Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

٢٤٢٠ - الشيخ الفاضل عباد بن العباس بن عباد بن أحمد بن إدريس، أبو الحسن

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 3501, entry [2904]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 3501, entry [2904]Open original source
٢٤٢٠ - الشيخ الفاضل عَبّاد بن العبّاس بن عبَّاد بن أحمد بن إدريس، أبو الحسن * ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو والدُ الصاحب إسماعيل بن عبّاد، الوزير المشهور، والقلم المنْشور، والجواد المشْكور. كان عبَّاد وزيرا لمؤيّد الدَّولة الحسن بن بُوَيْه. حدَّه عن محمد بن حِبَّان المازِنِيّ، ومحمد بن يحيى المرْوَزِيّ، وأبي خليفة. وعنه أبو الشَّيخ، وأبو بكر ابن المقْرِي، وولده إسماعيل. ومن جُمْلة روايات ولده عنه، أنَّه قال: قال رجُلٌ لأبي: أنتَ على مذهب أبي حنيفة، ولا تشربُ النَّبيذ؟ قال: تركته لله إجْلالا، وللناس جَمالا. وذكره ياقوتُ في "معجم البلدان"، في مَن يُنْسَب إلى" الطَّالِقان"، فقال: سمع أبا خَليفَةَ الفضلَ بن الحُباب، والبَغْدادِيِّين في طبقته. قال أبو الفضل: ورأيتُ في دار كتب ابنه أبي القاسم بن عبّاد بالرَّيِّ "كتابا في أحكام القرآن"، ينْصُر فيه مذهبَ الاعْتزال، اسْتَحْسَنه كلُّ مَن رآه. روَى عنه أبو بكر بن مَرْدويَه، والأصبهانيُّون، وابنه الصاحب أبو القاسم. روَى هو عن البَغْدادِيّين والرّازِيِّين. [ووُلد سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة. ومات سنة خمس وثمانين وثلاثمائة] (¬١). انتهى. قلتُ: والذي يَغْلِبُ على الظنّ، وتشْهَد به العادة، من أنَّ الخَلَف يكون على مذهب السَّلَف، أنَّ ولدَه أبا القاسم إسماعيل بن عبّاد المذكور، كان على مذهب أبيه في الفقه، كما كان على مذهبه في الاعتزال، فأحْبَبْتُ أن أذكرَه هنا، وأشرَحَ أحوالَه على سبيل الاختِصار، وأجْعلَ ذلك كالذَّيل لترجمة والدِه، فإن كان حنفيًّا، فنكون قد سلِمْنا من التَّقْصير في إغْفالِه، وإن كان غيرَ ذلك فالولدُ سِرّ أبيه، وهو من جملة مَحاسِنه أو مَساوِيه، فلا نكون خرجْنا بذكرِه عن المقصود، ولا أتَيْنا بأجْنَبِيٍّ ليس بمَعْهود، فنقول: [إسماعيل بن عباد] هو الإمام العالم العلامة، البليغ المنْشئ، الذي طبَّق الآفاقَ ذكرُه، وملأ الخافِقَين حَمْدُه وشكرُه، وجمَّل كلُ أحدٍ من الأدباء بذكره تاريخَه وديوانه، وجعلوا أخبارَه زينَةَ المجالس، وبَهْجَة المجالِس، وسَلْوَة الحزين، ونُزْهة الطَّرْف. ذكره الحافظ السُّيوطِيّ في "طبقات النحاة"، ومن خَطِّه نقلتُ، فقال: وُلد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وأخذ الأدب عن ابن فارِس، وابن العَمِيد. وسمع من أبيه وجماعة. وكان نادرةَ عصرِه، وأعْجوبة دهره، في الفضائل والمكارم. حدَّث وقَعَد للإمْلاء، حضر الناسُ الكثير عنده، بحيث كان له سِتَّة مُسْتَمْلين. وكان في الغِّرَ إذا أراد المضِيِّ إلى المسجد ليقرأ، تُعْطيه والدته دينارا في كلّ يوم ودرهما، وتقول له: تصدّق بهذا على أوّل فقير تَلْقاه. فكان هذا دأبُه في شبابه إلى أن كَبِر، فصار يقول للفَرَّاش كلَّ ليلة: اطْرَح تحت المطَّرَح دينارا ودرهما، لئلا يَنْساه، فبَقِيَ على هذا مُدَّة، ثم إنَّ الفَرَّاش نَسِيَ ليلةً من الليالي أن يطْرح له الدرهم والدينار، فانْتَبَه وصلَّى، وقلَّب المطَّرحَ ليأخذ الدِّرهم والدينار ففقدهما، فتَطيَّر من ذلك، وظنَّ أنّه لقُرْب أجله، فقال للفرَّاشين: خذوا كلَّ ما هنا من الفراش، وأعْطوه لأوَّل فقير تلقونه، حتى يكونَ كفّارةً لتأخير هذا. فلَقَوْا أعْمًى هاشِميًّا يتَّكِئُ على يد امرأة، فقالوا: تَقْبَل هذا؟ فقال: ما هو؟ فقالوا: مُطَّرَحٌ وديباج، ومَخادُّ وديباج. فأُغْمِي عليه، فأعْلَمُوا الصاحب بأمره، فأحضره، ورَشَّ عليه ماء، فلمّا أفاق سأله، فقال: اسْألوا هذه المرآة إن لم تصدِّقونِي. فقال له: اشْرَح، فقال: أنا رجل شريف، ولي ابنةٌ من هذه المرأة، خطبها رجل، فزوَّجناه، ولي سنتين آخذ القَدْرَ الذي يفضُلُ عن قُوتنا واشْترِي به لها جِهازا، فلمّا كان البارحةَ قالتْ أمُّها: اشْتهَيْتُ لها مُطَّرح ديباج ومَخادَّ ديباج. فقلتُ من أين لي ذلك؟ وجرَى بيني وبينها خُصومة إلى أن سألتُها أن تأخذَ يدي، وتُخْرِجَني حتى أمْضِيَ على وجهي، فلمّا قال لي هولاء هذا الكلام، حُقَّ لي أن يُغْشَى عليَّ. فقال لا يكون الدِّيباج إلا مع ما يليق به. ثم اشترى له جهازا يليق بذلك المطَّرَح، وأحْضَر زَوْج الصَّبِيَّة، ودفع إليه بضاعة سَنِيَّة. وَلِيَ الصاحبُ الوَزارة ثمانية عشر سنة وشهرا، لمؤيَّد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيْه، وأخيه فخر الدولة، وهو أوَّل من سُمِّي الصاحب مِن الوزراء؛ لأنه صحب مُؤيَّد الدولة من الصِّبا، وسمّاه الصاحب، فغلب عليه هذا اللَّقَب، ولم يُعَظِّمْ وزيرا مَخدومُه، ما عظَّمه فخرُ الدولة، ولم يجتمعْ بحضرة أحدٍ من العلماء والشعراء والأكابر، ما اجْتَمَع بحضرته. وعنه أنَّه قال: مُدِحْتُ بمائة ألف قصيدة؛ عربية وفارسية، ما سرَّنِي شاعر كما سرَّني أبو سعيد الرُّسْتُمِيُّ الأصْبَهانِيّ بقوله: * وَرِثَ الوَزارةَ كابرا عن كابرِ* البَيْتين الآتيين في أثناء الترجمة. ولم يكن يقوم لأحد من الناس، ولا يُشِيرُ إلى القيام، ولا يطمع أحدٌ منه في ذلك كائنا مَن كان. وأمّا أبو حَيَّا التَّوْحِيدِيُّ، فإنّه أمْلَى في ذَمِّه وذمِّ ابن العَميد مُجلَّدة، سمّاها "ثَلْب الوزيرين" لنقص حَظٍّ نالَه منه، وعدَّه فيها قبائحَ له. وللصاحب من التصانيف "المحيط باللغة"، عشر مجلَّدات، و"رسائله"، و"الكشف عن مساوي المتنبي"، و"جوهرة الجمهرة"، "ديوان شعره"، وغير ذلك. وأرَّخ وفاته كما سيأتي، ثم قال: وأغْلِقَتْ له مدينة "الرَّيِّ"، واجْتمع الناس على باب قصرِه ينتظرون لجنازته، فلمّا خرج نعشُه، صاح الناس. وشُهرتُه تُغْنِي عن الإطناب. انتهى. وأحسَنُ ترجمةٍ وقفتُ له عليها، في