page 3195, entry [2640]Open original source
٢٢٠٦ - العلامة المحقّق الباحث الإسلامي المحدث الكبير الشيخ شبير أحمد بن فضل الرحمن ، العثماني، الديوبندي البكستاني، رحمهما الله تعالى*. ذكره الدكتور عبد الرحمن البرني فِى كتابه: "علماء ديوبند وخدماتهم في علم الحديث" فقال: ولد في ١٠ محرّم الحرام سنة ١٣٠٥ هـ، الموافق سنة ١٨٨٧ م، بمدينة "بريلي" (¬١) بولاية "أترابراديش"، "الهند"، حيث كان أبوه الشيخ فضل الرحمن العثماني الديوبندي من المساهمين في تأسيس الجامعة الإسلامية العريقة الشهيرة بـ دار العلوم ديوبند (¬١)، موظّفا في مصلحة الإشراف على المدارس والكلّيات والحكومية. ولد العلامة العثماني في أسرة علمية دينية عريقة معروفة في بلدة "ديوبند"، ونشأ على حبّ الاطلاع والعكوف على الدراسة، تلقّى مبادئ العلوم في بيته في صباه، ثم التحق عام ١٣١٩ هـ بالجامعة الإسلامية دار العلوم، ديوبند، التي كانت آنذاك مكتظّة ومُزْدَانة بالعلماء الربّانيين المعروفين، بورعهم ورسوخهم في العلم وتصلّبهم في الدين، مثل: الشيخ المحدّث محمود حسن الديوبندي، شيخ الحديث ورئيس هيئة التدريس بالجامعة الأسبق، ورائد النهضة العلمية والسياسية في شبه القارة الهندية، وصاحب خطّة الرسائل الحريرية، فاغترف من علومهم جميعا، وتشبّع بروح العلم والدين، وارتوى من معارف الشيخ محمود حسن، حتى أصبح لسانه الناطق، وساعده الأيمن، وشارح أفكاره الحصيفة، وتخرّج في الجامعة عام ١٣٢٥ هـ -١٩٠٧ م بعد أن تضلّع من العلوم الدينية كلّها. كانت له مساهمة فعّالة في كفاح التحرير ضدّ الإنكليز، ودور بارز في النشاطات السياسيّة، التى كانت تعيشها "الهند"، فقد كان عضوا متحمّسا بارزا في حركة الخلافة، وقام بخدمات مشكورة، في خصوص جمع التبرّعات للدولة التركية، وذلك عندما اندلعت نار الحرب في منطقة "بلقان" عام ١٣٣٣ هـ، الموافق عام ١٩١٤ م، كما أنه بقي عضوا في اللجنة التنفيذية لجمعية علماء الهند لمدّة طويلة، وزعيما كبيرا من صفّ الرعيل الأول من قادتها. إلا أنه استقال عن الجمعية عندما حدث بينه وبين قادة الجمعية الآخرية خلاف في قضية الوطني الموحّدة، وانضمّ إلى العصبة الإسلامية، التي كانت تطالب بإنشاء دولة مستقلّة للمسلمين، وأصبح زعيما بارزا فيها بالإضافة إلى أنه تم ترشيحه من قبل العصبة لعضوية لجنة كانت قد شكلت لإعداد دستور البلاد، وذلك عن طريق الانتخابات، التي جرت في عام ١٣٦٥ هـ -١٩٤٦ م، كما أنه اختير عضوا لمجلس وضع الدستور لـ "باكستان" كممثل "البنغال الشرقية" (بنغلاديش حاليا). ولما تم توزيع البلاد إلى "الهند" و"باكستان" عام ١٣٦٦ هـ هاجر مع أسرته إلى "باكستان"، فإنه كان في طليعة من العلماء المسلمين، الذين شمّروا عن ساق جدّهم لتمهيد السبيل إلى إنشاء دولة مستقلّة للمسلمين، وألّفوا كتبا وكتيبات كثيرة، وألقوا خطبا حماسيّة، وقاموا بجولات في مناطق "الهند" كلّها لأجل توعية الشعب المسلم بالحاجة الأكيدة إلى إنشاء "باكستان"، كما أنه تحمّل كلّ مشقّة، وضحى بكلّ غال ونفيس، واستعذب كلّ مصيبة في هذا السبيل، وساهم في إعداد مشروع القانون الإسلامي للحكومة البكستانية، وقام بنشاطات علمية دينية وسياسية متنوعة في "باكستان". وبعد أن فرغ من تحصيل العلوم انتخب مدرّسا في المدرسة الإسلامية الواقعة في جامع فتح فوري "دهلي"، وعيّن رئيس المدرّسين بها، ثم ١٣٢٨ هـ دعاه أرباب جامعة دار العلوم بـ "ديوبند"، وعيّنوه مدرّسا للدراسات العليا، فدرّس، وأفاد، وحدّث، أجاد، ومن أهمّ الكتب التي درّسها "صحيح الإمام مسلم القشيري" رحمه الله تعالى. استمرّ في التدريس في جامعة ديوبند الإسلامية إلى ١٣٤٦ هـ، ثم رحل إلى الجامعة الإسلامية بـ"دابيل" مع رفقائه الأعالم، كشيخ المحدّثين محمد أنور شاه الكشميري، والشيخ المفتي عزيز الرحمن الديوبندي، فأقام هناك يدرس الحديث والتفسير عدّة سنين، وبعد أن توفي العلامة محمد أنور شاه الكشميري انتخب شيخ الحديث في الجامعة المذكورة، ثم في ١٣٥٤ هـ عاد إلى جامعة ديوبند الإسلامية بأمر من حكيم الأمة التهانوي، وآخرين من كبار العلماء، وعيّن عميدها، ولم يزل على هذا المنصب الجليل إلى ١٣٦٢ هـ، ثم استقال من هذا المنصب، وعاد إلى "دابيل". من تلاميذه رحمه الله تعالى: المفتي محمد شفيع الديوبندي، المفتي الأكبر بـ"باكستان"، والشيخ محمد إدريس الكاندهلوي، (شيخ الحديث في الجامعة الأشرفية سابقا)، والشيخ أبو المآثر حبيب الرحمن الأعظمي (صاحب تعليقات كثيرة على كتب الحديث)، والشيخ المحدّث مولانا السيّد بدر عام الميرتهي، ثم المهاجر المدني، صاحب "ترجمان السنّة"، والشيخ السيّد مناظر أحسن الجيلاني، والشيخ الكبير حفظ الرحمن السيوهاروي، صاحب "قصص القرآن"، والشيخ القارئ محمد طيّب القاسمي (رئيس جامعة دار العلوم بديوبند سابقا)، والشيخ محمد يوسف البنورى، صاحب "معارف السنن"، ومؤسّس جامعة العلوم الإسلامية بكراتشى)، والشيخ أطهر على السلهتي، والشيخ سعيد أحمد الأكبر أبادي، صاحب مولّفات جليلة. ولما وادع الإنكليز "الهند" بجهود أكابر علماء جامعة ديوبند الإسلامية، وانقسم "الهند" إلى دولتين: "الهند"، و"باكستان" أقام صاحب الترجمة في "باكستان"، لم يزل يفيد العامة والخاصة، ويشير أعضاء الدولة الباكستانية لتطبيق القوانين الإسلامية، ويرجع الفضل الكبير إليه في اقتراح قرار أساسي لدستور الدولة الباكستانية، أعلن فيه أن الدول تهدف إلى إيجاد كيان إسلامي في أضواء كناب الله وسنّة رسوله ﷺ، وذلك القرار باق في دستور "باكستان"، حتى اليوم ديباجة له. حجّ البيت في ١٣٢٨ هـ، ثم في ١٣٤٤ هـ، وكانت هذه الزيارة في أوائل تسلّط آل سعود على "الحجاز"، وقد دعا الملك عبد العزيز ﵀ علماء "الهند" في ذلك العام يشاور في بعض الأمور الدينية، فبعثوا بعثا تحت قيادة الشيخ رحمه الله تعالى. لم يزل طول حياته الشريفة مشغولا بالتأليف مع صروف الدهر وأشغال الدروس والأمور السياسية، فصنّف كتبا كثيرة، يزيد عددُها على عشرين كتابا، من أجلّها: "تفسير القرآن العظيم" بالأردية، وهو تفسير عزيز القدر، طبع مرارا في "الهند" و"باكستان"، وتلقّاه العلماء الكبار بالقبول العظيم، أودع فيه المعارف والأسرار بأسلوب ينشرح به قلبُ القارئ، وقد قامت الحكومة الأفغانية بترجمته إلى الفارسية، وأرسلتها هدية إلى دار العلوم ديوبند. ومن أعظم مؤلّفاته ﵀: "فتح الملهم بشرح صحيح مسلم"، ولقد هبّ على هذا الشرح نسيمُ القبول بين العلماء الفحول في العرب والعجم، وأثنى عليه كبار المحدّثين. توفي رحمه الله تعالى في ٢١ صفر ١٣٦٩ هـ في"بهاولفور بنجاب"، ونقل جثمانه إلى "كراتشي"، وصلى عليه مات من الناس، ﵀، وجعل جنّة الفردوس مثواه. * * *