيَ تَدْرِيسَ عِدَّة مَدارِسَ. قال اليُونِينِيّ: وكان القاضي شمس الدين من العلماء الأعْلام، تامَّ الفضيلة، وافرَ الدِّيانة، كريمَ الأخْلاق، حسَنَ العِشْرة، كثيرَ التَّواضُع، عَديمَ النَّظير، قليلَ الرَّغْبة في الدنيا، يقْنَعُ منها باليَسير، ولا يُحابِي أحدا في الحق، واشْتَغَل عليه خلقٌ كثير، وانْتفَع به جَمٌّ غَفيرٌ. انتهى. ولما وقَعَتِ الحَوْطَةُ على أمْلاكِ الناس في أيّام الملِك الظاهر، وأخْرَج فَتاوَى الحنفية باسْتِحْقاقها بحُكْم أنَّ "دمشقَ" فتحها عمرُ بن الخطَّاب، رضي الله تعالى عنه عَنْوةً، أراد السلطان من القاضي شمس الدين أن يَحْكُم له فيها بمُقْتَضى مَذْهَبِه، فقال للسُّلطان: هذه أمْلاكٌ بأيْدِي أرْبابِها، ولا يَحِلُّ لمسلم أن يتعرَّضَ لها، ثم نَهض من المجلس مُغْضبا، فانْحَرفَ السلطان من ذلك انْحِرافا شديدا، ثم سكَن، وصار بعدَ ذلك يُثْنِي على القاضي شمس الدين ويَمْدَحُه. أقول: هكذا يَنْبغي أن تكونَ القضاةُ في القيام مع الحقِ على الباطل، لا يَخافون سَطْوَةَ ظالم، ولا إقْدام جاهل، لا تأخُذُهم في الله لَوْمَة لائم، ولا يَصُدُّهم عن الحقِّ رَهْبةُ ظالم، لا كغالب قُضاة زَماننا الذين اتَّخذوا الحُكّامَ لهم آلهة، يَعْصون الله ويُطيعونهم، ويُغْضِبون الله ويُرْضونَهم، يَحْكمون بالهوَى، ويتَّبعون الأهْواء، يدورُ الحقُّ عندَهم مع الرِّشوة والجاه، ولا يَرْهبون ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. قال ابن كثير: كان ابنُ عطاء من العلماء الأخيار، كثيرَ التَّواضُع، قليلَ الرَّغْبة في الدنيا وروَى عنه ابنُ جماعة. انتهى. ولم يزلْ على القضاء إلى أن مات يوم الجمعة، تاسع جُمادَى الأولَى، سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ودُفِن بسَفْح "قاسِيون"، بالقُرْبِ من "المدرسة المعَظَّمِيَّة"، رحمه الله تعالى. قال النُّوَيْرِيُّ في "نهاية الأرب": ولما مات، عَزَل قاضي القضاة زينُ الدين الزَّوَاوِيُّ المالِكِيّ نفسَه عن القضاء حالَ دَفْنِه، فإنَّه أخذ بيَدِه من تُراب القبر وحَثاهُ عليه، وقال: والله لا حَكَمْتُ بعدَك؛ فإنَّ لك أربعين سنة تَحْكُمُ، ثم هذه مآلُك. وعزَلَ نفسَه عن الحُكْم، وبَقِيَ نائبُه القاضي جمال الدين يوسف الزَّواوِيُّ يحْكُمُ على حالِه، وفوَّض فضاء الحنفية بعدَه للقاضي عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر ابن العَديم. والله تعالى أعلم. * * *