كتاب "يتيمة الدَّهر" للثَّعالبِيِّ، فإنَّه رحمه الله تعالى، قد أجاد فيها، وأفاد، وبلَغ أقْصَى غايات المراد، وها أنا أُلَخِّص منها ترجمة مُخْتصرة، غيرَ مُخِلَّة بالمقصود، ويَقَرُّ بها الناظر، ويُسَرُّ بها الخاطر، فأقول، وبالله التوفيق: قال - أعني الثَّعالبي -: ليست تحْضُرني عبارة أرْضاها للإفصاح عن عُلُوِّ محلِّه في العلم والأدب، جلالة شأنه في العلوم والكَرَم، وتفَرُّده بغايات المحاسِن، وجَمْعِه أشْتات المفاخِر؛ لأنَّ هِمَّة قولي تنْخَفِض عن بُلوغ أدْنى فضائله ومَعاليه، وجُهْدَ وَصْفِي يقْصرُ عن أيْسَر فَواضله ومَساعِيه، ولكنِّي أقول: هو صَدْرُ المشرق، وتاريخ المجد، وغُرَّة الزمان، ويَنْبُوع العدل والإحسان، ومَن لا حَرَج في مَدْحه بكلِّ ما يُمْدَح به مخلوق، ولولاه ما قامتْ للفضل في دهرنا سوق، وكانتْ أيامه للعَلَوِيَّة والعُلماء والأدباء والشعراء، وحضرتُه مَحَطَّ رحالهم، وموسمَ فُضَلائهم، ومَنْزَعَ آمالهم، وأمْوالهُ مَصْروفةً إليهم، وصَنائعُه مقصورةً عليهم، وهِمَّته في مجدٍ يُشيِّده، وإنْعام يُجدِّده، وفاضلٍ يصْطَنِعه، وكلامٍ حسن يصنعُه أو يسمعه، ولما كان نادرةَ عُطارِد في البلاغة، وواسِطةَ عقْج الدَّهر في السَّماحة، جُلِب إليه من الآفاق وأقاصِي البلاد كلُّ خطاب جَزْل، وقولٍ فصْل، وصارتْ حضرته مَشْرَعا لروائع الكلام، بدائع الأفهام، وثمار الخَواطر، ومجلسُه مَجْمَعا لصَوب العقول، وذَوْب العلوم، ودُرَرِ القرائح، فبلغَ من البلاغة ما يُعَدُّ في السِّحر، ويكاد يدخلُ في حَدِّ الإعجاز، وسار كلامه مَسِيرَ الشمس ونَظَم ناحِيَتَيِ الشرق والغرب، واحْتفَّ به من نُجوم الأرض، وأفْراد العصر، وأبناء الفضل، وفُرْسان الشِّعر، مَن يُرْبِي عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقَصِّرون عنهم في الأخذ برقاب القوافي، ومَلَكَ رِقَّ المعاني، فإنَّه لم يجْتمِعْ بباب أحد من الخلفاء والملوك، مثلُ ما اجْتمع بباب الرشيد من قُحولة الشعراء المذكورين، كأبي نُواس، وأبي العَتاهية، والعَتّابِيّ، والنَّمرِيّ، ومُسلم بن الوليد، وأبي الشيص، ومَرْوان بن أبي حَفْصة، ومحمد ابن مُناذر، وجمعتْ حضرةُ الصاحب بـ "أصْبَهانَ" و"الرَّيِّ" و"جُرجان" مثلَ أبي الحسن السَّلامِيِّ، وأبي بكر الخُوارَزْمِي، وأبي طالب المأْمونِيِ، وأبي الحسن البَدِيهِيِّ، وأبي سعيد الرُّسْتُمِيّ، أبي القاسم الزَّعْفَرانِيّ، وأبي العباس الضَّبِّيِّ، وأبي الحسن بن عبد العزيز الجُرجانِيِّ، أبي القاسم بن أبي العلاء، وأبي محمد الخازن، وأبي هاشم العَلَوِيّ، وأبي الحسن الجَوْهَرِيِّ، وبني المنَجِّم، وابن بابَك، وابن القاشانِيِّ، وأبي الفضل الهَمَذانِيّ، وإسماعيل الشّاشِّيِّ، وأبي العلاء الأسَدِيِّ، وأبي الحسن الغُوَيْريِّ، وأبي دُلّف الخَزْرجِيّ، وأبي حفص الشَّهْرَزُورِيّ، وأبي مَعْمَر الإسماعيليِّ، أبي الفَيّاض الطَّبَرِيّ، وغيرهم ممن لم يبْلُغْنِي ذِكرُه، أو ذهب عني اسمُه. ومدحه مُكاتَبةً: ابنُ الموسَوِيِّ، وأبو إسحاق الصَّابِيُّ، ابنُ الحَجّاج، ابن سُكَّرةَ، ابن نُباتةَ وما أحْس وأصْدق قولَ الصاحب، يعني صاحبَ الترجمة (¬١): إنّ خيرَ المدّاح مَن مدحَتْه … شعراءُ البلاد في كلِّ نادِ وكان "أبو بكر الخُوارَزْمِيِّ يقول (¬١): إنّ مولانا الصاحب، نشأ من الوَزارة في حِجْرها، ودبَّ ودَرج في وَكْرِها، ورضَع أفاويقَ دَرِّها، ووَرِثها أباه، كما قال أبو سعيد الرُّسْتُمِيُّ: وَرِثَ الوَزارةَ كابرا عن كابرٍ … مَوْصولةَ الإسْناد بالإسْناد يَرْوِي عن العباس عَبّادٌ وَزا … رتَه وإسماعيلُ عن عبّاد قال: ولما ملَك فخرُ الدَّولة، واستَعْفَى الصاحبُ من الوزارة، قال له: لك في هذه الدَّولة من إرْثِ الوزارة، مالنا فيه من إرْث الإمارة، فسبيلُ كلِّ مِنّا أن يحتفظ بحَقِّه. وقال أبو عبد الله محمد بن حامد الحامِدِيِّ (¬٢): عَهْدِي بأبي محمد الخازِن ماثِلا بين يَدَيِ الصاحب، يُنْشده قصيدةً له فيه، أوَّلُها: هذا فؤادُك نُهْبَى بين أهْواء … وذلك رأيُك شُورَى بين آراء (¬٣) هَواك بين العيون النُّجْلِ مُقْتسم … داءٌ لعَمْرُك ما أبْلاهُ من داءِ لا تسْتَقِرُّ بأرضٍ أو تسيرُ إلى … أُخرَى بشَخْصٍ قريبٍ عَزْمُه ناءِ يوما بحَزْوَى ويوما بالعَقيق ويَوْ … ما باعُذَيْب ويوما بالخُلَيْصاءِ وتارةً تنْتَحِي نَجْدا وآوِنَةً … شِعْبَ الغُوَيْرِ ويوما قَصْرَ تَيْماءِ (¬٤) قال: فرأيتُ الصاحب مُقْبِلا عليه بمَجامِعه، حسنَ الإصْغاء إلى إنشادِه، مُستعِيدا أكْثَر أبياته، مُظهِرا من الإعجاب والاهْتزاز له ما يُعْجِبُ الحاضرين، فلمّا بلغ قولَه: أدْعَى بأسْماءَ نَبْزًا في قبائِلِها … كأنَّ أسْماءَ أضْحتْ بعضَ أسمائي أطْلَعْتُ شِعْرِي وألْقتْ شَعْرَها طَرَبا … فألَّفا بين إصْباحٍ وإمساءِ زحَف على دَسْتِه طربا. فلمّا بلَغ قولَه في المدح: لو أنّ سَحْبانَ بارَاه لأسْحبَه … على خَجابتِه أذْيالَ فأْفاءِ أرى الأقاليم قد ألْقَتْ مَقالِدَها … إليه مُسْتَبِقاتٍ أيَّ إلْقاءِ فساسَ سَبْعتَها منه بأرْبَعةٍ … أمرٍ ونَهْيٍ وتثْبِيتٍ وإمْضاءِ كذلك توحيدُه ألْوَى بأرْبعة … كُفْرٍ وجَبْرٍ وتِبيهٍ وإرْجاءِ جعل يُحرِّك رأسَه، يسْتَحْسِن ذلك، فلما أنْشدَ: نعم تجنَّب "لا" يومَ العطاء كما … تحنَّب ابنُ عَطاءٍ لَثْغةَ الرّاءِ اسْتعادَه وصفَّق بيدَيه. ولما خَتَمها بهذه الأبيات: أطْرِي وأُطْرِبُ بالأشعار أنْشِدُها … أحْسِنْ ببَهْجَة إطْرابِي وإطْرائي ومِن مَنائح مولانا مَدائِحُه … لأنّ مِن زَنْدِه قدْحِي وإيرائِي فخُذْ إليك ابنَ عَبّادٍ مُحبَّرَةً … لا البُحْتُرِيُّ يُدانِيها ولا الطّائِي قال: أحسنتَ أحسنتَ، والله أنت. وتناوَل النُسْخة، وتشاغَل بإعادة نظرها فيها، ثم أمر له بخِلَعٍ وحِمْلان وصِلَةٍ وافرة. ورُوِيَ عن الصاحب، أنَّه قال (¬١): حضرتُ مجلسَ ابن العَميد عَشِيَّةً من عَشايا (¬٢) شهر رمضان، وقد حضره الفقهاء والمتكلمون للمناظرة، وأنا ذاك في رَيْعان شبابي، فلمّا