page 3632, entry [3018]Open original source
٢٥٣٠ - الشيخ الفاضل عبد الله بن لعل محمد الموي الأعظم كرهي * أحد العلماء الصالحين. ولد بـ "مئو" سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف. قرأ الكتب الدرسية بعضها على الشيخ عناية الله الواعظ، والشيخ الكبير سخاوة علي العمري الجونبوري، وأكثرها على مولانا تراب علي، ومولانا عبد الحليم بن أمين الله اللكنوي. وأخذ الصناعة الطبّية عن غير واحد من الأطبّاء، أجلّهم الحكيم يعقوب اللكنوي، وسافر معه للحجّ والزيادة سنة أربع وثمانين، وسافر للحج مرّة ثانية سنة تسعين. وأخذ الحديث عن الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد العمري الدهلوي المهاجر، ثم رجع إلى "الهند"، وأقام ببلدة "نوانكر"، كان يدرّس ويفيد، ولما كبر سنّه رجع إلى بلدته، واعتزل عن الناس. توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف. * * * ٢٥٣١ - الإمام الهمام، شيخ الإسلام، عالم زمانه، أمير الاتقياء في وقته، أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم التركي، ثم المروزي، الحافظ، الغازي، أحد الأعلام عبد الله بن المبارك بن واضح الإمام المشهور، العَلَم المنْشور * الذي اتَّفقت الألْسُن على مدحه، والقلوب على حبِّه، ووقع الإجماع على أنَّه فريدُ عصرِه، ووحيدُ دهرِه، ونَسيجُ وَحْدِه، وواسِطة عِقْده. ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: ذكره أبو إسحاق الشِّيرازِيّ في أصحاب أبي حنيفة، ثم حمله الانْحِراف عن الإمام الأعظم وأصحابه، كما هو المشهور عنه، أنْ قال: ثم تركه، ورجع عن مذهبه (¬١). ولم يذكر لكلامه دليلا، ولا أتَى فيه بحُجّةٍ، ولا ذكَر إلى أيِّ مذهبٍ رجَع، إلى أيِّ طريق اتَّبع، وهل تفرّد بمذهب، وتمسّك بمَطْلب، وترك التقليد أصلا، واجْتهد كبقيَّة، أصحاب المذاهب المتَّبَعة أم لا، وحُسنُ رأي ابنِ المبارك في أبي حنيفة، ومَدْحُه له، وثَناؤه عليه، إلى أن توفّاه الله تعالى، كما هو مُسْتَفيضٌ عنه، ومَشْحونةٌ به الكتُب ومتفقِّهٌ عليه ألسُنُ الرُّواة، يدُلُّ على أنَّه لم يزلْ آخذا برأيه، مُصَوِّبا لأقوالِه، ذاهبا إلى مذهبه، رضي الله تعالى عنهما، وجمَع بينهما في دار كَرامته. ولا يُلْتَفتُ إلى ما يُلَفِّقه الخطيبُ البغداديُّ في "تاريخه"، من كلام يحْكِيه عن ابن المبارك، ينْسُبُه إليه، ويَرْويه عنه، مما يريد الخطيبُ أن يُشنِّع به على أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه؛ فإنَّ تعصُّبه معلوم، وبُغْضه غيرُ مَكْتوم، حتى إنّ بعضَ الأفاضل صنَّف في الرّدِّ عليه كتابا سمّاه، "السَّهم المصيب في كَبِد الخطيبُ". وحيث كان الأمر على ما ذكرْنا، والشأن على ما قرَّرنا، وجب أن نذْكُرَه في جملة الأصحاب، ونُجمِّل بنَشْر مَحاسِنه طَيّ هذا الكتاب، كما ذكَر جميعُ مَن صنَّف في تراجم الحنفية، وعَدُّوه [من] أئمَّتهم المرْضيَّة، فنقول وبالله التوفيق: ذكرَه الحافظ الذهَبِيّ في "طبقات الحفّاظ"، وقال في حَقِّه (¬٢): الإمام الحافظ، العلامة، شيخ الإسلام، فخر المدرِّسين، قُدْوةُ الزاهدِين، أبو عبد الرحمن الحَنْظَلِيّ مولاهم، التُّرْكِيّ الأب، الخُوارَزْمِيّ الأُم، التاجر السَّفّار، صاحب التصانيف النافعة، والرِّحلات الشاسعة. وُلِد سنة ثماني عشرة مائة، أو بعدَها بعام، وأفنَى عمره في الأسفار، حاجّا ومجاهدا، وتاجرا. سمع سليمان التَّيْمِي، عاصما الأحْول، وحُمَيدا الطَّويل، والربيعَ بن أنس، وهشام بنَ عُرْوَة، الجَرِيرِيّ، إسماعيل بن أبي خالد، وخالدا الحَذّاء، يَزيدَ بن عبد الله بن أبي بُرْدَة، وأمَما سواهم، حتى كتب عمَّن هو أصْغَرُ منه. دَوَّن العلمَ في الأبواب، وفي الغَزْو، والزهد، الرَقائق، غير ذلك. حدَّث عنه خَلْق لا يُحْصون من أهل الأقاليم، فإنَّه من صِباه ما فَتَر عن السَّفَر، منهم: عبد الرحمن بن مَهْدِيّ، ويحيى بن مَعين، وحِبّان بن موسى، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وأحمد بن مَنيع، أحمد بن حَنْبَل المرْوزِيّ، والحسن بن عيسى بن ماسرْجِس، والحُسين بن الحسن المرْوَزِيّ، والحسن بن عَرَفة. قال - أعنِي الذَهبي -: ووقَع لي من غيرِ وَجْهٍ عاليا، وبالإجازة بيني وبينه، سِتَّةُ أنْفُس، ووالله إنِّي لأُحِبُّه في الله، وأرجو الخيرَ بِحُّبه، لما مَنَحه الله من التقوى، والعبادة، والإخلاص، وسعة العلم، والإتقان، المواساة، والفُتُوَّة، والصِّفات الحميدة. انتهى. وعن ابن مَهْدِيّ: الأئمة أربعة: مالك، والثَّورِيّ، حَمّادُ بن زيد، وابنُ المبارك، وعنه أيضًا، أنَّه فضَّلَه على الثَّوْرِيِّ. وقال مرَّةً: حدَّثنا ابنُ المبارك، وكان نسيجَ وَحْدِه. وعن أحمد بن حنبل، رضي الله تعالى عنه: لم يكُن في زمن ابنِ المبارك أطْلَبَ منه للعلم. وعن شُعَيب حرب، قال: ما لَقِيَ ابنُ المبارك مثلَ نفسه. وعن شُعْبَة: ما قَدِمَ علينا مثلُ ابن