page 3348, entry [2807]Open original source
٢٣٥٥ - الشيخ الفاضل صُنْع الله آفندي ابن قاضي القضاة جعفر آفندي * ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو أحدِ قضاة العَسْكَر المشهورين في "الديار الرُّوميَّة"، بل في جميع الديار الإسلامية، بالدين والصلاح والتقوى والمروءة والعلم والعمل ومكارم الأخلاق. نشأ من صِغَره في مَهْد الأمانة، وحِجْر الصِّيانة، ومُلازمة القراءة أوَّلا في القرآن الكريم، ثم في الكتب المعْتَبَرة والمتون المحرَّرَة، الشُّروح المشهورة بالتحقيق، والحواشي المعروفة بالتدقيق، وكان لا يمَلُّ من المطالعة والمراجعة، والاشتغال والإشغال. وكانت أيَّامه كلّها في إقبال، وبلوغ آمال، تخدُمه السُّعود، وتُعينه الجُدود، إلى أن بلغ مبالغ الرجال، وفاق الأقران والأمثال، حتى كان الإمام العلامة، والقدوة الفهّامة، صاحب "التفسير" الذي سارتْ بذكره الرُّكْبان، وأذعَنَ له كلُّ قاصٍ ودان، مفتي "الديار الرّومية"، والممالك الإسلامية، أبو السُّعود العِمادِيّ، رحمه الله تعالى، يُراعيه ويُكْرِمه، ويعْتَنِي به ويُقدِّمه، ويُرجِّحه على سائر أقرانه، وأصحابه وإخوانه، ويَرى مَخايِلَ النَّجابة ظاهرةً عليه، وعيونَ التَّوفيق ناظرةً إليه، وكان كثيرا ما يُحكِّمه في التَّرجيح بين الأفاضل، والمحقِّقين الأماثل، ويَرضى بحُكْمه، ويُثْنِي على دِقَّة فهمه، وقد حقَّق الله تعالى رجاءه فيه، وجعله قائما مَقامه، وناصرا له على من يُعاديه. ثمْ بعدَ أن حصَّل من الفضائل ما حصَّل، وأنعم الله تعالى عليه بما أمّل، وصار مدرّسا في مدارس متعدِّدة، أجلُّها قدرا، وأشهرها ذكرا، مدرسة الوالدة بمدينة "اسْكَى دار"، حُمِيَتْ عن البَوار، وهي والدة السلطان مراد خان، - تغمَّدهما الله بالرحمة والرِّضْوان -، حتى إنها كانت أجَلَّ من "السُّليميَّة" والسليمانية وغيرهما من المدارس المنسوبة إلى آل عُثمان، أدام الله تعالى دولتهم إلى آخر الزمان، وكان صاحب الترجمة أجَلَّ من وَليَها من المدرِّسين، وكان يُلْقِي بها الدّروس للخاصَّة والعامة، من غير مانع ولا مُدافع، بخلاف أكثر المدرِّسين بـ "الديار الرومية"، فإن من عادتهم أن لا يُمَكِّنوا أحدا من حضور دروسهم، سوى تلاميذهم المخصوصين بهم، ولم يزَلْ بهذه المدرسة يُفيد الطُّلاب، ويُباحثُ أولِي الألباب، ولا يبخُلُ على أحد بفوائده، والتقاط فرائده، ولا يتكبَّر على أحد في مُباحثة ولا في مُناظرة، وإذا ظهر له الحقُّ سلَّم له، وانْقاد إليه، من غير تعصُّب ولا عناد، كما جرتْ به عادة السَلَف، وعادةُ المنْصِفين من الخَلف. ثم بعد مدَّةٍ فوَّضوا إليه قضاءَ "بَرُوسة"، ثم قضاءَ "أدِرْنَة"، ثم قضاءَ "إسْتانْبول" بولاية "أناطُولِي"، ثم قضاء العَسْكَر بولاية "رُومِيلِي"، ولم يتخلَّل هذه الولايات عَزْلٌ ولا ما يُوجِب العَزْل؛ لأن سِيْرتَه كانت في الجميع حميدة، وأفعالَه سَديدة، لا يُعْطِي المناصبَ إلا لأهلِها، ولا يَضع الأمورَ إلا في مَحَلِّها، يُقرِّب أصحاب الفضل والكمال، ويُبْعِد أصحاب الجَهْل والضّلال، ويُعَظِّم العُلَماءَ ويرفعُ مَقامَهم، ويُقْبِل عليهم، وينْظُرُ بعين العناية إليهم. وأما الرِّشوة فما كانت في أيامه تُذكَرُ إلا لتُنْكَرَ، ولا يُسألُ عنها إلا ليُهان مَن يأخذُ منها، وقد وقع الإجماع في سائر البِقاع على أن الله تعالى قد طهَّر منها يدَه ولسانه، وأتْباعه وأعوانه، ولا شكَّ ولا رَيْبَ أن العِفَّة عن الرِّشوة في مثلِ هذه الأيام نعمة كبرى، وسعادة عُظْمَى، قَلَّ من يُوَفَّقُ لها، ويُوصَف بها، وأن أخذَها من كبائر الذنوب، وقبائح العيوب، التي تُوقع في المهالك وتَخْرِب الممالك، فالحمد لله الذي خصَّه بأحسن الأوصاف، وأنْعَم عليه بجزيل الألْطاف. ولم يزلْ سالكا في هذه الطريق، مصحوبا من الله تعالى بالتوفيق، إلى أن فرَغتْ المدّة، وانْقَضت العِدَّة، وأصاب السلطانَ عَينُ الكمال، وجاءه مُسْتَوْفِي الآجال، وانتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى، وجلس على سرير الملْك مكانه، ووَلِيَ خلافته وسُلطانَه، ولدُه الأكبر، وغُصْنُه الأنْضَر، السلطان محمد خان، أدام الله تعالى دَوْلتَه إلى آخر الزمان، ونصْرَه وأيّده على أهل الكفر والطغيان، فأشار عليه بعض ثقاته أن يعزل سائر القضاة والأمراء وأمراء الأمراء، والحُكّام، والعُمّال، وغيرَهم من سائر المناصب، فعمل برأيه، وما أبقَى منهم إلا القليل، وكان صاحب الترجمة ممن شَمِلَه هذا العموم، وتأسَّف الناس على أيامه، وعلى ما فقدُوه من عَدْله في أحكامه، وصاروا يبْتَهِلون إلى الله تعالى، ويسألونه أن يعيد عليهم وِلايتَه. واستمرَّ مُقيما في منزله، مُكبّا على المطالعة والمراجعة، والتَّقْرير والتَّحرير، والتَّسْويد والتَّبْييض، التأليف والتَّصْنيف، لا يخرج من المنزل إلا إلى جُمعةٍ أو جماعة، أو عيادة مريض، أو زيارة أخٍ في الله تعالى، وكثيرا ما كانوا يسألونه في قَبول ما يختارُه من المناصب الشريفة فلا يقْبل، ويرْمُون عليه فلا يَرْضَى، ويدْفَعُهم بالتي هي أحسن، وكان مع ذلك لا ينْسَى نصيبه من الأمر بالمعروف والنَّهْيِ عن المنكر، بحسب الإمكان. ومُلَخَّص ما أقوله في حقّه: إنِّي ما رأيت مثلَه في "الديار الرومية"، ولا رأى هو مثلَ نفسه، فنسأل الله تعالى أن يَمُدَّ في أجَلِه، وأن يُعِينَه على فعل الخيرات، وإزالة المنْكرات، بمَنِّه وكرمِه. وقد مدحته الشعراء، وكاتبتْه الفضلاء، وراسلُوه وراسلَهم، ولولا أنِّي سطَّرتُ هذه الترجمة وأنا على جناح السَّفَر، واشتغال الفكر، لجَمعتُ كثيرا مما مُدِح به، وأُلِّف في الثَّناء عليه، ولكن على كلّ خيرٍ مانع. ومن جُملَة مُحِبِّيه ومادحيه، جامعُ هذه "الطبقات"، ومن ذلك بعض أبيات قلتُها في أثناء رسالة أرسلتُها إلى حضرته الشريفة، من ثَغْر "إسْكَنْدَرِيّة"، وأنا مُتَوَجِّهٌ إلى "مصر" المحميَّة، بعد أن سمعتُ الناس يقولون: إن بعض أرباب الدَّولة شَفَعوا عنده في إعادة قضاء "الفَيُّوم" لقاضيها السّابق، وأنه امْتنع من ذلك أشدّ الامْتناع، فقلتُ: إلهي إنّ صُنْعَك فد تلافَى … أمُورِي كلَّها قبلَ التلاف وقدَّمنِي وأخَّرَ كل ضِدٍّ … أراه الدهْرَ يسْعَى في خِلافِي إلهِي كُنْ لصُنْع الله عوْنا … وعاملْه بفَضل منك وافِي وقدِّمه على رَغْم الأعادي … وأخِّرهم كتأخير الخَوافِي ولا تجعلْ لدوْلته انْقطاعا … إلى يوم القيامة والتَّكافِي وقد استجاب الله تعالى دُعانا، وله الحمد والمِنَّة. وإنا لَنَرْجو فوقَ ذلك مَظْهَرَا (¬١) ثم بعد مُدّة طويلة سافرت إلى "الديار الرومية"، ورأيته على جانب عظيم من الهَيبَة والوقار، والرِّفعة والتواضع، ونَفاد الكلمة، أكثر من ذلك حين كان في قضاء العَسْكَر، وهذه عادة الله تعالى في عباده، أنّ مَن أطاعَه يُطيع له العباد، ومَن عصاه يَعْصِيه كلُّ أحد حتى الأهْل والأولاد. ورأيتُ بمدينة "إستانْبول" من التَّغَيُّرات والتَّبَدُّلات، وأكْل