تَقَوَّض المجلس، وانْصرف القوم، وقد حَلَّ الإفْطار، أنْكَرْتُ ذلك فيما بينِي وبين نفسي، واسْتقْبَحْتُ إغْفالَهُ الأمرَ بتَفْطير الحاضرين، مع وُفورِ رياسته، واتِّسعِ حالِه، واعتقدتُ أن لا أُخِلَّ بما أخَلَّ به إذا قمتُ يوما مَقامه. فقال الناقل: فكان الصاحب لا يدخل عليه في شهر رمضان بعدَ العصر (¬٣) كائنا من كان، فيخرُج من داره إلا بعد الإفطار عنده، وكانت دارُه لا تخلو في كلِّ ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نَفْسٍ مُفْطِرةٍ فيها، وكانت صِلاتُه وصَدقاتُه وقُرُباتُه في هذا الشهر تبلُغ مَبْلغَ ما يُطلِق منها في جميع شهور السنة. وعن أبي منصور الدِّينَوَرِيِّ، أنَّه قال (¬١): أهْدَى العُمَيْرِيُّ قاضي "قَزْوِينَ". إلى الصاحب كُتبا، وكتب معها قولَه: العُمَيْرِيُّ عبدُ كافي الكُفاةِ … ومَنِ اعْتُدَّ في وُجوهِ القُضاةِ خدَم المجلسَ الرَّفيعَ بكُتْبٍ … مُفْعَماتٍ من حُسْنِها مُتْرَعاتِ فوقَّع تحت التيتين: قد قبِلْنا من الجميع كتابا … ورَدَدْنا لوَقْتِنا الباقياتِ (¬٢) لستُ أسْتَغْنِمُ الكبيرَ فطَبْعِي … قولُ خُذْ ليس مَذْهَبِي قولَ هاتِ (¬٣) وكتب إليه بعضُ العَلَوِيَّة (¬٤)، يُخْبِرُه بأنَّه رُزِق مولودا، ويسأله أن يُسَمِّيَه ويُكَنِّيه. فوقَّع في رُقْعَته: أسْعَدك الله بالفارس الجديد، والطالِع السَّعيد، فقد والله ملأ العينَ قُرّةً، والنفسَ مَسَرَّة مُسْتقِرَّة، والاسم عليَّ؛ ليُعْليَ الله ذِكْرَه، والكُنْية أبو الحسن، ليُحْسِنَ الله أمرَه، فإنِّي أرجو له فضلَ جَدِّه، وسعادَةَ جَدِّه، وقد بعَثْتُ لتَعْوِيذه دينارا مِن مائة مثقال، قصدْتُ في مَقْصِدَ الفال، رجاءَ أن يعيشَ مائة عام، ويخْلُصَ خَلاصَ الذَّهَب الإبرِيز من نُوَبِ الأنام، والسّلام. وعن أبي النصر العُتْبِيِّ، أنه قال (¬٥): كتب بعضُ أصحاب الصاحب رُقْعةً إليه في حاجة وفوقَّع فيها، ولما رُدَّتْ إليه لم يَرَ فيها تَوْقيعا، وقد تواترتِ الأخبار بوُقوعِ التَّوقيع فيها، فعَرضَها على أبي العباس الضَّبِّيِّ، فما زال يتصفَّحها حتى عَثَر بالتَّوقيع، وهو ألِفٌ واحدة، وكان في الرُّقْعَة: فإن رأي مولانا أن يُنْعِم بكذا فعَل. فأثْبَتَ الصاحب أمام "فَعَل" ألِفا، يعني "أفْعَلُ". وقال أبو نصر سَهْل بن المرْزُبان (¬١): كان الصاحب إذا شرِبَ ماءً بثَلْج، أنشدَ على أثَرِه: قَعْقَعةُ الثَّلجِ بماءٍ عَذْبِ … تَسْتخْرِجُ الحمدَ مِنَ أقْصَى القَلْبِ ثم يقول: اللهم جدِّد اللَّعْنَ على يزيد. وانْتَحَل (¬٢) أحدُ المتَشاعِرين شعرًا له، وبلَغه ذلك، فقال: بلَّغوه عنِّي: سَرَقْتُ شِعْرِي وغيرِي … يُضامُ فيه يُخْدَعْ فسوف أجْزِيكَ صَفْعا … يكُدُّ رأسا وأخْدُعْ فسارقُ المال يُقْطَعْ … وسارقُ الشِّعْرِ يُصْفَعْ فلمّا سمع المنْتَحِلُ ذلك، اتخذَ الليلَ جَمَلا، وهرَب من الرَّيِّ. وعن القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجُرْجانِيّ (¬٣)، أنه قال: إن الصاحب كان يَقْسِمُ لي من إقْباله وإكْرامِه بجُرجانَ، أكْثَرَ ممّا يتلَقَّانِي به في سائر البلاد، وقد اسْتَعْفَيْتُ يوما من فَرْط تَحَفِّيه بي، وتَواضُعِه لي، فأنْشَدنِي: أكْرِمْ أخاك بأرْضِ مَوْلِده … وأمِدَّه من فِعْلِك الحَسَن فالعِزُّ مطلوبٌ ومُلْتَمَسٌ … وأعَزُّه ما نِيلَ في الوطن ثم قال لي قد فَرَغتَ من هذا المعنى في العَيْنِيَّة. فقلتُ: لعلَّ مولانا يُريد قولي: وشيَّدْتُ مجدِي بين قومِي فلم أقُلْ … ألا ليتَ قَومِي يعلمون صَنِيعِي فقال: ما أردتُ غيره. والأصل فيه قول الله تعالى ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (¬١). وعن عَوْن الهَمَذانِيّ قال (¬٢): أُتِيَ الصاحب بغلامٍ مُثاقِفٍ، فلعب بين يدَيه، فاسْتحْسَن صُورتَه، وأُعْجِب بمُثاقفته، فقال لأصحابه: قولوا في وَصْفِه. فلم يصْنعوا شيئا، فقال الصاحب، رحمه الله تعالى: ومُثاقفٍ في غايةِ الحِذْقِ … فَاقَ حسانَ الغَرْبِ والشرقِ شبَّهْتُه والسَّيْفُ في كَفِّه … بالبدر إذ يلعبُ بالبَرْقِ ومن شِعْر الصاحب، ما أنْشَدَه أبو سعد بن دُوَسْت الفقيه، وهو (¬٣): كم نِعْمَةْ عندَك مَوْفورةٍ … لله فاشْكُرْ يا ابن عَبّادِ قُمْ فالْتَمِسْ زادَك وهْو التُّقَى … لن تسْلُك الطُّرْقَ بلا زادِ ولما أتَتِ الصاحبَ البِشارةُ بسِبْطه أبي الحسن عَبّاد بن علي الحسَنِيّ، أنْشأ يقول (¬٤): أحمْدُ اللهَ لِبُشْرَى … أقْبلَتْ عند العَشِيِّ إذْ حَبانِي اللهُ سِبْطا … هو سِبْطٌ للنَّبِيِّ مَرْحَبَا ثُمَّتَ أهْلا … بغُلامٍ هاشِمِيِّ نَبَويٍّ عَلَوِيٍّ … حَسَنِيٍّ صاحِبِيِّ ثم قال: الحمدُ لله حَمْدا دائما أبدا … إذ صار سِبْطُ رسول الله لي وَلَدا فقال أبو محمد الخازن قصيدةً على وَزْنِه ورَوِيِّه، أوَّلُها: بُشْرَى فقد أنْجَزَ الإقْبالُ ما وعَدا … وكوكبُ المجدِ في أفْقِ العُلا صَعِدا وقد تفرَّع في أرض الوَزارة عن … دَوْح الرِّسالة غُصْنٌ مُورِقٌ رَشَدا لله أيَّةُ شمسٍ للعُلا وَلَدتْ … نجْما وغابةِ عِزٍّ أطْلَعتْ أسَدَا وعُنْصُرِ من رسول الله واشَجَهُ … كريم عُنْصُرِ إسماعيلَ فاتَّحَدَا وبِضعَةٍ من أمير المؤمنين زَكَتْ … اصْلا وفَرْغا وصحَّتْ لُحْمَةً وسُدَى ومثلُ هذي السَّعادات القوِيَّة لا … يحوزُها غيرُه دامتْ له أبدا يا دَهْرَه حُقَّ أن تُزْهَى بمَوْلِده … فمِثْلُه منذ كان الدّهر ما وُلدا تعجَّبوا من هلال العيد يطْلُع في … شعبانَ أمرٌ عجيبٌ قطُّ ما عُهِدا فمِنْ مُوالٍ يُوالِي الحمدَ مُبْتَهِلا … ومُخْلِصٍ يسْتديمُ الشكرَ مُجْتهدا وكادت العادةُ الهَيْفاء من طرب … تُعْطِي مُبَشِّرَها الإرْهافَ والغَيَدَا فلا رَعَى الله نفسا لو تُسَرَّ بها … ولا وَقاها وغَشَّاها رداءً رَدَى وذي ضَغائِنَ طارتْ روحه شَفَقا … منه وطاحَتْ شَظايا نفسُه قَدَدا عِلْمًا بأن لحُسامَ الصاحِبِيّ غدا … مُجَرَّدا والشِّهابَ الفاطِمِيِّ بَدَا وأنَه أنْسَدَّ شِعْبٌ كان مُنْصَدِعا … به وأمْرَعَ شِعْبٌ كان مُخْتَضَدا (¬١) وأرْفَعُ المجْدِ أعْيانا وأسْمَعُه … مجدٌ يُناسِبُ فيه الوالدُ الوَلدَا فلْيَهْنإِ الصاحبَ المولودُ ولْتَرِدِ السُّ … ـعودُ تَجْلو عليه الفارسَ النَّجُدَا (¬٢) لم يَتَّخِذْ ولدا إلا مُبالغةً … في صِدْقِ تَوْحيدِ مَن لم يتَّخِذْ ولَدا قال الثّعالبيُّ: ما أشْرَف معنى هذا البيت وأبْدَعَه وأبْرَعه. وخذ إليك عَرُوسا بنْتَ لَيْلَتها … مِن خادمٍ مُخْلِصٍ وُدًّا ومُعْتَقَدا أهْدَيتُها عَفْوَ طَبْعِي وانْتَحَيْتُ بها … سِحْرا وإن كنتُ لم أنْفِثْ له عُقَدَا وازَنْتُ ما قلتَه شكرا لربِّك إذ … جاء المبَشِّرُ بيتا سارَ واطَّرَدَا الحمدُ لله حَمْدا دائما أبدا … إذ صار سِبْطُ رسول الله لي ولَدا وقال أبو الحسن الجَوهَرِيّ، في التهنئة أيضًا قصيدتَه التي منها (¬١): كافي الكُفاة بقَصْدٍ من صَرائِمِه … حامي الحُماة بحَصْدٍ من مَناصِلِه ما زال يخْطُبُ منه الدين مُجْتَهِدا … قُرْبَى يُوَطِّدُ مِن عَلْيا وَسائِلِه وكان بعدَ رسول الله كافِلَه … فصار جَدَّ بَنيه بعدَ كافِلِه هَلُمَّ للخبرِ المأثورِ مُسْنِدُه … في الطّالِقان فقرَّتْ عَينُ ناقلِه فذلك الكنزُ عَبّادٌ وقد وضَحتْ … عنه الإمامة في أولَى مَخائِلِه قال الثَّعالبيُّ: لما روَتِ الشِّيعةُ أن بالطّالِقان كنزا من وَلد فاطمة، يَمْلأُ الله به الأرض عدلا، كما مُلِئتْ جَوْرا، والصاحب من قرية الطَّالقان من قُرَى أصْبَهان، ورُزِقَ سِبْطا فاطِمِيًّا، تأوَّلوا له هذا الخَبَر، وأنا بريء من عُهْدَتِه. الصاحِبِيِّ نِجارا في مَطالعِه … والطّالِبِيُّ غِرارا في مَقاتِله يَهْنِي الوزيرَ ظُبًى في وَجْه صارِمه … من هاشمٍ وشبًا في حَدِّ عامِلِه وقال عبد الصمد (¬٢) بن بابَك قصيدةً، منها: كساكَ الصومُ أعْمارَ الليالي … وأعْقَبَك الغنيمةَ في المآبِ ولا زالتْ سُعودُك في خلودٍ … تُباري بالمدَى يومَ الحساب أتاك العِزُّ يسْحَب بُرْدَ تِيهٍ … على مَيْثاءَ حاليَةِ التُّراب (¬٣) ببدرٍ من بني الزَّهْراء سارٍ … تَعَرَّى عنه جِلْبابُ السَّحابِ تفرَّع في النُبُوَّة ثم ألْقَى … بضَبْعَيْه إلى خيرِ الصِّحابِ تلاقَتْ لابن عَبّاد فروعُ النُـ … ـبُوَّةِ والوَزارة في نِصابِ فلا تغْررْ برَقْدَتِه الليالي … ولا تشْحَذْ له الهِمَمَ النَّوابِي فمَن خضَعتْ له الأسْدُ الضَّوارِي … ترفَّع عن مُراوَغَة الذِّئابِ وكان الصاحب إذا ذكر عبّادا أنْشَد (¬١): يا رَبِّ لا تُخْلِنِي من صُنْعِك الحسنِ … يا ربِّ حُطْنِيَ في عَبّادٍ الحَسَنِي ولما فُطِم قال فيه: فُطِمْتُ أيا عَبّادُ يا ابنَ الفواطِمِ … فقال لك السّاداتُ من آل هاشمِ لئن فَطَمُوه عن رَضاعِ لِبانِه … لما فَطَموه عن رَضاع المكارمِ ولما أمْلَكَ عَبّادٌ بكريمة بعض أقرباء فخْر الدَّولة أبي الحسن، قال أبو إبراهيم إسماعيل ابن أحمد الشّاشِيُّ قصيدةً، منها (¬٢): المجدُ ما حَرَسَتْ أولاهُ أُخرَاهُ … والفخرُ ما الْتفَّ أقْصاه بأدْناه والسَّعْيُ اجْلَبَه للحَمْد أصْعبُه … والذِّكْرُ أعْلاه في الاسْماع أغلاهُ والفَرْع أذهَبُه في الجَوِّ أنْضَرُه … والأصلُ أرْسَخُه في الأرض أبْقاه اليومَ أنْجزتِ الآمال ما وعَدَتْ … وأدْرك المجد أقصَى ما تَمنَّاه اليومَ أسْفَرَ وَجْهُ الملْكِ مُبْتَسِما … وأقْبلَت ببَريدِ السَّعْد بُشْراهُ اليوم رُدَّتْ على الدنيا بَشاشَتُها … وأُرْضِيَ الملْكُ والإسلامُ واللهُ والملْكُ شُدَّتْ عُراهُ بالنُّبُوَّة فارْ … تَزَّتْ دعائمه واشْتدَّ رُكْناهُ (¬٣) وصار يُعْزَى بنوساسانَ في مُضَرٍ … صُنْعا من الله أسْداه فأسناهُ قد زُفَّ مَن جَدُّه كافي الكُفاة إلى … مَنْ خالُه مَلِكُ الدنيا شَهِنْشاهُ سِبْطان سَدَّى رسول الله سِلْكَهما … فألْحَمَ الله ما قد كان سَدّاه أولادُ أحمدَ رَيْحانُ الزمان وَموْ … لانا الوزيرُ مِن الرَّيْحانِ رَيَّانُ أولاد أحمدَ منه لا يُمَيِّزُهم … عنه وَلاءٌ ولا مالٌ ولا جاهُ متى ابْتَنَى واحدٌ منهم بواحدةٍ … فإنّها صافَحتْ يُمْناهُ يُسْراهُ ومن مُلَحِه وجَواهِره (¬١)، التي سارتْ مَسيرَ الأمثال، واستعْمَلها في مُكاتباتهم فحول الرجال، ما أخرجَه الأمير أبو الفضل عُبيد الله بن أحمد، في كتابه "مُلَح الخواطر"، وما أخرَجه غيرهُ مما ساقه صاحب "اليتيمة"، رحمه الله تعالى، فمنه قولُه: من اسْتماح البحرَ العَذْب، اسْتخرج اللُّؤْلُؤَ الرَّطْب. مَن طالتْ يدُه بالمواهب، امْتدَّت إليه ألْسِنة المطالب. مَن كفَر النِّعمة، اسْتَوْجَب النِّقْمَة. مَن نبَتَ لحمُه على الحرام، لم يَحْصُدهُ غيرُ الحُسام. مَن غرَّتْه أيامُ السَّلامة، حدَّثَتْه ألْسُنُ الندامة. مَن يَكُنِ الحَذّاءُ أباه، تجِدّ نَعْلاه. مَن لم يهُزَّه يَسير الإشارة، لم ينْفَعْه كثير العبارة. رُبَّ لَطائف أقوال، تَنوب عن وظائف أموال. الصدر يطْفَح بما جمَعَه، وكلُّ إناء مُؤَدٍّ ما أودِعَه. اللَّبيبُ تكفيه اللَّمْحة، وتُغْنيه اللَّحْظة عن اللَّفظة. الشمسُ ينْبو ثم يقْطَع. العلمُ بالتّذاكر، والجهل بالتّناكر. إذا تكرَّر الكلام على السمع، تكرَّر في القلب. الضَّمائر الصِّحاح، أبْلَغُ من الألْسِنَة الفصاح. الشيء يَحْسُنُ في إبّانه، كما أنَّ الثَّمر يُسْتطابُ في أوانه. الآمال مَمْدودة، والعَوارِي مَرْدودة. الذِّكْرَى ناجعة، وكما قال الله نافعة. مَتْنُ السَّيف لَيِّنٌ، ولكن حَدَّه خَشِن، ومَتْنُ الحَيَّة ألْيَن، ونابها أخْشَن. عَقْدُ المنَن في الرِّقاب، لا يُبْلَغُ إلا بركُوب الصِّعاب. بعض الحِلم مَذَلَّة، وبعض الاسْتِقامة مَزَلَّة. كتاب المرء عُنْوان عقله، بل عيار قدره، ولسان فضله، بل ميزان علمه إنجاز الوعد، من دلائل المجد. واعتراضُ المطْل، من أمارات البخل، تأخيرُ الإسْعاف، من قرائن الأخلاف. خيرُ البِرِّ ماضَفا وصفا، وشرُّه ما تأخر وتكدر. فراسة الكرم لا تبطي، وقيافة الشرف لا تُخْطِي. قد ينبح الكلب القمر، فيلقم النابح الحجر. كم متورِّط في عِثار، رجاء أن يُدْرك بثار. بعض الوعد كنَقْع الشراب، وبعضه كلمح السراب. قد يبلغُ الكلام، حيث تقصر السهام. ربما