page 3467, entry [2888]Open original source
٢٤١٢ - الشيخ الفاضل عافيَة بن يزيد بن قيس بن عافية بن شدّاد بن ثُمامة بن سَلَمة بن كعب بن أوْد بن صَعْب سعد العَشيرة بن مالك بن أُدَد بن زيد بن يَشْجُب بن عريب بن زيد بن كَهْلان بن سَبَأ بن يشْجُب بن يعْرُب بن قَحْطان الكُوفِيّ * ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو الإمام، العالم، العامل، أحد أعلام الأئمة، وأماثل قُضاة الأمّة. ولّاه أمير المؤمنين المهديّ القضاء بـ "بغداد"، في الجانب الشرقيِّ. وحدَّث عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسليمان الأعْمَش، وغيرهما. وروَى الخطيب، عن إسحاق بن إبراهيم، أنه قال: كان أصحاب أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، الذين يُذاكِرونه؛ أبو يوسف، وزُفَر، وداود الطَّائِيُّ، وأسَد بن عمرو، وعافية الأوْدِيّ، والقاسم بن مَعْن، وعلي بن مُسْهِر، ومَنْدَل وحِبَّان، ابنا عليِّ، وكانوا يخوضون في المسألة، فإن لم يحضُر عافيةُ، قال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه: لا تَرْفعوا المسألة حتى يحضُرَ عافيةُ. فإذا حضر عافيةُ، فإن وافقهم، قال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه: أثْبِتُوها، وإن لم يُوافقْهم، قال أبو حنيفة: لا تُثْبِتوها. وقد كان المهدِيُّ أشْرَك في القضاء بينه وبين محمد بن عبد الله بن عُلاثَةَ الكِلابِيّ، فكانا يقْضيان جميعا في المسجد الجامع في الرُّصافة، هذا في أدْناه وهذا في أقصاه، وكان عافيةُ أكثرَهما دخولا على المهدِيِّ. وحدَّث إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن أشياخه، قال: كان عافية القاضي يتقلَّد للمهدِيّ القضاء بإحدى جانِبِيْ "بغداد"، مكانَ ابن عُلاثَة، وكان عافية عالما زاهدا، فصار إلى المهدِيِّ في وقت الظهر في يوم من الأيَّام، وهو خالٍ، فاسْتأذَن عليه، فأدخله فإذا معه قِمَطْرُه، فاستَعْفاه من القضاء، واسْتأْذَنه في تسليم القِمَطْرِ إلى من يأمُرُ بذلك، فَظَنَّ أن بَعضَ الأولياء قد غضَّ منه أو أضْعَفَ يدَه في الحُكْم، فقال له في ذلك، فقال: ما جرى من هذا شيء. فقال: فما سببُ اسْتِعْفائِك؟ فقال: كان يتقدَّم إليَّ خَصْمان مُوسران وَجيهان منذ شهرين، في قضيّة مُعْضِلَة مُشْكِلَة، وكلُّ يدَّعِي بَيِّنَة وشُهودا، ويُدْلِي بِحُججٍ تحتاح إلى تأمُّل وتثَبُّب، فردَدْتُ الخصومة، رجاءَ أن يَصْطلحا، أو يَعِنَّ لي وجه فصل ما بينهما. قال: فوقف أحدُهما من خبري على أنِّي أُحِبّ الرُّطَب السُّكَّر، فعَمد في وقتِنا، وهو أوَّل أوقات الرُّطَب، إلى أن جمَع رُطبا سُكَّرا، لا يتهَيَّأ في وقتنا جَمْعُ مثلِه إلى أمير المؤمنين، وما رأيت أحسنَ منه، ورَشَا بَوَّابِي جملةَ دراهم، على أن يُدْخَلَ الطَّبَق إليَّ، ولا يُبالِي أن يُرَدَّ، فلمّا أُدْخِل إليَّ، أنْكَرتُ ذلك، وطَرَدْتُ بَوَّابِي، وأَمَرْتُ بردِّ الطَّبَق، فرُدَّ، فلمّا كان اليوم تقدَّم إليَّ مع خصْمِه، فما تساوَيا في قلبِي ولا في عينِي، وهذا يا أميرَ المؤمنين ولم أقْبَلْ، فكيف يكونُ حالي لو قَبِلْتُ، ولا آمنُ أن يقعَ عليَّ حيلَةٌ في ديني فأهْلِكَ، وقد فسدَ الناس، فأقِلْنِي أقالَكَ الله، وأعْفِنِي، فأعْفاه. ورُوِيَ عن بعضهم، أنَّه قال: كنتُ عند الرَّشيد يوما، فرُفِع إليه في قاضٍ كان استقْضاه يُقال له: عافية، فكَبُرَ عليه، وأمر بإحْضاره، فأُحْضِرَ، وكان في المجلس جَمْعٌ كثير، فجعل أميرُ المؤمنين يُخاطِبُه، ويُوقِفُه على ما رُفِع إليه، وطال المجلس، ثم إنَّ أميرَ المؤمنين عَطَسَ، فشمَّتَه من كان بالحَضْرَةِ ممن قَرُبَ منه سِواه، فإنَّه لم يُشَمِّتْه، فقال له الرشيد: ما بالُك لم تُشَمِّتْنِي كما فعل القوم؟ فقال له عافية: لأنك يا أمير المؤمنين لم تَحمد الله، فلذلك لم أشَمِّتْك، هذا النبيّ ﷺ عَطَسَ عنده رجلان، فَشَمَّتَ أحدَهما، ولم يُشمِّت الآخَرَ، فقال: يا رسول الله ما لَكَ شَمَّتَ ذلك ولم تشمِّتني. قال: لأنَّ هذا حَمِدَ اللهَ، فَشَمَّتناه، وأنتَ فلَمْ تَحْمَدْه فَلمْ أُشَمِّتْكَ (¬١). فقال له الرشيد: ارْجِع إلى عملك، أنْتَ لم تُسامِحْ في عَطْسةٍ، تُسامحُ في غيرها. وصَرَفه مُنْصَرفًا جميلا، وزبر القوم الذين كانوا رفَعوا عليه. وقال ابن الأعرابِيّ: خاصَم أبو دُلامةَ رجلا إلى عافية، رحمه الله تعالى، فقال (¬١): لقد خاصَمَتْنِي غُواةُ الرجال … وخاصَمْتُهم سَنَةً وافِيَهْ فما أدْحَضَ الله لي حُجَّةً … وما خَيَّبَ الله لي قافيَهْ فمن كنتُ من جَوْرِه خائفا … فلستُ أخاكَ يا عافيهْ فقال له عافية: لأشكُوَنَّكَ إلى أمير المؤمنين. قال لم تَشْكُونِي؟ قال: لأنَّك هجَوْتَنِي. قال: والله لئن شَكَوْتَنِي إليه ليَعْزِلَنَّك. قال: ولم؟ قال: لإنَّك لا تعرف الهجاء من المديح، رحمه الله تعالى ما كان أصْفَيَ نِيَّتَهُ، وأسْلَم طَوِيَّتَه. - نَفعنا الله ببركاته، آمين -. * * *