الرِّشا، وإعطاء المناصب لغير أهْلها، ووَضع الأمور في غير مَحَلِّها، وقِلَّة الأمر بالمعروف والنَّهْيِ عن المنكر، وغير ذلك مما تَبْكِي له العيون، وتَحْتَرق لأجله القلوب، وتحيَّرُ في تدْبير رَفْعِه العُقول، وإذا انْتَدَب لإزالته أحد من الناس الذين يخافون الله تعالى، لا يجد له مُساعدا، ولا مُعينا، ولا مُعاضِدا، بل ينْتَدِبُ له كثير من أرْباب الدولة الذين لا يريدون الإصلاح، ولا يُريدون بُطْلان الرِّشا، ولا فيه النَّجاح، لتَكْذِيبه وتسْفِيهه، وتَحْمِيقه والردِّ عليه، ولم أرَ في تلك الديار من هو سالم من سائر أنواع النِّفاق، ومن مُداراة أصحاب الظلم والشِّقاق، إلا صاحبَ الترجمة، فللّه دَرُّه، ما أشَدَّه وأصْلَبه، في دين الله تعالى، وما أكثَر تَعْظيمه لشريعة رسول الله ﷺ. ولقد بالَغوا في عَرْض الولايات عليه، ووعدُوه بأن لا يُعارضوه في أمرٍ من الأمور، وأن يقْبَلوا نصائحه وشفاعاته، وهو مع ذلك مُصَمِّمٌ على الامتناع؛ لعلْمه بأن أكثَرهم ممن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فلما قدَّر الله تعالى بوفاة شيخ الإسلام، وقُدْوة الأنام، سعد الدين آفندِي، مُفتِي "الديار الروميَّة"، في عاشر شهر ربيع الأول، سنة ثمان بعد الألف، امتدَّتْ أعْناقُ جماعةٍ من مَوالِي "الديار الروميَّة" لطلب منصب الفتوى مكانَه، وبالغوا في الطلب والسَّعْيِ، وبَذْل الدنيا لمن يُعِينُهم، ويشْفَع لهم، ويُساعدُهم، وصاروا يُبالغوا في وَصْف أنفسهم بالعلم والعَمل، والفضل والكرم، والعدل والإنصاف، وغير ذلك من المحاسن التي ليس فيهم منها قليل ولا كثير، ولا جَليل ولا حقير: ولسان حال الحقِّ يُنْشِدُ مالَها … إلا إمام العصر صُنْعُ الله من لم يَخَفْ في الله لَوْمة لائم … وصَنِيعُه لله لا لِلْجاه فقَبْلَ فَراغهم من دَفْنه، بل ومن الصلاة عليه؛ جاء خطُّ السلطان إلى الوزير الكبير، بتَفْويض منصب الفتوى إليه، من غير تَعَبٍ ولا نصبٍ، لا بذْل فضةٍ ولا ذهبٍ، ولا عهدٍ ولا وعدٍ، بل سمعنا أنه تردّد في القبول وعَدَمه، ولولا أنه رأى القبولَ عليه مُتَعَيِّنا، وأنَّ تركَ المتَعَيِّن، ليس عند الله بِهَيِّن، ما كان يَقْبلُه ولا يُقْبِلُ عليه، فلما حصل القبولُ حصل عند الناس من الفرح والسرور ما لا مزيد عليه، واستبْشَرُوا بإقبال الخيرات، وإدْبار المنكرات، وقيام ناموس الشريعة، وخُمود نار الرِّشوة الفَظيعة، وغير ذلك مما فيه صلاحُ الأئمة، وكَشْف الغُمَّة عن الأمَّة، وما مضى بعدَ ولايته إلا زمنٌ يَسير، حتى عُزِل بعضُ قضاة الجَورِ والرِّشا، ووَلِيَ مكانه بعضُ القضاة الذين يُرْجَى خَيْرُهم، ويُؤْمن ضَرَرُهم وضَيْرُهم، وعُدَّ ذلك من بركات صاحب الترجمة، وزاد سُرُورُهم به ودعاؤهم له، وثناؤهم عليه، وصار أكثر الخَواصِّ من الناس يرْجون من الله تعالى أن يجعلَه على رأس هذه المائة العاشرة لدين الله الإسلام مُجَدِّدا، ولشريعة خَيْرِ الأنام ناصرا ومؤيِّدا؛ لأنَه رُوِيَ عنه ﷺ، أنَه قال: "إن الله تعالى يُقَيِّض لهذه الأمّة على رأس كُلِّ مائة سنة مَنْ يُجَدِّدُ لها دِينَها" (¬١). ومسألة التَّجديد للناس فيها كلام كثير، ورواياتٌ مختلفة، نقَل أكْثَرها الحافظ جلال الدين السُّيوطِيّ، في بعض مُؤلَّفاته، وقد أجاد، وأفاد، وأتى بأقصَى غايات المراد، فمن أراد الوقوفَ على ذلك، فلينظر ما هنالك، والله تعالى أعلم بالصواب، وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. * * *