كان الإقرار بالقصور، أنطق من لسان الشكور. ربما كان الإمساك عن الإطالة، أو صح في الإبانة والدلالة. لكلّ أمرٍ أجل، ولكلّ وقتٍ رجل. إن نفع القول الجميل، وإلا نفع السيف الصقيل. شُجاعٌ ولا كعَمْرو، ومندوب ولا كصخر. لا يذهبنّ عليك تفاوت ما بين الشيوخ والأحداث، النّسور والبُغاة. كُفْران النعم، عنوان النقم. جحدُ الصنائع، داعية القوارع. تلقّى الإحسان بالجحود، تعريض النِّعم، عنوان النِّقم. جحدُ الصنائع، داعية القوارع. تلقِّي الإحسان بالجُحود، تعريض النعم للشرود. قد يقوى الضعيف، ويصحو النزيف. ويستقيم المائد، ويستيقظ الهاجد. للصدر نفْثُه إذا أُحْرِج، وللمرء بثه إذا أُحْوِج. ما كلّ أمرٍ يسْتجيبُ للمُراد، ويُطيع يدَ الارْتياد. قد يَصْلى البرِيُّ بالسقيم، ويؤخذُ البَرُّ بالأثيم. ما كلُّ طالب حقٍّ يُعْطاه، لا كلُّ شائم مُزْنٍ يسقاه. إن الأحداث لا رياضة لهم بتدبير الحوادث، إن السنين تُغيِّر السُّننُ. من ثقُلتْ عليه النِّعمة خفَّ وَزنه، ومن استمرَّت به العِزّة طال حُزْنه. أطِعْ سلطان النُّهى، دون شَيْطان الهوى. أخْبرني عن سُفْرتك، وعما حصل بها في سَفْرتك. وجدتُ حَرًّا يشبِه قلبَ الصَّبّ، ويُذيبُ دِماغَ الضّبِّ. أنوبُ فيه نُيابةَ الوكيل المكْتَرَى، بل الممْلوكِ المشْترَى. قد تحمَّلْتُ مع يَسير الفُرْقة، عظيم الحُرْقَة، ومع قليل البُعْد، كثيرَ الوَجْد. عليَّ أن أُمَلَّ، وقد قصدْتُ أن أُجَلَّ. وأُعَقَّ، وقد قصدْتُ أن أقضي الحق. مرحبا بزائرٍ لباسه حرير، وأنْفاسهُ عبير. زائر وجهه وَسيم، وريحه نَسيم، وفضله جَسيم. بُستان رَقَّ نَوْرُه النضيد، وراق ورقه النَّضير. فلان بين سُكْرَيِ الشباب والشراب. غُصٌ طَلْعه نضير، وليس له نظير. خَطٌّ أحْسَنُ من عَطَفات الأصْداع، بلاغة كالأمل آذَنَ بالبلاغ. فِقَرٌ كما جيدَتِ الرِّياض، وفُصولٌ كما تَغامَرَتِ المقَلُ المراض. ألْفاظٌ كما نوَّرت الأشجار، ومعانٍ كما تنفَّست الأسحار. نَثْرٌ كنَثْرِ الوَرْد، ونَظْمٌ كنَظْم العِقْد. كتابك رُقْيَة القلب السَّليم، وغُرَّة العَيش البهيم. كلامٌ يدخلُ على الأذُن بلا إذْن. فلان كريم مِلْءَ لباسه، مُوَفَّقٌ مَدَّ أنْفاسه. ذو جَدٍّ كعُلُوِّ الجَدِّ، وهَزْلٍ كحديقة الوَرد. عشرتُه ألْطف من نسيم الشمال، على أديم الماء الزُلال. وألْصق بالقلب، مِن علائق الحبِّ. شكرُه شكرُ الأسير لمن أطْلقَه، والممْلوكِ لمن أعْتَقَه. أُثْنِي عليه ثَناء العَطْشان الوارد، على الزُلال البارد. قلبٌ نَغِلٌ، وصدْر وغِلٌ. وعدُه بَرقٌ خُلَّب، ورَوَغان ثَعْلب. فلان يتعلق بأذْيال المعاذير، ويُحيلُ على ذُنوب المقادير. وقد ساق له الثَّعالِبِيُّ في "اليتيمة" فصولا كثيرة من الجِدِّ والهَزْل، والاسْتِدعاء إلى مجالس الأُنس والطَّرَب والعِتاب، وغير ذلك، فلا بأس بذكر شيء يسير منه؛ فمن ذلك رُقْعة مُداعَبةٍ، صورتها (¬١): خَبَرُ سيدي عندي، وإن كتَمه عنِّي، واسْتاثَر به دُوني، وقد عرَفتُ خبرَه البارحة في شُرْبه وأُنْسه، وغِناء الضيْفِ الطارق وعُرْسه. * وكان ما كان مما لَستُ أذْكُرُه (¬٢) * وجرى ما جرى مما لست أنْشُره، وأقول: إن مولاىَ امْتطَى الأشْهَب، فكيف وجد ظهره، وركبَ الطَّيّار، فكيف شاهد جَرْيه، وهل سَلِم على حُزُونَة الطريق، كيف تصرَّف أفي سَعَةٍ أم ضيق، وهل أفْرَدَ الحَجَّ أم تمتَّع بالعُمرة، وقال في الحَمْلة بالكَرَّة، ليتفضَّل بتَعْريفي الخبر فما ينفعه الإنكار، ولا يُغنِي عنه إلا الإقرار، وأرْجو أن يُساعدَنا الشيخ أبو مُرَّة (¬٣)، كما ساعَدَه مرَّة، فنُصلِّيَ للقِبْلة التي صلَّى إليها، ونتَمكَّنَ من الدرَجة التي خطَب عليها، هذا وله فضلُ السَّبْق إلى الميدان، الكثير الفُرْسان. وله من رُقْعة أخرى (¬١): قد انْفَرَدتَ يا سيدي بتلك انْفِرادَ من يحسَب مطلعَ الشمس من وَجْهها، ومَنْبِتَ الدُّرِّ من فَمِها، ومَلْقِطَ الوردِ من خدِّها، ومَنْبَع السِّحر من طَرْفها، وحِقاق العاجِ في ثَدْيها، ومَبادِي الليل في شَعْرها، ومَغْرِسَ الغُصْن في قَدِّها، ومَهِيلَ الرَّمل في رِدْفِها، وكَلّا فإنها شَوْهاء، وَرْهاء، خَرْقاء، خَلْقاء، كأنّ مُحَيَّاها أيامُ المصائب، وليالي النوائب، وكأنما فقد فيها الحبايب، وسوء العواقب، وكأنما وصْلها عَدَمُ الحياة، ومَوتُ الفُجاءة، وكأنما هَجْرُها قُوَّةُ المِنَّة وكأنما فَقْدُها ريحُ الجنة. وله من كتاب مُداعَبة أيضًا (¬٢): اللهَ اللهَ في أخيك، لا تُظْهِرَ كتابَه فيُحْكَم عليه بالماليخوليا، وبالتخاييل الفاسدة، فقد ذكر جالينوس، أن قوما يبلُغ بهم سوء التّخْييل، أن يُقَدِّروا أجسامهم زُجاجا، فيتَجنَّبوا مُلامسةَ الحيطان، وحكَى أن قوما يظنّون أنفسهم طيورا، فلا يغْتَذون إلا القَرْطم، والْحَظْ كتابي دَفْعةً، ثم مَزِّقه، فلا طائلَ فيه، ولا عائدةَ له، ولا فَرَج عنده. وعلى ذِكر الفَرَج، فقد كانت بهَمْدانَ شاعرةٌ مُجيدة، تُعْرَف بالحَنْظَلِيَّة، وخطَبها أبو عليِّ كاتبُ بكْر، فلمّا ألحَّ عليها وألْحف، كتبت إليه: أيْرُك أيْرٌ ما له … عند حِرِي هذا فَرَجْ فاصْرِفْه عن باب حِرِي … وادْخِلْه من حيث خَرَجْ هذه - والله - في هذين البيتين أشْعَرُ من كَبْشةَ أُمِّ عمرو، والخَنْساء أخْتِ صَخْر، ومن كَعوب الهُذَليّة، وليلي الأخْيليَّة. وله رُقْعة (¬٣) إلى القاضي أبي بشر الفضل بن محمد الجُرجانِيّ، عند وُروده بابَ الرَّيِّ، وافدا عليه، وهي: تحدَّثتِ الرِّكابُ بسَيْرِ أرْوَى … إلى بلدٍ حَطَطْتُ به خِيامِي فكِدْتُ أطيرُ من تَوقِي إليها … بقادِمَةٍ كقادمةِ الحَمامِ أفَحقٌّ ما قيل من أمر القادم، أم ظَنٌّ كأمانِيّ الحالم، لا والله، بل هو دَرْك العَنان، وإنه ونَيلُ المنَى سِيَّان، فمرْحبًا أيُّها القاضي براحِلَتِك ورَحْلِك، بل أهْلا بك وبكافَّة أهْلك، ويا سُرْعَة ما فاح نسيمُ مَسْراك، ووَجَدنا ريحَ يوسف من ريّاك، فحُثَّ المطِيِّ تَزُلْ غُلّتِي بسُقْياك، تُزَحْ عِلَّتِي بلُقْيك، ونُصَّ علي يوم الوُصول نَجْعَلْه عيدا مُشَرَّفا، ونتَّخِذْه