المبارك. وقال أبو إسحاق الفَزَارِيّ: ابنُ المبارك إمامُ المسلمين. وعن ابن مَعين: كان ثِقَةً ثَبْتا، وكانتْ كتُبه التي حدَّث بها نحوا من عشرين ألف حديث. وعن يحيى بن آدم قال: كنتُ إذا طلبتُ الدَّقيق من المسائل، فلم أجِدْه في كُتُب ابن المبارك، أيِسْتُ منه. وعن إسماعيل بن عَيَّاش، قال: ما على وَجْه الأرض مثلُ ابن المبارك. وقال العبّاس بن مُصْعَب: جمَع ابنُ المبارك الحديث، والفقه، والعربية، وأيام الناس، والشجاعة، ومَحَبَّة الفِرق له. وقال شُعيب بن حرب: لو جَهِدْتُ جُهْدِي على أن يكونَ في السنة ثلاثةُ أيام على ما عليه ابنُ المبارك، لم أقْدِر. وقال أبو أسامة: هو أمير المؤمنين في الحديث. وقال الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس: اجتمع جماعةٌ من أصحاب ابن المبارك، فقالوا: عُدُّوا خِصالَ ابن المبارك. فقالوا: جمَع العلمَ، الفقهَ، والأدبَ، والنحوَ، واللغةَ، والزُّهدَ، والشجاعة، والشعر، الفصاحة، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسيَّة، وتَرْكَ الكلام فيما لا يَعْنيه، والإنصافَ وقِلَّةَ الخِلاف على أصحابه. وروَى العبّاس بن مُصْعب في "تاريخه" (¬١)، عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن المبارك، قال: تحمَّلتُ عن أربعة آلاف شيخ، فروَيْتُ عن ألفٍ منهم. ثم قال العبّاس: وقَع لي من شيوخه ثمانمائة. وعن علي بن الحسن بن شَقيق، قال: قُمْتُ مع ابن المبارك في ليلة باردة، ليَخْرُج من المسجد، فذاكَرني عند الباب بحديث، وذاكرْتُه، فما زال يُذاكِرُني حتى جاء المؤذِّن، فأذّن للفجر. وكان ابن المبارك من صِيانة العلم، وعدمِ ابْتذاله لأهل الدّوَل وأهلِ المناصب، ومَن ليس له بأهلٍ، على جانبٍ عظيم. ورُوِيَ أنَّ رجلا من بني هاشم جاء إليه يسْمعُ منه، فامْتنع ابنُ المبارك، فقال الهاشِمِيُّ لغُلامِه: قُمْ بنا. فلمّا أراد الرُّكوب، جاء ابن المبارك ليُمْسِك برِكابه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، لا تَرَى أن تُحدِّثني، وتُمْسِكَ برِكابِي؟ فقال: رأيتُ أن أُذِلَّ لك بدنِي، ولا أُذِلُّ لك الحديث. وعن الفُضيل بن عِياض، أنَّه قال، وهو بـ "مكة": وربِّ هذا البيتِ ما رأتْ عينايَ مثلَ ابن المبارك. وقال عبد الله بن سِنان: قدم ابنُ المبارك "مكة" وأنا بها، فلمّا خرَج شيَّعه سُفْيان بن عُيَيْنَة، والفُضَيْل بن عِياض، وودَّعاهُ، فقال أحدُهما: هذا فقيه أهل المشرق. وقال الآخر: وفقيه أهل المغرب. وقال نُعيم بن حَمّاد: كان ابنُ المبارك إذا قرأ كتاب "الزهد"، كأنَّه ثورٌ قد ذُبح، لا يقدرُ أن يتكلّم. وقال أبو عمر ابن عبد البَرّ: لا أعلم أحدا من الفقهاء سَلِم أن يُقال فيه شيء، إلا عبدَ الله بن المبارك (¬١). وذكر ابنُ عَساكر في "تاريخ دمشق" لعبد الله بن المبارك ترجمة واسعة، أحْبَبْتُ أن ألخِّص منها ما يكون فيه قدوةٌ لأهل العلم، وهادٍ لأهل الرَّشاد، وطريقٌ لأهل النّجاة، ومُبِينٌ لما كان عليه عبد الله من العلم والدين والورع وغير ذلك، وإن كان فيما ذكرناه كفاية، فإنَّ مثلَ أخبار عبد الله وأوصافه، لا يَمَلُّ سمَاعَها إلا مُبْتدع، عَمِيَتْ بَصيرته، ولم تخْلُصْ من الكَدَر سَريرته؛ فمِن ذلك ما رُوِي، أنّ عبد الله بن المبارك، رضي الله تعالى عنه، قال - وقد سُئل عن أول زُهدِه - إنِي كنتُ يوما في بُستان، وأنا شابٌّ، مع جماعة من أتْرابي، وذلك في وقت الفواكه، فأكلْنا وشربنا، وكنتُ مولَعًا بضَرْب العُود، فقمتُ في بعض الليل، وإذا غُصْنٌ يتحرَّك عند رأسي، فأخذتُ العودَ لأضرب، فإذا بالوعد ينطِق وهو يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (¬١)، قال: فضرَبْتُ بالعود الأرضَ فكسَرْتُه، وصرَفتُ ما عندي من جميع الأمور التي كنتُ عليها، مما يشْغَلُ عن الله تعالى، وجاء التوفيق من الله تعالى، فكان ما سهَّل لنا من الخير، بفَضْل الله ورحمته. وقال عبد الله: نظر أبو حنيفة إلى أبي، فقال: أدَّت أمُّه إليك الأمانة، وكان أشْبَه الناس بعبد الله. وقيل له: يا أبا عبد الرحمن، حتى متى تكتب الحديث؟ فقال: لعلَّ الكلمةَ التي أنتفع بها ما كتبتُها بعدُ. وفي رواية: لعلَّ الكلمة التي فيها نَجَاتِي لم أسمعْها بعدُ. وعن عيسى بن سَلَمة بن وصيف، قال: اجتمع ابن المبارك ووكِيعٌ عند شَريك، يكْتُبان عنه، وكان ابن المبارك إذا سَوَّد ورقتَه تَرَكها تجفُّ، وقام يَرْكَع، قال: وسمع ابنُ المبارك وَكيعا يُقدِّم عليّا على عثمان، فقال: يا أبا سفيان، إنك لَعَلى هذا، لا كلَّمتُك حتى ألْقَى الله ﷿. وعن سفيان بن سعيد، أنَّه كان يقول: أحْبَبْتُ أن أكون خمسَة أيام على وتيرةِ ابن المبارك، فلم أقْدِر عليه، وأربعة أيام، فلم أقْدرْ عليه، وثلاثة أيام، فلم أقْدر عليه، ويَوْمَين، فلم أقْدِر عليه. قال شُعيب بن حرب: وكنّا نأتِي ابنَ المبارك، فنَحْفَظُ عنه، ثم ننْظُر هل نستطيع أنْ نتعلَّق عليه بشيءٍ، فلا نقْدِر على شيء من ذلك. وعن عمران بن موسى الطَّرَسوسيِّ، قال: جاء رجل، فسأل سفيانَ الثَّوْرِيّ عن مسألةٍ، فقال له: مِن أينَ أنتَ؟ قال: من أهلِ المشرق. قال: أوَليس عندكم أعلمُ أهل المشرق؟ قال: ومَن هو يا أبا عبد الله؟ قال: عبد الله بن المبارك. قال: هو أعلمُ أهل المشرق؟ قال: نعم، وأهلِ المغرب. وعن عبد الرحمن ابن أبي جَميل، قال: كنا حولَ ابن المبارك بـ "مكّة"، فقُلنا له: يا عالمَ المشرق حدِّثنا، وسفيان قريب منا، فقال: وَيْحكم، عالم المشرق والمغرب وما بينهما. وعن سفيان بن عُيَيْنة، قال: نظرتُ في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك، فما رأيتُ لهم عليه فضلًا إلا بصُحْبَتهم النبيَّ ﷺ، وغَزْوهم معه. وعن أبي إسحاق الفَزَارِيّ، أنَّه كان يقول: ابنُ المبارك عندنا إمام المسلمين. وفي رواية عنه: إمام المسلمين أجمعين. وكان أبو إسحاق هذا يُجِلُّ ابنَ المبارك، يجلِسُ بين يديه، ويُسائله، ويسْتفيد منه، مع جَلالة أبي إسحاق، وعُلُوِّ قدره. وسأله رجل مرَّةً عن مسألة (¬١)، فقال: هل كتبتَ فيها إلى إمام المسلمين. يعني عبدَ الله بن المبارك. وكان ابنُ مَهْدِيّ يقول: كان ابن المبارك أعلمَ من سفيان الثَّورِيّ. وعنه أيضًا أنَّه قال: ما رأيتُ مثلَ ابن المبارك. فقال له يحيى بن سعيد القَطَّان: ولا سفيان ولا شُعْبة؟ قال: ولا سُفيان ولا شُعْبة، كان ابنُ المبارك عالما فقيها في علمه، حافظا، زاهدا عابدا، غنيَّا، حَجَّاجا، غَزَّاء، نحويّا، شاعرا، ما رأيتُ مثلَه. وعن عبد الله بن إدريس، كان يقول: كلُّ حديث لا يعرفُه ابن المبارك، فنحن منه بَرَاء. وعن ابن مَهْدِيّ، أنَّه كان يقول: ما رأتْ عينايَ مثلَ أربعة: ما رأيتُ أحفظَ للحديث من الثَّورِيِّ، ولا أشدَّ تقشُّفا من شعْبة، ولا أعْقلَ من مالك بن أنس، ولا أنْصحَ للأمَّة من عبد الله بن المبارك. وعن إسماعيل بن عَيّاش، قال: ما على وجه الأرض مثلُ عبد اللهِ بن المبارك، ولا أعلَم أنَّ الله ﷿ خلقَ خَصْلةً من خِصالِ الخير إلا وقد جعَلَها في عبد الله بن المبارك. ورُوِيَ عن عبد الله بن المبارك، أنَّه اسْتعار قلمًا بأرض "الشام"، ونَسِيَ أن يَرُدَّه إلى صاحبه، فلمَّا قَدِمَ "مَرْوَ"، رأى القلَم في أمْتعَته، فرجع إلى أرض "الشام" حتى رَدَّه إلى صاحبه. وهذا من نهاية الوَرَع، الذي مَزيدَ عليه، رحمه الله تعالى، ورضي تعالى عنه، فما كان أزْهَدَه وأتْقاه. وعن أبي وَهْب، أنَّه قال (¬١): مَرَّ ابن المبارك برجلٍ أعمَى، فقال له، أسْألك أن تَدْعُوَ الله أن يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي. قال: فدعا الله، فرَدَّ عليه بصرَه وأنا أنْظُرُ. وعن سُوَيْد بن سعيد، قال: رأيتُ عبد الله المبارك بـ "مكة" أتى "زَمْزَم"، فاسْتَقى منه شَرْبة، ثم اسْتقبل الكعبة فقال: اللّهم إن ابن الموَّال حدَّثنا، عن محمد بن المنْكَدِر، عن جابر، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أنَّه قال: "ماء زَمْزَمَ لما شُرِبَ له" (¬٢)، وهذا أشْربُه لعطَش القيامة. ثم شَرِبَه. وعن عبد الله بن سِنان، قال: كنتُ مع ابن المبارك، والمعْتَمِر بن سليمان، بـ "طَرَسُوسَ"، فصاح الناس: النَّفيرَ، النفير. قال: فخرج ابنُ المبارك والمعْتَمِر، وخرج الناس، فلما اصْطَفَّ المسلمون والعَدُوُّ، خرج عِلْجٌ من الروم يطلُب البِرازَ، فخرج إليه رجل مسلم، فشدَّ العِلْجُ على المسلم، فقتَلَ المسلم، حتى قتل سِتَّةً من المسلمين مُبارزة، فجعل يَتَبَخْتَرُ بين الصَّفين، يطلُب المبارزة، لا يخرج إليه أحدٌ، قال: فالتفَتَ إليَّ ابنُ المبارك فقال: يا عبدَ الله، إن حدث في حدثُ الموت، فافعلْ كذا وكذا. قال: وحرَّك دابَّته، وخرج العلْج، فعالَج معه ساعة، فقتل العِلْج، طلب المبارزة، فخرج عِلْج آخَر، فقتَله، حتى قتل سِتَّةً من العُلوج مُبارزة، طلب البِراز، فكأنهم كاعوا عنه، فضرَب دابَّته، نظَر بين الصَّفَّين، وغاب، فلم أشْعُرْ بشيء إلا وابن المبارك في الموضع الذي كان فيه، فقال لي: يا عبدَ الله لئن حدَّثتَ بهذا أحدا وأنا حَيُّ. وذكر كلمةً. قال فما حدَّثتُ به أحدا وهو حيٌّ. وعن محمد بن إبراهيم بن أبي سُكَيْنةَ، قال: أمْلَى علَيّ عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بـ "طَرَسوسَ"، وودَّعْتُه للخروج، وأنْفَذَها معي الفُضيل بن عِياض، في سنة سبعين ومائة، وفي رواية، سنة سبع وسبعين ومائة (¬١): يا عابدَ الحَرَمين لو أبْصَرْتَنا … لَعَلِمْتَ أنَّك في العبادة تَلْعَبُ مَن كان يخْضِبُ خَدَّهُ بدُموعِه … فنُحورُنا بدمائنا تتَخضَّب أو كان يبْعَثُ خَيْلَه في باطلٍ … فخُيُولنا يومَ الصَّبيحة تَتْعَب (¬٢) رِيحُ العَبير لكم ونحن عبيرنا … رَهَجُ السنابِكِ والغُبارُ الأطْيَبُ (¬٣) ولقد أتانا مِن مَقالِ نَبِيِّنا … قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكْذِبُ لا يستوي وغبار خيل الله في … أنف امرئ ودخان نار تلهب (¬٤) هذا كتابُ الله ينْطِقُ بيننا … ليس الشهيد بمَيِّتٍ لا يكْذبُ قال: فلقيتُ الفُضَيل بن عِياض في المسجد الحرام بكتابِه، فلمّا قرأه ذَرَفتْ عَيْناه، ثم قال: صدَق أبو عبد الرحمن. ونصحني، ثم قال: أنتَ ممن يكتُب الحديث؟ قلتُ: نعم يا أبا علي. قال: فاكْتُبْ هذا الحديث كِراءَ حَمْلِك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا. وأملَى عليَّ الفُضيل: حدَّثنا منصور بن المعْتَمِر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله ﷺ، عَلِّمنِي عملا أنالُ به ثَوابَ المجاهدين في سبيل الله. فقال النبي ﷺ، "هل تَسْتَطيع أن تُصَلِّيَ فلا تَفْتُرَ، وتَصومَ فلا تُفْطِرَ؟ " فقال يا رسول الله ﷺ، أنا أضعفُ مِن أن أستطيع ذلك. ثم قال النبي ﷺ: "فَوَالذي نَفْسِي بيَدِه، لو طوَّقْتَ ذلك، ما بَلَغْتَ فَضْلَ المجاهِدين في سبيل الله، أما عَلِمْتَ أن فرس المجاهد لَيَسْتَنُّ في طِوَلِه، فتُكْتَبُ بذلك الحَسَناتُ" (¬١). وعن عمر بن حفص الصُّوفِيّ، قال: خرج ابن المبارك من "بغداد"، يُريد "المصِّيصَةَ"، فصَحِبَه الصُّوفِيَّة، فقال: أنتم لكم أنْفُسٌ تحْتشمون أن يَنْفَق عليكم، يا غُلام، هات الطَّشتَ، فألْقى على الطَّشْتِ مِنْديلا، ثم قال: يُلْقِي كلُّ رجل منكم تحت المنْديل ما معه، قال: فجعل الرجل يُلْقِي عشرةَ دراهم، والرجل يُلْقِي عشرين درهمًا، فأنْفَق عليهم إلى "المصِّيصَة"، فلمّا بلغَ "المصِّيْصَة"، قال: هذه بلادُ نَفير، فقَسم ما بَقِي، فجعل يُعْطِي الرجلَ عشرين دينارا، فيقول: يا أبا عبد الرحمن، إنَّما أعْطَيْتُ عشرين درهمًا، فيقول: وما تُنْكِرُ إنَّ الله ﵎ يبارِك للغازِي في نَفَقته. وعن سَلَمَة بن سليمان، قال (¬٢): جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك، فسأله أن يقْضِيَ دَيْنا عليه، فكتبَ له إلى وكيلٍ له، فلمَّا ورَد عليه الكتاب، قال له الوكيل: كم الدين الذي سألتَ فيه عبدَ الله أن يقْضيه؟ قال: سبعمائة درهم. قال: فكتب إلى عبد الله: إن هذا الرجل سألك أن تقضيَ عنه سبعمائة درهم، وكتبتَ إلىَّ سبعة آلاف درهم، وقد فَنِيَتْ الغَلَّات. فكتبَ إليه عبد الله: إن كانت الغَلّات قد فَنِيَتْ، فإنَّ العمر أيضًا قد فَنِيَ، فأجْر له ما سبق به قلمِي له. وفي رواية آخرى، أنَّه كتب إلى الوكيل في جواب كتابه: إذا أتاك كتابي هذا وقرأتَه، وفهمتَ ما ذكرتُ فيه، فادْفَعْ إلى صاحب الكتاب أربعة عشر ألفا. فكتب إليه: إن كان على الفِعْل نَفْعَلُ، ما أسْرعَ ما نَبيع الضَّيْعة. فكتب إليه عبد الله، إنْ كنتَ وكيلِي فأنْفِذْ ما آمُرُك به، وإن كنتُ أنا وكيلك فتعالَ إلى موضِعِي حتى أصيرَ إلى مَوْضِعِك، فأنْفِذُ ما تأمُرُني به. وعن محمد بن عيسى، قال (¬١): كان عبد الله بن المبارك كثيرَ الاخْتلاف إلى "طَرَسوسَ"، وكان ينزلُ "الرَّقَّةَ" في خان، فكان شابٌّ يخْتَلِف إليه، ويقوم بحَوائِجه، ويسمع منه الحديث، قال: فقدِمَ عبد الله "الرَّقَّة" مرّة، فلم يرَ ذلك الشاب، وكان مُسْتَعْجلا، فخرج في النَّفير، فلما قفَل من غَزْوته، ورجع إلى "الرَّقَّة"، سأل عن الشاب، قال: فقالوا: إنَّه محبوس لدَينٍ رَكِبَه. قال فقال عبد الله: وكم مَبْلَغُ دَيْنِه؟ قالوا عشرةُ آلاف درهم، فلم يزلْ يسْتَقْصِي حتى دُلَّ على صاحب المال، فدَعا به ليلا، ووزَن له عشرة آلاف درهم، وحلَّفه أن لا يُخْبِرَ أحدا ما دام عبد الله حيّا، وقال: إذا أصْبَحْتَ فأخْرِج الرجل من الحَبْس. وأدْلَجَ عبدُ الله، فأُخْرِج الفتى، فقيل له: عبد الله بن المبارك كان ها هنا، وكان يذْكُرُك، وقد خرج، فخرج الفتى في إثْرِه، فَلَحِقه على مَرْحَلَتين أو ثلاثة من"الرَّقَّة"، فقال: يا فتى أين كنتَ، لم أرَك في الخان. قال: نعم يا أبا عبد الرحمن، كنتُ محبوسا لدَيْنٍ علَيّ. قال: فكيف كان سببُ خلاصِك؟ فقال: جاء رجل، فقضى دَيْنِي، ولم أعْلَم به حتى خرجتُ من الحبس. فقال له عبد الله: يا فتى، احْمَدِ الله على ما وفَّق لك من قضاء دَيْنِك. فلم يُخْبِر ذلكْ الرجلُ أحدًا إلا بعد موت عبد الله. وعن عثمان بن سعيد، أنَّه قال (¬١): سمعتُ نُعيمَ بن حَمّاد، يقول: كان ابنُ المبارك يكْثِرُ الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تسْتَوْحِشُ؟ فقال: كيف أسْتَوْحِشُ وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه. يعني النَّظَرَ في الحديث. وعن أبي نُعيم، أنَّه قال: كان ابن المبارك يتَّجِرُ، ويقْدِمُ كلَّ سنة "مكة"، فيبْعثُ بالصّرر إلى أربابها، كفُضيل بن عِياض، ابن عُيَيْنة، وابن عُلَيَّة وغيرهم، فقَدِم سنة "مكة"، فوجد ابنَ عُلَيَّة قد وَلِيَ الصّدقات لهارون الرشيد، فبعث بالصُّرر إلى أربابها، ولم يَبْعث إلى ابن عُلَيَّة شيئًا، وكان يُعْطِيه في كلِّ سنة خمسمائة درهم، فركب ابنُ عُلَيَّة إليه، فسلَّم عليه، فلم يرفعْ له رأسا، ولم يكلِّمه، فكتبَ إليه: أسعدك الله بطاعته، وتولاك بحفظه، وحاطك بحياطته، قد كنت منتظر البر والصلة منك، لأتبرَّك بها، وجئتُك مسلما، فلم تُكلِّمْني، فأيّ شيء بدا منِّي، فعرِّفْنِي حتى أعْتَذِرَ منه. فلما قرأها ابنُ المبارك، قال: يأبى هذا الرجل إلا أنْ أقْشِرَ له العصا. وكتب إليه رحمه الله تعالى (¬٢). يا جاعلَ العلم له بازيًا … يصيدُ أمْوالَ المسكين (¬٣) احْتَلْت للدُّنيا ولذّاتها … بحِيلةٍ تذهب بالدين فصِرْتَ مَجْنونا بها بعدَما … كنتَ دَواءٍ للمَجانِينِ أينَ رِواياتُك في سردها … عن ابن عون وابن سيرين أين أحاديثك والقولُ في … لُزومِ أبوابِ السلاطينِ (¬١) إن قلتَ أكْرِهْتُ فما كان ذا … زَلَّ حمارُ العلم في الطِّين (¬٢) فلمَّا قرأ الأبيات بكَى، ودخل على هارون، فاسْتعْفاهُ، فقال: لعلَّك التقيْتَ بالمرْوَزِيِّ؟ فقال له: ارْحَمْ شَيْبِي. فأقالَه، فبَعث إليه ابنُ المبارك برَسْنه. وعن الأصْمعِيّ، قال: سمعتُ ابن المبارك يقول: إنَّه لَيُعْجبُنِي من القُرَّاء كلَّ طَلْقٍ مِضْحاك، فأمّا مَن تلْقاه بالبشر ويلْقاك بالعُبوس، كأنَّه يَمُنُّ عليك بعمله، فلا أكْثَر الله في القُّرَّاء مثله. وسُئِل ابنُ المبارك: مَن أحسنُ الناس حالا؟ قال: مَن انْقطَع إلى الله ﷿. وكان يقول مَن بَخِلَ بالعلم ابْتُلِيَ بثلاث: إما يموت، فيذهبَ علمُه، أو ينْسَى أو يَتَّبعَ السُّلطان. وكان يقول: لأنْ أخرَّ من السماء، أحبُّ إلىَّ من أن أُدَلِّسَ حديثا. وذُكِر عندَه رجلٌ مِمَّن كان يُدَلِّس، فقال فيه قولا شديدا، وأنْشَدَ فيه (¬٣): دَلَّسَ للناس أحاديثه … والله لا يقْبَلُ تَدْليسا وعنه أنَّه قال: مَن اسْتَخَفَّ بالعلماء ذهبتْ آخِرتُه، ومن اسْتخَفَّ بالأمراء ذهبتْ دنياه، ومن اسْتَخفَّ بالإخوان ذهَبت مُروْءتُه. وعن محمد بن حُمَيد، قال: عَطِسَ رجلٌ عند ابن المبارك. قال: فقال له ابن المبارك: أيْش يقول الرجل إذا عَطِس؟ قال: يقول: الحمد لله. قال: فقال له ابن المبارك: يرْحَمُك الله. قال: فعجِبْنا كلُّنا من حُسْنِ أدبِه. وكان يقول لأصحاب الحديث: أنتم إلى قليل من الأدب أحْوَجُ منكم إلى كثير من العلم. وسُمع يُخاطبُ نفسَه، فيقول: يا ابنَ المبارك، إذا عرفتَ نفْسَك، لم يَضرُّك ما قيل فيك. وعنه أنَّه قال: خَصْلَتان مَن كانتا فيه نَجا: الصِّدْق، وحُبُّ أصحاب رسول الله محمد ﷺ. ومِن شعرِ ابن المبارك، رحمه الله تعالى (¬١): إنِي امْرُؤُ ليس في دِيني لغامِزَةٍ … لِينٌ ولستُ على الإسلام طَعَّانا شُغْلِي بقومٍ مَضَوْا كانوا لنا سَلَفا … وللرَّسولِ مع العِرفانِ أعْوانا فما الدُّخول عليهم في الذي عَمِلوا … بالطَّعْن منِّي وقد فرَّطْتُ عِصْيانا فلا أسُبُّ أبا بكر ولا عُمَرا … ولا أسُبُّ مَعاذَ الله عُثمانا ولا ابنَ عمِّ رسول الله أشْتُمه … حتى أُلَبَّسَ تحت التُّرْبِ أكْفانا ولا الزُّبَيْرَ حَواريَّ الرَّسول ولا … أهْدِي لِطَلْحةَ شَتْما عَزَّ أو هانا ولا أقولُ عليّ في السَّحاب إذا … قد قلتُ والله ظلما ثُمَّ عُدْوانا ولا أقول بقَوْلِ الجَهْم إنَّ له … قولا يُضارعُ أهْلَ الشِّرْكِ أحْيانا ولا أقولُ تخلى من خليقته … رب العباد وولى الأمر شيطانا ما قال فِرْعَوْنُ هذا في تَجَبُّره … فِرعونُ موسى ولا هامانُ طُغيانا (¬٢) لكنْ على مِلَّة الإسلام ليس لنا … اسْمٌ سِواهُ بذاك الله سمّانا إنَّ الجماعة حَبْلُ الله ما اعْتَصَموا … بها من العُرْوَة الوُثْقَى لمن دَانا ومن نَظْمه أيضًا، وأظُنُّه من النظم الذي قبلَه، قولهُ: إنِّي أُحِبُّ عليّا حُبُّ مُقْتَصِدٍ … ولا أرى دونَه في الفضلِ عثمانا أمّا عليَّ فقد كانت له قَدَمٌ … في السّابقين بها في الناس قد بانا وكان عثمانُ ذا صِدْقٍ وذا وَرَعٍ … بَرًّا حَيِيًّا جَزاه الله غُفْرانا ما كان والله من قلبِي مُشايَعَةٌ … للمُبْغِضين عليًّا وابنَ عَفَّانا لأمْنحَنَّهمُ بُغْضِي عَلانِيَةً … ولستُ أكْتُمه في الصَّدْر كِتْمانا ولا أرَى حُرْمةً يومًا لمبْتَدِعٍ … وَهْنا يكون له مِنِّي وإدْهانا وعن بعضِهم قال: سُئِل ابنُ المبارك: ما خيرُ ما أُعْطِيَ الإنسان؟ قال: غَزِيرُ عقل. قيل: فإن لم يكُن، قال: أدَبٌّ حسَن. قيل: فإن لم يكُن. قال: أخٌ صالح يسْتشيرُه. قيل: فإن لم يكُن، قال: صَمْتٌ طويل. قيل: فإن لم يكُن. قال مَوْتٌ عاجل. وعن الحسن بن عيسى، قال: سمعتُ عبد الله بن المبارك، رضي الله تعالى عنه يقول (¬١): اغْتَنِمْ رَكْعتين زُلْفَى إلى اللـ … ـــه إذا كنتَ فارغا مُسْترِيحا وإذا ما هَمَمْتَ بالزُّورِ والبا … طلِ فاجْعَلْ مكانَهْ تسْبيحا (¬٢) فاغْتِنامُ السُّكوتِ أفْضلُ للمَرْ .... ءِ وإن كان بالكلامِ فَصيحا (¬٣) وعن عبد السلام بن صالح، قال: سمع ابنُ المبارك رجلًا يتكلَّم بما لا يعْنِيه، فقال (¬٤): تعاهَدْ لسانَك إنَّ اللسانَ … سريعٌ إلى المرءِ في قَتْلِه (¬٥) وهذا اللسانُ بَريدُ الفؤادِ … يدُلُّ الرجالَ على عَقْلِه (¬١) وعن محمد بن إدريس الحَنْظَلِيّ، قال: قال عبد الله بن المبارك (¬٢): أدَّبْتُ نفسِي فما وجدتُ لها … من بَعْدِ تَقْوَى الله من أدَبِ (¬٣) في كلُّ حالاتِها وإن قَصُرَتْ … أفضلَ مِن صَمْتِها عن الكذب (¬٤) وغِيتَة الناس إنّ غِيْبَتَهم … حَرَّمها ذو الجلال في الكُتُب إن كان مِن فِضَّةٍ كلامُك يا … نَفْسُ فإنَّ السُّكوتَ مِن ذَهَبِ وعن أبي أمَيَّة الأسْود، أنَّه قال: سمعتُ عبد الله بن المبارك، يقول: أُحِبُّ الصالحين ولستُ منهم، وأبْغِصُ الطّالحين وأنا شَرٌّ منهم. ثم أنْشأ (¬٥): الصَّمْتُ زَيْنٌ بالفتَى … من مَنْطقٍ في غيرِ حِيْنِهْ (¬٦) والصِّدْقُ أجْمَلُ بالفتَى … في القولِ عنْدِى مِن يَمِينِه وعلى الفتى بوَقارِه … سِمَةٌ تلوحُ على جَبِينِه مَنْ ذا الذي يَخْفَى عليْـ .... ــكَ إذا نَظَرْتَ إلى قَرِينهْ رُبَّ امْرِيّ مُتَيَقِّنٍ … غلَب الشَّقاءُ على يَقينه فأزالَه عن رأيه … فابْتاعَ دُنْياهُ بدِينِهْ انتهى. قلتُ: ومِمّا يُنْسَب إلى الإمام الشافعِيّ، رضي الله تعالى عنه، من النظم قولُه: أحِبُّ الصالحين ولستُ منهم … ولكنِّي أرُومُ بهم شَفاعَهْ وأكْرَهُ مَن بِضاعتُه المعاصي … ولكنِّي شَريكٌ في البِضاعهْ فكأنَّه أخذه من قول عبد الله بن المبارك المتقدِّم آنفا. وكان ابن المبارك يقول: سَخاءُ النفى عمَّا في أيْدي الناس أكبرُ من سخاء النفس بالبذل، والقَناعةُ والرِّضا أكْبرُ من مُروءةِ الإعطاء. وكان يُنْشِد: ما ذاقَ طَعْمَ الغِنَى مَنْ لا قُنُوع له … ولن تَرَى قانعا ما عاشَ مُفْتَقِرا والعرُفُ مَن يأتِه يحْمَدْ عَواقِبَهُ … ما ضاع عُرْفٌ وإن أوْليْتَه حجَرا ومن شعره أيضًا قوله: لا تَضْرَعَنَّ لمخلوقٍ على طمَعٍ … فإنّ ذاك مُضِرُّ منك بالدِّينِ واسْتَرْزِقِ اللهَ مما في خَزائِنِه … فإنّما هي بين الكاف والنون ألا تَرَى كلَّ مَن تَرْجو وتأمُلُه … مِن البَرِيَّة مسْكينَ بنَ مسكين ومنه قوله (¬١): كلْ من الجاوَرْسِ والرُّزِّ … ومِن خُبْزِ الشَّعيرِ (¬٢) واجْعَلَنْ ذاك حَلالا … تَنْجُ من نارِ السَّعيرِ والْتَمِسْ رزقك من ذي … العرش والرب القدير وارض يا وَيْحَك من دُنْـ … ـياكَ بالقُوتِ اليسيرِ إنَّها دارُ بلاءٍ … وزَوالٍ وغرورِ كم لَعَمْرِى صرَعَتْ قَبْـ … لك أصحابَ القُصورِ (¬٣) وذَوى الهَيْئةِ في المجـ … ـلسِ والجمع الكثيرِ أُخْرِجوا منها فما كا … ن لَدَيْهم من نَكيرِ كم ببَطْنِ الأرضِ ثاوٍ … من شريفٍ ووزيرِ وصغيرِ الشأنِ عبدٍ … خاملِ الذِّكْر حقيرِ لو تصفَّحْتَ قبورَ الْـ … ـقومِ في يومٍ بَصيرِ (¬١) لم تُمَيِّزْهم ولم تعْـ … ـرِفُ غَنِيَّا من فقيرِ خَمَدوا فالقومُ صَرْعَى … تحت أطْباقِ الصُّخورِ (¬٢) اسْتَوَوا عند مَلِيكٍ … بمَساوِيهم خبيرِ حَكَمٍ يَعْدِلُ لا يظْـ … ـلِمُ مِقْدارَ النَّقيرِ ومن شعره أيضًا، رضي الله تعالى عنه (¬٣): يا عائبَ الفقرِ ألا تَعْتَبِرْ … عَيْبَ الغِنَى أكبَر لو تَعْتَبِرْ (¬٤) من شَرَفِ الفقرِ ومن فضلِه … على الغِنَى إن صحَّ منك النَّظرْ أنَّك تَعْصَى لِتَنالَ الغِنَى … ولستَ تَعْصَى الله كي تفْتَقِرْ وعن الفُضيلِ بن عِياض، قال: سُئِل عبد الله بن المبارك: مَنِ الناس؟ قال: العُلماء. قيل: فمن الملوك؟ قال: الزُّهّاد. قيل: فما السِّفْلة؟ قال: الذي يأكلُ بدينه. وفي رواية أخرَى عن الحسن بن عيسي، قيل له: فمَن الغَوْغاء؟ قال: خُزَيْمة بن خازِم وأصحابه، قيل: فما الدَّنِيّ؟ قال: الذي يذكُر غلاءَ السِّعْر عند الضيفِ. وكان ابن المبارك يتمثَّل بقول بعضِهم (¬٥): ركوبُ الذُّنوبِ يُميتُ القلوبَ … وقدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها (¬٦) وتَرْكُ الذنوبِ حياة القلوبِ … وخيرٌ لنفسك عِصْيانُها (¬١) وكان يتمثَّلُ أيضًا بقول الآخر: وكيف تُحِبُّ أنْ تُدْعَى حكيمًا … وأنتَ لكلِّ ما تَهْوَى رَكوبُ وتضحك دائبا ظهرا لبطن … وتذكر ما عملت ولا تتوب وسُمِع على سور "طَرَسوسَ" يقول هذين البيتين (¬٢): ومن البَلاء وللبلاء عَلامةٌ … أن لا يُرَى لك عن هَواك نُزُوعُ العبدُ عبدُ النَّفْسِ في شَهواتها … والحُرُّ يشْبَعُ مَرَّةً ويجوع وأنشد الحسن بن إبراهيم البَجَلِيُّ لابن المبارك قولَه: تَعْصَى الإله وأنتَ تُظْهِرُ حُبَّه … هذا مِحالٌ في الفِعالِ بَديعُ لو كان حُبُّك صادقا لأطَعْتَه … إن المحِبَّ لمن يُحِبُّ مُطيعُ والذي يغْلِبُ على الظَّنِّ، أنَّ هذين البيتين أخَوَا البيتين اللذين قبلَهما. ورُوِيَ أنَّ بعضَ أصحابه أراد أن يُسافِر إلى "مكة"، فقال له: أما تُوصِينا، أما تُقوِّينا؟ فقال: له عبد الله: إذا صاحَبْتَ في الأسْفارِ قوما … فكُن لهُم كذِي الرَّحِمِ الشَّفيق بِعَيْب النفس ذا بَصَرٍ وعِلْمٍ … غَبِيِّ النفس عن عَيْبِ الرَّفيق ولا تأخُذْ بِعَثْرة كلِّ يوم … ولكنْ قل هَلُمَّ إلى الطريق فإن تأخذْ بعَثْرتِهم يَقِلُّوا … وتَبْقَى في الزمان بلا صَديقِ وقال بعضُهم: سمعتُ عبد الله بن المبارك يُنْشِدُ: أعْداء غَيْبٍ أُخُوةُ التَّلاقِي … يا سُوءَنا من هذه الأخلاق كأنَّما اشْتُقَّتْ من النّفاقِ … في إخْوان العَلانِيَة وأعْداء السَّريرة. وعن المسيِّب بن واضح، قال: سمعتُ عبد الله بن المبارك يقول: حَفَروا بـ "خُراسان" حَفيرا، فوجدوا رأس إنسان، فوزنوا سِنَّا من أسْنانِه، فإذا فيه سبعةُ أساتِير (¬١). وفي رواية أخرَى، عن محمد بن أعْيَن، حمل أبو جَميل سِنِّيْن من خارج حِصْنِ "مَرْوَ" إلى عبد الله بن المبارك، فوضَعهما عبد الله بين يديه، ودعا بالميزان، فوزَنهما أو وزَن أحدَهما، فإذا فيه مَنَوان وزيادةٌ في كلِّ سِنٍّ، فوضعَه عبد الله، وقال فيه شعرا (¬٢): أتِيتُ بسِنَّيْن قد رَمَّتا … من الحِصْن لما أثاروا الدَّفينا على وَزْنِ مَنَّيْن إحداهما … يُقِلُّ به الكفُّ شيئا رَزِينا (¬٣) ثلاثين أخرَى على قَدْرِها … تباركْتَ يا أحسنَ الخالقِينا (¬٤) فماذا يقوم لأفْواهِها … وما كان يَمْلأُ تلك البُطونا إذا ما تذكَّرتُ أجْسامَهم … تقاصَرْتُ بالنفسِ حتى تَهونا (¬٥) وكلُّ على ذاك لاقَى الرَّدَى … فبادوا جميعا فهم خامِدونا ومن شعر عبد الله أيضًا قوله: أيا ربِّ يا ذا العَرْشِ أنتَ رحيمُ … وأنتَ بما تُخْفِي الصّدورُ عليمُ فيا ربِّ هبْ لي منك حِلْما فإنَّنِي … أرَى الحِلْمَ لم ينْدَمْ عليه حليمُ ويا ربِّ هَبْ لي منك عَزْما على التُّقَى … أُقيمُ به في الناس حيث أُقيمُ ألا إنَّ تَقْوَى الله أكْرَمُ نِسْبَةٍ … يُسامِي بها عند الفخارِ كريمُ إذا أنتَ نافَسْتَ الرجالَ على التُّقَى … خرجْتَ من الدنيا وأنت سليمُ أراك امْرءًا ترجُو من الله عَفْوَهُ … وأنتَ على ما لا يُحِبُّ مُقيمُ وإنَّ امْرءًا لا تَرْتَجِي الناسُ عَفْوه … ولم يأمَنوا منه الأذَى لَلَئيمُ وعن عمر بن عقْبَة، عن ابن المبارك، أنَّه كان يقولُ في دعائه: اللهم إنِّي أسألُك الشهادة في غير جَهْدِ بَليَّة، ولا تَبْديلِ نِيَّة. وقد رُوِيَ أنَّ الله تعالى قد مَنَّ عليه بإجابة دَعْوَتِه، فأماتَه شهيدا غريبا في غير تُرْبتِه، من غير جَهْدٍ في الشهادة، ولا تَبْديلِ في الإرادة. وعن الحسن بن عيسى، قال: لما حضرت ابنَ المبارك الوفاةُ: قال لنصر مَوْلاه: اجعل رأسَى على التُّراب. قال: فبكَى نصر، فقال له: ما يُبْكِيكَ؟ قال: أذْكُرُ ما كنتَ فيه من النَّعيم، وأنتَ هو تموتُ فقيرا غريبا. فقال له: اسْكُتْ، فإنِّي سألتُ الله ﵎ أن يُحيِيَنِي حياةَ الأغنياء، وأنْ يُمِيتَنِي مِيتَةَ القراء. ثم قال: لَقِّنِّي، ولا تُعِدْ عليَّ إلا أن أتكلَّم بكلامٍ ثانٍ. ورُوِيَ أنّه لما حضرته الوفاة، جعل رجلٌ يُلَقِّنُه: قُلْ لا إله إلا الله. فأكْثَر عليه، فقال: إنَّك ليس تُحْسِنُ، أخاف أن تُؤْذِيَ بها رجلًا مسلما بعدِي، إذا لَقَّنْتَنِي فقُل: لا إله إلا الله. ثم إن لم أُحْدِث كلاما بعدَها فدَعْنِي، فماذا أحْدَثْتُ كلاما بعدَها، فلَقِّنِّي حتى تكونَ آخرَ كلامِي. وعن أبي القاسم القُشَيْرِيّ، أنَّه قال: قيل فتَح عبدُ الله بن المبارك عيْنَيْه عندَ الوفاة فضحك، وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (¬١). ورُوِيَ أن رُؤْيَ على قبر عبد الله بن المبارك مكتوبٌ: الموت بحرٌ مَوْجُه غالبٌ … تذْهَلُ فيه حِيَلُ السّابحِ لا يَصْحَبُ المرءَ إلى قبره .. غيرُ التقي والعمل الصّالحِ ولما مات ابنُ المبارك، وبلغ موتُه الرَّشيدَ، جلس للعَزاء، وأمر الأعيان أن يُعَزُّوه فيه، وعُدَّ ذلك من مَحاسن الرشيد. ورُوِيَ عنْ أبي حاتم الفَرَبْرِيّ، أنَّه كان يقول: رأيتُ عبدَ الله بن المبارك في المنام، واقفا على باب الجنة، بيدِه مفتاحٌ، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن، ما يُوقِفُك ههنا؟ قال: هذا مفتاح باب الجنة، دفعه إليَّ محمد ﷺ، وقال: حتى أزورَ الرَّبَّ ﷾، فكُنْ أمِيْنِي في السماء، كما كنتَ أمِينِي في الأرض. وفي "تاريخ العَيْنِيّ" عن علي بن الحسن بن شَقيق، أنَّه قال: توجَّه ابنُ المبارك من "مَرْوَ" إلى "الكُوفة" للحجِّ، فخرج ثم رجع بعد ذلك عن قريبٍ، فسألتُه عن سببِ رجُوعِه، فقال: خرجتُ إلى موقِف "الكوفة"، وفي كُمِّي خمسمائة دينارُ، لأشْتَرِيَ به جِمالا، فرأيتُ امرأةً تُسارِقُ الناسَ من بعيدٍ، وتتقدَّم إلى مَزْبلةٍ هناك، عليها بَطَّةٌ ميِّتةٌ، تُريدُ أن تأخذَها، فإذا نَظَر إليها أحدٌ أمْسَكَتْ، فغَفِلَ الناسُ عنها، فأخذَتْها وأنا أسارِقُها النظرَ، فتَبِعْتُها وقلتُ لها: تأكُلِين الميْتَة! فقالت: يا أبا عبد الله، ألا تَسْألنِي؟ قال: فوقَع كلامُها في قلبِي، فألْحَحْتُ عليها، فقالتْ: قد أحْوَجْتَنِي إلى هَتْكِ سِتْرِي، وكشف سِرِّي، أنا امرأة شريفة، مات زوجِي، وترك أربعةَ بناتٍ يتامى، وليس يسْتُرنا إلا الحِيطان، ولنا أربعة أيام ما أكلْنا شيئًا، فخرجتُ أتسبّبُ لهن في شيء، فلم أجِدْ غيرَ هذه البطَّة، فأخذتُها لأُصْلِحَها، وأحملها إلى بناتِي، فيأكُلْنَها. فقلتُ: افْتَحِي حِجْرَك. ففتَحَتْه، فصبَبْتُ الدَّنانيرَ فيه، ونزعَ الله من قلبي شَهْوةَ الحجِّ في تلك السنة، وعُدْتُ إلى بلدِي، وأقمتُ حتى عاد الناس عن الحجِّ، فخرجتُ أتلَقَّاهم، فجعلتُ كلَّ مَنْ أقولُ له: قَبِلَ الله حَجَّك. يقول: وأنتَ قَبِلَ الله حَجَّك. وأكْثَرَ علَيَّ الناس، وبِتُّ متعجِّبا، فرأيتُ رسول الله ﷺ في المنام، فقال لي: يا ابنَ المبارك، لا تَعْجَبْ، فإنَّك أغَثْتَ مَلْهوفةً من وَلَدِي، فسألتُ الله أن يخْلُقَ على صُورَتك مَلَكا يَحُجُّ عنك إلى يوم القيامة، وهو يَحُجُّ عنك، فإن شِئْتَ أن تَحُجَّ وإن شئت أن لا تحُجَّ. ورُوِيَ عن محمد بن فَضْل بن عِياض، أنَّه قال: رأيتُ عبد الله بن المبارك في المنام، فقلتُ أيُّ العمل، وفي رواية: أيُّ الأعمال وجَدْتَ أفضلَ؟ قال: الأمرُ الذي كنتُ في. قلتُ: الرِّباط والجِهاد؟ قال: نعم. قلتُ: فأيُّ شيء صُنِع بك؟ وفي رواية: صَنَع بك رَبُّك؟ قال غفر لي مغفرةً تَتْبَعها مغفرةٌ. وفي رواية: ما بعدَها مغفرةٌ، وكلَّمَتْنِي امرأةٌ من أهل الجنة وامرأة من الحور العِين. ورُوِيَ أنَّ بعضَ الصُّلحاء رأى في منامه، كأنَّ غَمامةً على السماء مكتوبا عليها سَطْرٌ: من أراد النَّجاةَ، فعليه بكُتُب عبد الله بن المبارك. وفي "تهذيب الأسماء واللُغات" (¬١)، للإمام النَّوَوِيّ، في ترجمة ابن المبارك، وروينا عن عَبْثَر (¬٢) بن القاسم، قال: لما قَدِمَ هارون الرَّشيد "الرَّقَّة"، أشْرَفتْ أمُّ ولدٍ له من قصرٍ، فرأتِ الغَبَرَةَ قَد ارْتَفَعتْ، البغالَ قد تقطَّعت، وانجَفَل الناس، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من"خُراسان"، يقال له ابنُ المبارك. قالت: هذا والله الملْكُ، لا مُلْكُ هارون الذي لا يجْتَمعُ له الناس إلا بالسَّوْطِ والخُشُب. قال عَمَّار بن الحسن يَمْدَحُ ابنَ المبارك، رضي الله تعالى عنه (¬٣): إذا سار عبدُ الله من مَرْوَ ليلةً … فقدْ سار منها نُورُها وجَمالُها إذا ذُكِرَ الأخْيارُ من كلِّ بلدة … فهم أنْجُمٌ فيها وأنتَ هِلالُها (¬٤) وكان ابنُ المبارك كثيرًا ما يتمثَّل بهذين البيتين (¬١): إذا صاحَبْتَ فاصْحَبْ ماجِدًا … ذا حَياءٍ وعَفافٍ وكَرَمْ (¬٢) قولُه للشَّيءِ لا إن قلتَ لا … وإذا قلتَ نعم قال نعمْ وأمّا رواياتُ عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة في الفقه وغيره فكثيرةٌ جدًّا؛ منها: أنه قال: سألتُ أبا حنيفة، رضي الله تعالى عنه، عن الرجل يبْعَثُ بزكاة مالِه من بلدٍ إلى بلد آخر، فقال: لا بأس بأن يَبْعثَها من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، لِذِي قَرَابَتِه. وقال ابنُ وَهْبٍ: سُئِل عبدُ الله بن المبارك عن أكْلِ لحم العَقْعَق (¬٣)، فقال: كَرِهَه أبو حنيفة. وسُئِل عن وقتِ عِشاء الآخِرة، فذكر عن أبي حنيفة: حتى يُصْبِحَ. قال: وقال عبد الله بن المبارك: كان أبو حنيفة يقول: قَدِمَ أيُّوب بن أبي تَمِيمَة السَّخْتِيَانِيُّ، وأنا بـ "المدينة"، فقلتُ: لأنْظُرَنَّ ما يَصْنَعُ، فجعل ظَهْرَه مما يَلِيَ القِبْلةَ، ووَجْهَه مما يَلِيَ وَجْهَ رسول الله ﷺ، وبَكَى غيرَ مُتَبَاكٍ، فقام مَقامَ رَجُلٍ فَقيه. ومن كلام ابن المبارك: إذا غلَبتْ مَحاسِنُ الرجلِ لم نَذكُرِ المساوِي، وإذا غلَبتِ المساوِي على المحاسِن لم نَذْكُرِ المحاسِنَ. وكان يقول: عِتْقُ الجارية الحسناء مَضْيَعَةٌ. وسُئِلَ عن العُجْبِ ما هو؟ فقال: أن تَرَى عندك شيئًا ليس عندَ غيرِك. وسُئِلَ عن الكِبْر، فقال: أن تَزْدَرِيَ الناسَ. وسُئِلَ عن التَّواضُعِ، فقال: التَّكَبُّر على الأغنياء. فأخذ هذا المعنى شاعرٌ، فنظَمه، وقال: لم ألْقَ مُسْتَغْنِيًا إلا تحرَّك لي … عندَ اللِّقاء له الكِبْرُ الذي فيه ولا حَلالي من الدنيا ولَذَّتِها … إلا مقابلَتِي للتِّيه بالتِّيهِ وقال أحمدُ بنُ عبد الله بن يونس: سمعتُ ابنَ المبارك قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: مَنْ زعَم أنَّ هذا مخلوقٌ فقد كفَر بالله العظيم. وكان وفاةُ ابنِ المبارك - كما قالَه الذّهَبِيّ - بِـ "هِيتَ"، في رمضان، سنة إحدَى وثمانين ومائة، رحمه الله تعالى. ومَحاسِنُ ابن المبارك ومَناقِبُه وفضائلُه لا تدخُل تحتَ الحَصْر، وفيما ذكَرناه منها مَقْنَعٌ، ونحن نسألُ الله تعالى، ونتوسَّلُ إليه بنبيِّه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وبأبيه إبراهيم الخليل ﵊، وأولاده السّادة الأكْرمين، وجميع الأنبياء والمرسلين، وبعيد الله بن المبارك، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أن يتوفَّانا على الإسلام، وأن يُدْخِلَنا في شفاعةِ سيِّد الأنام، وأن لا يُعسِّر علينا مُرادا، وأن لا يَرُدَّ بخَيْبَة الحِرْمان لنا مُرْتادا، إنَّه جَواد كريم، رءوف رحيم، لا يُخَيِّبُ مَن سأله، ولا يَرُدُّ مَنْ قصدَه، آمين. * * *