مَوْسما ومُعَرَّفا، ورُدَّ الغُلام أسْرَع من رَجْع الكلام، فقد أمَرتُه أن يطيرَ على جَناح نَسْر، وأن يتركَ الصَّبا في عِقالِ أسْر، سقَى الله داراتٍ مَرَرتَ بأرْضِها … فأدَّتْك نَحْوِي يا زياد بن عامرِ أصائلُ قُرْبٍ أرْتَجِي أن أنالَها … بلُقْياك قد زَحْزَحْنَ حَرَّ الهواجر وله أيضًا رُقْعة (¬١)، في ذكر مُصْحَف أُهْدَى إليه، وهي: البِرُّ - أدام الله عَزَّ الشيخ - أنواع، تطول به أبواع [وتقصر عنه أبواع] (¬٢)، فان يكن فيها ما هو أكرم مَنْصِبا، أشْرَف مَنْسِبا؛ فتُحْفةُ الشيخ إذ أهْدَى ما لا تُشاكِلُه النِّعَم، ولا تُعادِلُه القيَم، كتاب الله وبيَانَه، وكلامَه وفُرقانَه، ووَحْيَه، وتنزيلَه، وهُداهُ وسَبيلَه، ومُعْجِزَ رسول الله ﷺ ودليله، طبع دون مُعارضيه علي الشِّفاه، وختم على الخَواطر والأفواه، فقصَّر عنه الثَّقَلان، وبَقِي ما بَقِيَ الملَوان، لائحٌ سِراجُه، واضحٌ مِنْهاجه، مُنيرٌ دليلُه، عَميقٌ تأويلُه يقْصِمُ كلَّ شيطان مَريد. ويُذِلُّ كلَّ جبّار عنيد، وفضائل القرآن، لا تُحصَى في ألْف قِران، فأصِفُ الحَظَّ الذي بهَر الطَّرْف، وفاق الوصف، وجمع صحَّةَ الأقسام، وزاد في نَخْوة الأقلام، بل أصِفُه بتَرْك الوصف، فأخبارُه آثارهُ، وعينُه فِرارُه، وحقًّا أقولُ: إنِّي لا أحسب أحدا ما خَلا الملوك جمع من المصاحف ما جمَعْتَ، وابْتَدع في اسْتِكْتابها ما ابْتَدَعَتْ، وإنّ هذا المصحف لَزائدٌ على جميعها، زيادةَ الغُّرَّة على القُرْحَة (¬١)، بل زيادة الحجِّ على العُمْرة. لقد أْدَيتَه عِلْقا نَفيسا وما يُهْدِي النَّفيس سِوى النَّفيسِ قال الثَّعالِبيُّ: ومَحاسنُ فخر الصاحب تسْتَغْرِق الدفاتر، وتسْتَنْزِف في الانتخاب منها الخَواطر، وليس يتَّسع هذا الكتاب لغيضٍ من فيضها، وقَطْرة من سَيْحها. ثم قال: هذا ما اخَتَرْتُه من مُلَح شعرِه في الغَزَلِ، وما يتعلَّق به، وأوْرَدَ منه شيئا كثيرا، منه قوله (¬٢): تسَحَّبْ ما أرَدْتَ على الصِّباح … فهم ليلٌ وأنتَ أخو الصَّباح لقد أوْلاك ربُّك كلَّ حُسْنٍ … وقد ولّاك مملكةَ الملاح وبعدُ فليس يحضرنِي شَراب … فأنْعَمُ من رُضابك لي بِراح وليس لَدَيَّ نَقْلٌ فارْتَهِنِّي … بنَقْلٍ من ثَناياك الوِضاح وقوله أيضًا (٢): عليَّ كالغَزال وكالغزالهْ … رأيتُ به هلالا في غُلالَهْ كأنَّ بياضَ غُرَّتِه رَشادٌ … كأنَّ سوادَ طُرَّتِه ضلالهْ كأن اللهَ أرْسلَه نَبِيًّا … وصيَّر حُسنَه أقْوى دَلالَهْ وقوله أيضًا (٢): وشادِنٍ أصبح فوق الصِّفَهْ … قد ظلم الصَّبَّ وما أنْصَفَهْ كم قلتُ إذْ قبَّل كَفِّي وقد … تَيَّمَنِي ياليت كَفِّي شَفَهْ وقوله أيضًا (¬١): وشادِنٍ جمالُه … يقْصُر عنه صَفَتِي أهْوَى لتَقْبيل يدِي. .. فقلتُ لا بل شَفَتِي وقوله أيضًا (١): قُل لأبي القاسم إن جِئْتَه … هُنِّيتَ ما أُعْطِيتَ هُنِّيتَهُ كلّ جمال فائقٍ رائق … أنتَ برَغْمِ البدرِ أُوتيتَهُ وقوله أيضًا (١): قُل لأبي القاسم الحُسَيْنِي … يا نارَ قلبِي ونُورَ عَيْنِي البدرُ زَيْنُ السماء حُسْنا … وأنتَ زينٌ لكلّ زينِ قوله، وهو من السائر المشهور (١): قال لي إنّ رَقيبِي … سَيِّءَ الخُلْقِ فدَارِه قلتُ دَعْنِي وجْهُك الجَنَّـ … ـةُ حُفَّتْ بالمكارِهْ وقوله أيضًا (١): أقول وقد رأيتُ له سَحابا … مِن الهِجْران مُقْبِلَةً إلينا وقد سَحَّتْ عَزالِيها بِمَطْلٍ … حَوالَينا الصُّدودُ ولا عَلَيْنا (¬٢) وقوله أيضًا (¬٣): وشادِنٍ يُكْثِرُ من قول لا … أوْقَع قلبِي في ضُروب البَلا قلتْ وقد تَيَّمَنِي طَرْفُه … هذا هو السِّحْرُ وإلا فلا وقوله أيضًا (٣): وشادِنٍ ذي غَنَجٍ … طاوِي الحشا مُعْتَدِلِ أنْشدْتُه شِعْرا بَدِيـ … ـعا حَسَنا مِن عَمَلِي فقال في مَن ولمن … فقلتُ هذا فيك لِي فطار في وَجْنَتِه … شُعاعُ نارِ الخَجَلِ وقوله أيضًا (¬١): دَعتْنِي عَيْناك نَحو الصِّبا … دعاءً يُكَرَّر في كلّ ساعَه ولولا تقادُمُ عهد الصِّبا … لقُلتُ لعَيْنَيْكَ سَمْعا وطاعَه وقوله أيضًا (¬٢): يا قمرا عارَضنِي على وَجَلْ … وِصالُه يُشْبِه تأخيرَ الأجَلْ وقال تَبْغِي قُبلةً على عَجَلْ … قلتُ أجَلْ ثم أجَلْ ثم أجَلْ وقوله، وهو من السائر المشهور (٢): بدا لنا كالبدر في شُروقِه … يشكو غَزالا لَجَّ في عُقوقِه يا عجبًا للدَّهْر في طُروقِه … مِن عاشقٍ أحْسَن مِن مَعْشوقِه ومن شعره، ويُرْوَى لغيره (¬٣): رَشأ غدا وَجْدِي عليه كرِدْفِه … وغدا اصْطِبارِي في هَواه كخَصْرِه وكأنَّ يومَ وِصالِه من وجهه … وكأنّ ليلة هَجْرِه من شَعْره (¬٤) إن ذُقْتُ خمرا خِلْتُها من رِيقه … أوْرُمتُ مِسْكا نِلْتُه من نِشْرِه وإذا تكبَّر واسْتطال بحُسْنِه … فعِذارُ عارِضِه يقوم يعذرِه وقوله أيضًا (¬٥): إن كنتَ تُنْكِرُه فالشمس تعرفُه … أو كنتَ تَظْلِمُه فالحُسْنُ يُنْصِفه ما جاءَه الشِّعْر كَي يَمْحو مَحاسِنَه … وإنما جاءَه عمدا يُغَلِّفُه (¬١) وقوله أيضًا (¬٢): لما بَدا العارضُ في الخَدِّ … زاد الذي ألْقَى من الوَجْد وقلتُ للعُذّال يا مَن رأي … بَنَفْسَجا يطْلُع من وردِ وقوله أيضًا (٢): دَبَّ العذارُ على مَيْدانِ وجْنَتِه … حتى إذا كاد أن يسْعَى به وَقَفا (¬٣) كأنَّه كاتبٌ عَزَّ المِدادُ له … أراد يكْتُبُ لاما فابْتَدا ألِفا وقوله من خَمْرِيّاته (¬٤): رقَّ الزُّجاجُ ورَقَّتِ الخمرُ … فتَشابَها فتشاكَل الأمرُ فكأنَّه خمرٌ ولا قَدَحٌ … وكأنَّه قَدَحٌ ولا خمرُ (¬٥) وقوله أيضًا (¬٦): أقْبَلَ الثلجُ فانْبسِطْ للسُّرور … ولشُرْب الكبير بعدَ الصغير أقبلَ الجَوُّ في غَلائِلِ نُورٍ … وتهادَى بلُؤْلُوءٍ مُنْثورِ فكأنَّ السماء صاهَرَتِ الأرْ … ضَ وصار النِّثارُ من كافورِ قال الثَّعالِبِيُّ: أخَذه من قول ابنِ المعْتَزِّ (¬٧): وكأنَّ الرَّبيع يجْلو عَرُوسا … وكأنما من قَطْرِه في نثارِ وقوله في الشَّمْع (¬١): ورائِقِ القَدِّ مُسْتَحَبِّ … يجْمَعُ أوْصاف كلِّ صَبِّ صُفْرةَ لَوْنٍ وسَكْبَ دَمْعٍ … وذَوْبَ جسمٍ وحَرَّ قَلْبِ وقوله في الخطِّ واللفظ (¬٢): بالله قُلْ لي أقِرطاسٌ تخُطُّ به … من حُلَّةْ هو أم ألْبَسْتَه خُلَلا بالله لفظُك هذا سال من عَسَل … أم قد صَبَبْتَ على أفواهِنا عَسَلا وقوله من إخْوانيّاته (¬٣)، مما كتب به إلى أبي الفضل بن شُعَيْب: يا أبا الفضلِ لِمْ تأخَّرْتَ عنّا … فأسأْنا بحُسْنِ عَهْدِك ظَنَّا كم تمنَّت نفسي صديقا صَدوقا … فإذا أنتَ ذلك المتَمَنَّى فبِغُصْنِ الشباب لما تَثَنَّى … وبعَهْد الصِّبا وإن بانَ مِنَّا كُنْ جَوابِي إذا قرأتَ كتابي … لا تقُل للرَّسول كان وكُنا قال الثَّعالِبيِّ (¬٤): سمعتُ أبا الفتح، عليّ بن محمد البُسْتِيِّ يقول: لم أسْمَعْ في إنْفاذ الحَلْواءِ إلى الأصدقاء، أحسنَ من قول الصاحب: حَلاوةُ حُبِّك يا سيِّدِي … تُسَوّغ بَعْثِي إليك الحَلاوَهْ فقلتُ له: وأنا لم أسْمَع في النِّثار للرُّؤَساء احسنَ من قولِك: ولو كنتُ أنْثُرُ ما تَسْتَحِقُّ … نَثَرْتُ عليك سُعودِ الفَلَكْ ثم تذاكَرْنا في احْسَن ما نحفَظُه في كلِّ باب، فجَرَتْ نُكَتٌ كثيرة، فسألني أن أؤلِّف كتابا في الأحاسن، وأورِدَ فيه أحْسَنَ ما سمعتُه في كلِّ فنِّ فأجَبْتُه إلى ذلك، وحين ابْتَأتُه عرضَتْ مَوانِعُ وقَواطِعُ عن اسْتِتْمامه، أَقْواها غيْبتُه عن خُراسان، ثم وفاته، رحمه الله تعالى. ومن شِعْرْ الصاحب، رحمه الله تعالى (¬١): قولوا لإخْواننا جميعا … مَن كلُّهم سَيِّدٌ مُرَزَّا مَن لم يَعُدْنا إذا مَرِضْنا … إن مات لم نشْهَدِ المعَزَّا وقال يمدح عَضُدَ الدَّوْلة، من قصيدة (¬٢): سُعودٌ يحارُ المشْتَرِي في طريقها … ولا تتأتَى في حساب المنجِّم وكم عالمٍ أحْيَيْتَ من بعد عالمٍ … على حينَ صاروا كالهَشِيمِ المحَطَّم فوالله لولا الله قال لك الورَى … مقالَ النَّصارَى في المسيح ابنِ مَرْيَمِ مَحامِدُ لو فُضَّتْ ففاضَتْ عنى الورَى … لَما أبْصَرتْ عَيْناك وَجْهَ مُذَمَّمِ وكلا ولكن لو حَظوا بزكَاتها … لما سَمِعَتْ أذناكَ ذِكْرَ مُلَوَّمِ، ولو قلتُ إنَّ الله لم يخْلُقِ الورَى … لِغَيرك لم أُخْرَجْ ولم أتأثَّم. وقال يهْجو (¬٣): قال ابن مَتُّويَ لأصحابه … وقد حَشَوْه بأيُورِ العَبِيدْ لئن شَكَرْتُم لأزيدَنَّكم … وإن كفَرْتُم فعَذابي شَديدْ وقال أيضًا في المذكور (٣): سِبْطُ مَتُّويَ رَقيعٌ سَفِلَهْ … أبَدًا يُبدِّلُ فينا أسْفَلَهْ اعْتَزْلنا نَيْـ … في دُبُرِه … فلهذا يلْعَنُ المعْتَزِلَة (¬٤) وقال في رجل يتعصَّب للعَجَم على العرب، ويعيبُ العرب بأكْلِ الحيَّات (¬٥): يا عائبَ الأعْراب جَهْلِه … لأكْلِها الحَيَّاتِ في الطُّعْمِ والعجمُ طولَ الليل حَيَّاتُهم … تنْسابُ في الأختِ وفي الأمِّ وقال يهجو بعضَ القضاة (¬١): لنا قاضٍ له راسٌ … من الخِفَّة مَمْلُوءُ وفي أسْفَلِه داءٌ .. . بعيدٌ منكم السُّوءُ وقال يهجو أيضًا (¬٢): رأيتُ لبعض الناس فَضْلا إذا انْتَهى … يقصِّرُ عنه فضلُ عيسى ابنِ مَريَم عَزَوْهُ إلى تِسْعٍ وتسعين والدا … وليس لعيسى والدٌ حين يَنْتَمِي وقال في طُفَيلِيٍّ (٢): مُطَفِّف أطْفالُ من أشْعَبٍ … ما زال محروما ومَذْموما لو أنَّه جاء إلى مالكٍ … لقال أطْعِمْنِيَ زَقُّوما وقال في رجل كثيرِ الشُّرْبِ، بَطِيِّ السُّكْر (¬٣): يقال لماذا ليس يسْكَرُ بعدما … توالتْ عليه من نَداماه قَرْقَفُ فقلتُ سَبيلُ الخَمْرِ أن ينْقُصَ الحجا فإن لم يَجِد عَقْلا فماذا تَحَيَّفُ وقال يهجو (٣): هذا ابنُ مَتُّويَ له آيةٌ … تَبْتلِع الايْرَ وأقْصَى الخُصَى يكْفُر بالرُّسْل جميعا سِوَى … مُوسل بن عِمْرانَ لأجل العصا وقال أيضًا (٣): أنتَ تَيْسٌ لا كالتُّيوس لأنَّ التَّيْـ … ـسَ ينْزُو وأنتَ يُنْزَى عليْكا وقال أيضًا (¬٤): كنتُ دهرا أقولُ بالاسْتطاعَهْ .. وأرَى الجَبْرَ ضَلَّةً وشَناعَهْ ففَقَدْتُ اسْتطاعَتِي في هَوَى ظَبْـ … ي فسَمْعا لمجبِرِين وطاعَهْ وقال أيضًا (¬١): ناصبٌ قال لي مُعاويةٌ خا … لُك خيرُ الأعمامِ والأخوالِ فهْوَ خالٌ للمؤمنين جميعا … قلتُ خالِي لكن من الخير خالِ وقال أيضًا في تَشَيُّعاتِه (¬٢)، عامَلَه الله بما هو أهْلُه (¬٣): حُبُّ عليَّ بنِ أبي طالبٍ … هو الذي يَهْدِي إلى الجَنَّهْ إن كان تفْضلِي له بِدْعَةً … فلَعْنةُ الله على السُّنَّهْ وقال يَرْثِي أبا منصور كَثير بن أحمد (¬٤): يقولون لي أوْدَى كثيرُ بن أحمدَ … وذلك رُزْءٌ في الإمام جليلُ فقلتُ دَعُونِي والعُلا نَبْكِه معا … فمُثلُ كثيرٍ في الرجال قليلُ وقال أيضًا (٤): لقد صدَقوا والرّاقِصات إلى مِنَىً … بأنَّ مَوَدّاتِ العِدا ليس تنْفَعُ ولو أنَّنِي دارَيْتَ عُمْرِيَ حَيَّةً … إذا مُكِّنَتْ يوما من اللَّسْعِ تَلْسَعُ وقال أيضًا (٤): إذا أدْناك سُلْطانٌ فزِدْه … من التَّعْظيم واحْذَرْه ورَاقِبْ فما السُّلْطانُ إلا البحرُ عُظْما … وقُرْبُ البحرِ مَحْذورُ العَواقِب وقال أيضًا (٤): وقائِلِةٍ لِمْ عَرَتْكَ الهمومُ … وأمْرُك مُمْتثَلٌ في الأمَمْ فقلتُ دَعِينِي على غُصَّتِي … فإنّ الهُمومَ بقَدْر الهِمَمْ وقال أبوِ بكر الخُوارَزْمِيُّ (¬١): قال بعضُ نُدَماء الصاحب يوما: أرَى مولانا قد أغار في قوله: لبِسْنَ بُرُودَ الوَشْي لا لِتَجَمُّلِ … ولكنْ لِصَوْن الحُسْن بين بُرُودِ على قَول المتَنَبِّي (¬٢): لَبِسْنَ الوَشْيَ لا مُتَجمِّلاتٍ … ولكنْ كي يَصُنَّ به الجَمالا فقال: كما أغار هو في قوله (¬٣): ما بالُ هذِي النُّجوم حائرةً … كأنَّها العُمْيُ ما لها قائِدْ علَى العبّاس بن الأحْنَف (¬٤): والنَّجْمُ في كَبِدِ السماء كأنَّه … أعْمَى تحيَّر ما لَدَيْه قائدُ وقال أبو بكر الخُوارَزْمِيُّ (¬٥): أنْشَدنِي الصاحبُ نُتْفَةً له، منها هذا البيت: لئِن هو لم يكْفُفْ عَقارِبَ صُدْغِه … فقولوا له يَسْمَحْ بِتِرْياقِ ريقه فاسْتَحْسَنْتُه جدًّا حتى حثمِمْتُ من حَسَدِي له عليه، ووَدَدْتُ لو أنَّه لي بألفِ بيتٍ من شِعْرِي. قال الثَّعالِبِيُّ (¬٦): أنْشَدْتُ الأميرَ أبا الفضل عُبيْد الله بن أحمد الْمِيكالِيَّ هذا البيت، وحكَيْتُ له هذه الحكاية في المذاكرة، فقال لي: أتَعْرِف من أين سرَق الصاحبُ معنى البيت؟ فقلتُ: لا والله. قال إنما سرَقه من قول القائلو ونقَل ذِكْرَ العَيْن إلى ذِكْر الصُّدْغ: لَدَغَتْ عَيْنُك قلبِي … إنما عَيْنُك عَقْرَبْ لكنِ المصَّةُ مِن رِيـ … ـقِكَ تِرْيَاقٌ مُجَرَّبُ فقلتُ: لله دَرُّ الأمير، فقد أوِتَى حَظَّا كثرا من التخَصُّص، بمعْرفة التَلَصُّص. قال الثَّعالِبِيُّ: ومعنى قولِ الصاحب في الثلج: وكأنَّ السماء صاهَرَتِ الأرْ … ضَ فكان النِّثارُ من كافُورِ يَنْظُر إلى قول ابنِ المعْتَزِّ: وكأنَّ الرَّبيعَ يجْلو عَرُوسًا … وكأنَّا من قَطْرِه في نِثارِ وقول الصاحب (¬١): يقولون لي كم عَهْدُ عَيْنِك بالكَرَى … فقلتُ لهم مُذ غابَ بَدْرُ دُجاها ولو تلْتَقِى عَيْنٌ على غيرِ دَمْعةٍ … لَصارَمها حتى يُقالَ نَفاها مَأْخوذٌ لفظُ البيت الثاني من قول الوزير المهَلَّبِيِّ: تَصارَمَتِ الأجْفانُ مُنْذُ صَرَمْتَنِي … فما تَلْتَقِي إلا على عَبْرَةٍ تَجْرِي وقوله في القافية الأُخْرَى (¬٢): وناصحٍ اسْرَفَ في النَّكيرِ … يقولُ لي سُدْتَ بلا نَظيرِ فكيف صُغتَ الهَجْوَ في حَقيرٍ … مِقْدارُه أقلُّ من نَقيرِ فقُلتُ لا تُنْكِرْ وكُنْ عَذِيْرِي … كم صارِمٍ جُرِّبَ في خِنْزيرِ مأخوذٌ من قول الحَمْدُونِيِّ: * هَبونِي امْرءًا جرَّبْتُ سَيْفِي علَى كَلْبِ * قال الثَّعالِبِيّ (¬٣): ولما بلَغتْ سِنُوه السِّتين، اعْتَرَتْه آفة الكمال، وانْتابَتْه أمْراضُ الكِبَر، جعَل يُنْشِدُ قولَه: أناخَ الشِّيْبُ ضيْفًا لم أرِدْهُ … ولكنْ لا أُطِيقُ لهْ مَرَدّا رِدائِي للرَّدَى فيه دليلٌ … تَردَّى مَن به يوما تَرَدَّى (¬١) ولما كَنَى المنَجِّمون عن ما [هو بعَرَضِه] (¬٢) في سنة مَوْتهِ، قال (¬٣): يا مالِكَ الأرْواحِ والأجسام وخالقَ النُجوم والأحكام مُدَبِّرَ الضياءِ والظّلامِ لا المشْتَرِي أرْجوه لإنعامِ ولا أخافُ الضُرَّ من بَهْرامِ وإنّما النجومُ كالأعلامِ والعلمُ عندَ الملكِ العلامِ يا ربِّ فاحْفَظْنِي من الأسْقامِ ووَقِّنِي حَوادِثَ الأيّامِ وهُجْنَة الأوزارِ والآثامِ هِبْنِي لحُبِّ المصْطَفَى المعْتامِ وصِنْوِه وآله الكرام (¬٤) وكتب بخَطِّه على تَحْويل السنة التي دلَّت على انْقضاء عمرِه، هذه الأبيات (¬٥): أرَى سَنَتِي قد ضُمِّنَتْ بعَجائِبِ … ورَبِّي يكْفِيْنِي جميعَ النَّوائِبِ ويَدْفَعُ عَنِّي ما أخافُ بِمَنِّه .. . ويُؤْمِنُ ما قد خَوَّفوا من عَواقِبِ إذا كان مَنْ أجْرَى الكواكبَ أمْرُه … مُعِينِي فما أخشَى صورفَ الكواكب عليك أيا ربَّ الأنام تَوكُّلِي … فحُطْنِيَ من شَرِّ الخُطوبِ الحَوازِبِ (¬١) فكم سنَةٍ حُذِّرْتُها فتزَحْزَحَتْ … بخيرٍ وإقبالٍ وجدٍّ مُصابِ ومن أضْمَرَ اللهُمَّ سُوءًا لمهْجَتِي … فرُدَّ عليه الكَيْدَ أخْيَبَ خائِبِ فلستُ أريدُ السُّوءَ بالناس إنّما … أريدُ بهم خيرًا مَريعَ الجَوانِبِ وأدْفَعُ عن أمْوالِهم ونُفُوسِهم … بِجِدِّي وجُهْدِي باذِلا للمَواهِب ومَن لم يسَعْهُ ذلك مِنِّي فإنَّنِي … سأكْفاهُ إنّ الله أغْلَبُ غالِبِ ووجَد (¬٢) في بعض أيام مرضِه التي مات فيه خِفَّةً، فأذِن للناس، وحَلَّ وعقَد، وأمَر ونَهَى، وأمْلَى كُتُبا تعجَّب الحاضرون من حُسْنِها، ومن فَرْط بلاغتِها، وقال: كَلامُنا من غُرَرِ … وعَيْشُنا من غِرَرِ إنِّي وحَقِّ خالقِي … على جَناحِ السَّفَرِ ثم لما كانت ليلةُ الجمعة، الرابع والعشرون من صفر، سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، انْتقَلَ إلى جوار ربِّه، ومحلِّ عَفْوِه وكَرامتِه، ومضَى من الدنيا يُمضِيِّه رَوْنَقُ حُسْنِها، وتاريخُ فضْلِها، رَضِيَ الله تعالى عنه وأرْضاه، وجعل الجنّة مأواه، بمَنِّه وكرمِه. وقد رثاه الشُّعراء بقصائد كثيرة، لا يُمْكِنُ حَصْرُها، ولا يُسْتَوْعَبُ ذِكْرُها، فمنها ما قاله أبو سعيد الرُّسْتُمِيُّ، من قصيدة (¬٣): أبَعْدَ ابنَ عَبّادٍ يَهَشُّ إلى السُّرَى … أخو أمَلِ أو يُسْتماحُ جَوادُ أبَى الله إلا أن يموتا بمَوْتِه … فما لهما حتى المعاد معَادُ ولأبي العباس الضَّبِّيِّ، وقد مَرَّ بباب الصَّاحب (¬١): أيها البابُ لِمْ عَلاكَ اكْتِئابٌ … أين ذاك الحِجابُ والحُجَّابُ أينَ مَن كان يفْزَعُ الدَّهْرُ منه … فهو اليومَ في التُّراب تُرابُ ولبعْضِ بَنِي المنجِّم (٢)، لما اسْتَوْزَر أبو العباس، ولُقِّب بالرَّئيس، وضُمَّ إليه أبو علي ولُقِّب بالجَليل، بعد مَوْتِ الصاحب، تغَمَّده الله تعالى برحمته: والله والله لا أفْلَحْتُمُ أبدًا … بعدَ الوزير ابنِ عَبَّاد بن عبَّاسِ إن جاء منكم جليلٌ فاجْلبُوا أجَلِي … أو جاء منكم رئيسٌ فاقْطَعوا رأسِي ولأبي الحسن العَلَوِيِّ الهَمَذانِيّ، في مَرْئِيَّة الصاحب قولُه (¬٢): نومُ العيون على الجُفونِ حرامُ … ودُمُوعهنَّ مع الدِّماء سِجامُ تبْكِي الأنام سَليلَ عَبَّاد العُلا … والدِّينُ والقُرآن والإسلامُ تبْكِيه مكةُ والمشاعرُ كلُّها … وحَجيجها والنُّسُكُ والإحرامُ تبْكيه طَيْبَةُ والرسولُ ومَن بها … وعَقيقُها والسَّهْلُ والأعْلامُ كافي الكُفاةِ قضَى حَمِيدا نَحْبَهُ … ذاك الإمامُ السَّيِّد الضِّرْغامُ ماتَ المعالِي والعلومُ بمَوْته … فعلَى المعالِي والعلومِ سَلامُ وقد آن أن نَحْبِسَ عِنانَ القلم عن الجَريِ في هذا البيان، فإنَّ في ذكر ما أوْرَدناه من أوْصافه مَقْنَع، وأما بُلوغُ الغاية، وإدراكُ النَّهايةِ من أوصاف الصاحب، فلا سبيلَ إليه، ولا مَطْمَعَ فيه. وقد قصَدْنا أوَّلا أن نذكرَ ترجمته على سبيل الاخْتصار، لتكونَ كالذَّيْلِ لترجمة أبيه، فاستَغْرَقْنا في مَحاسِن أوْصافه، فاطَلْنا وأطْنَبْنا، إلى أن صارت ترجمة أبيه كالذَّيْل لترجمته، فلا يُعْترض علينا، لأن لملِيح لا يُتْرَك، والحَسَنَ لا يُمَلَّ؛ والله تعالى أعلم بالصواب. * * *
Parsing and provenance details
Local passage ID
1093905
Book record
shamela-819
Source record
1108944
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain