page 3129, entry [2567]Open original source
٢١٣٥ - الشيخ الفاضْل سليمان بن أبي الحسن الحسيني ، الزيدي، الدسنوري، البهاري، أحد العلماء المبرّزين في الفنون الأدبية ونوابغ الفضلاء والمؤلفين في القارة الهندية *. ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد لسبع بقين من صفر سنة اثنتين وثلامائة وألف. ونشأ بـ "دِسْنه" -بكسر الدال وسكون السين المهملتين- قرية من أعمال "بهار" بكسر الباء الموحّدة، وقرأ مبادئ العلم على صنوه، الشيخ أبي حبيب النقشبندي، وسافر سنة ستّ عشرة وثلاثمائة وألف إلى "بهلواري"، ومَكَثَ هناك عاما، وقرأ بعض الكتب الدراسية على الشيخ الجليل محي الدين المجيبي البهلواروي، ثم سافر إلى المدرسة الإمدادية في "دَرْبَهنْكَه" ومكث هناك سنة، وقرأ بعض الكتب المتداولة، ثم سافر إلى "لكنو"، والتحق بدار العلوم ندوة العلماء (¬١) سنة ثماني عشرة وثلاثمائة ألف، وبقي فيها خمس سنوات، وقرأ فاتحة الفراغ، ونال الشهادة سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وألف، قرأ في دار العلوم على المفتي عبد اللطيف السنبهلي، والسيّد علي الزيني الأمروهوي، والمولوي شبلي بن محمد علي الجيراجبوري، والشيخ الفاضل حفيظ الله البندولي، والعلامة فاروق بن علي العبّاسى الجرياكوتي، وبعض الكتب الأدبية على مؤلف هذا الكتاب. وتأدّب على العلامة شبلي بن حبيب الله البندولي، واستفاد منه استفادة عامة، واختصّ به، ولازمه، وتداول نيابة تحرير مجلة "الندوة" ثلاث مرّات بين عام أربع وعشرين وثلاثمائة وألف، وعام ثلاثين وثلاثمائة وألف، ولفت الأنظار بمقالاته العلمية، التي تدل على نبوغه، وتبشر بمستقبل الكاتب، وعيّن أستاذا في دار العلوم سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف للغة العربية وأدبها، واستقدمه مولانا أبو الكلام سنة ثلاثين وألف إلى "كلكته"، فشاركه في تحرير صحيفة "الهلال"، ومكث هناك سنة، واختير أستاذا للألسنة الشرقية في كلّية بونا التابعة لجامعة بمبئ سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف، وأقام فيها نحو ثلاث سنوات، يدزس آداب اللغة الفارسية، وحاز ثقة الأساتذة والطلبة. وطلبه أستاذه العلامة شبلي بن حبيب الله النعماني حين حضرته الوفاة، وشعر بدنو الأجل، وفوّض إليه إكمال سلسلة "سيرة النبي" على صاحبها الصلاة والسلام- التي بدأها، ونظّارة دار المصنّفين، التي أسّسها، توفي أستاذه على إثر ذلك، فنهض بأعباء هذه المؤسّسة، وخلف أستاذه فيها، وانقطع إليها كلّيا، وذاك في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف. وتولى رياسة تحرير مجلّة "المعارف" الشهرية، وعكف على التأليف والتحقيق مكبّا على إكمال "سيرة النبي"، مشاركا في حركة الخلافة مسايرا لعواطف المسلمين مع الاحتفاظ بأشغاله العلمية وذوقه الأدبي وطبعه الهادي، فأحرز بذلك مكانة خاصّة من بين العلماء والمشتغلين بالسياسة، واختير عضوا في وفد الخلافة الذي قرّر إرساله إلى عاصمة الجزائر البريطانية سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف ليبلغ إلى أركان الدولة وجهة نظر مسلمي "الهند" في الخلافة العثمانية وارتباطهم بقضيّتها، فرافق الزعيم المسلم الشهير محمد علي الرامبوري، والسيّد حسين البهارى وغيرهما، فقابل أركان الدولة وقادة الرأي في "أوربا" ورجال السياسة في العالم الإسلامي، وزار "لندن" و"باريس" القاهرة، وقاد وفد الخلافة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف إلى "الحجاز" للإصلاح بين الملك عبد العزيز والشريف حسين، وعقد الملك عبد العزيز بن سعود مؤتمرا للعالم الإسلامي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف، ودعا علماء المسلمين وزعمائهم ليقرّروا مصير البلاد، وقرّر المسلمون إرسال وفد، واختاروه رئيسا للبعثة، واختير نائب الرئيس لحفلات المؤتمر، ودعاه الملك نادر خان ملك "أفغانستان" في رجب سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وألف، ليستفيد من تجاربه ودراساته في سياسة البلاد التعليمية وتوجيه المعارف في "أفغانستان"، فرافق الدكتور محمد إقبال والسيّد رأس مسعود، وزار "كابل" و"غزنين"، وأكرمه الملك، واحتفت به البلاد، ومنحته جامعة "علي كره" الإسلامية شهادة الدكتوراة الفخرية في الآداب لستّ خلون من صفر سنة ائنتين وستين وثلاثمائة وألف اعترافا بمكانته العلمية، وعلوّ كعبه في العلوم والآداب. وكان مع انقطاعه إلى العلم والتحقيق وشهرته التي طبقت الآفاق يحن إلى إكمال نفسه ونيل درجة الإحسان، ويشعر بحاجة إلى من يرشده في دقائق إصلاح النفس وكمال الإخلاص والتحقيق، وساقه سائق التوفيق والمناسبة العلمية إلي مولانا أشرف على التهانوي، وبايعه في رجب سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وألف، وأذعن له بالثقة والاعتماد والتفويض والانقياد، ونال عند شيخه الزلفى في أقلّ مدّة، فأجازه، واستخلفه لعشر خلون من شوّال سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف. واستقدمه النوّاب حميد الله خان والي "بوفال" ليتولى رياسة القضاء في الإمارة ورياسة الجامعة الأحمدية، والإشراف على التعليم الديني والأمور الدينية في "بوفال"، فأجابه إلى ذلك لميله إلى الاعتزال عن دار المصنّفين لمدّة، وقصد "بوفال" في رجب سنة خمس وستين وثلاثمائة وألف، وأقام فيها ثلاث سنوات، واشتغل بالدرس والافادة ونصح المسلمين، وحجّ سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وألف الحجّة الأخيرة. وألغيت إمارة "بوفال"، وضمّت إلى الحكومة الهندية، واضطربت الأحوال، فاستقال من وظيفته في المحرّم سنة تسع وستين وثلاثمائة وألف، وكان بعض أركان حكومة "باكستان" وقادتها الذين يعرفون منزلته العلمية وتبصّره في العلوم الدينية يدعونه إلى "باكستان". ليشارك في وضع الدستور الإسلامي للحكومة الوليدة، وقد أجابهم إلى ذلك في شعبان سنة تسع وستين وثلاثمائة وألف، وقرّر الأقامة في "باكستان"، واختير رئيسا للجنة التعليمات الإسلامية، إلا أن هذه اللجنة لم تستطع أن تكمل مهمّاتها، وحلت بعد مدّة قصرة، ولم يجد السيّد ماكان يؤمله من التشجيع والتقدير في مقاصده الدينية والعلمية، وتعرض لحسد بعض العلماء واستهانة ولاة الأمر بقيمته ومكانته، وعاش بقيّة عمره في عفاف وقناعة، وعزّة نفس واشتغال بخاصية النفس، والمطالعة والبحوث العلمية، واختاره بجمع فؤاد الأول في "مصر" عضوا مراسلا في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف، ورأس بعفض الحفلات العلمية الكبيرة، كتب بحوثا علمية، وأشار على ولاة الأمر وعلماء البلاد بما يرى فيه الخير والسّداد لسلامة البلاد ومستقبلها، وبقي مشغولا بالذكر والعبادة والتربية والإفادة إلى أن وافاه الأجل غرّة ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف، وحضر جنازته كبار العلماء وأعيان البلاد وسفراء الحكومات الإسلامية والعربية، ودفن بحوار الشيخ شبير أحمد العثماني. كان السيّد سليمان الندوي ربع القامة، مائلا إلى القصر، له وجه مشرق، تلوح عليه أمارات الهدوء والسكينة، ويعلوه الوقار والرزانة، له لحية كثّة مستديرة، وحبين واسع زاهر، ممتلئ الوجنتين، واسع العينين، تشفان عن ذكاء وحياء، أزجّ الحاجبين، ورقيق الشفتين، نقيّ اللون، بين سمرة وبياض، نظيف الملابس دائما، لا يراه الناس قطّ في وسخ وتبذّل، ملتزما للعمامة في الأسفار والمجامع، مقلا من الكلام، كثير الصمْت، دائم الفكرة، امتزج العلم بحلمه ودمه، فلا يعني إلا به، ولا يتحدّث إلا عنه، مديم الاشتغال بالمطالعة والبحث، دائم المذاكرة للعلماء في العلم والدين، سلس القريحة، سائل القلم في التأليف والتصنيف، ليست الخطابة في المجامع العامّة والخوض في السياسة من طبعه وذوقه، فلا يتقدّم إلى ذلك إلا متكلّفا أو مضطرًا، راسخا في العلوم العربية وآدابها، عالي الكعب، دقيق النظر في علوم القرآن وعلم التوحيد والكلام، واسع الاطلاع، غزير المادّة في التاريخ، وعلم الاجتماع والمدينة، منشئا صاحب أسلوب أدبي في اللغة الأردية، كاتبا مترسّلا في اللغة العربية، شاعرا مقلا في اللغتين مع إحسان وإجادة، حليما صابرا يقهر النفس، ويتسامح مع الأعداء والمعارضين، ضعيف المقاومة في شؤونه الشخصية، يتحمّل ما يرهقه، ويشقّ عليه. كان من كبار المؤلّفين في هذا العصر، ومن المكثرين من الكتابة والتأليف، مع سعة علم ودقّة بحث وتنوع مقاصد. له تكملة "سيرة النبي" لأستاذه في خمسة مجلّدات كبار، تعتبر دائرة المعارف في السيرة النبوية والعقيدة الإسلامية، و"خطبات مدارس" من خير ماكتب في السيرة النبوية، ونقل إلى الإنكليزية والعربية، و "أرض القرآن" في مجلّدين في جغرافية القرآن، و"سيرة عائشة"، و"سيرة مالك"، و"خيام"، و"نقوش سليماني" في البحوث اللغوية والأدبية، و"حياة شبلي" في سيرة أستاذه، و"عرب وهند كى تعلقات"، (الصلات بين العرب والهند)، و"عربون كى جهاز رانى"، (الملاحة عند العرب)، وله غير ذلك من البحوث العلمية والمقالات الكثيرة، التي تحويها مجلّدات "المعارف" الكثيرة. ومن شعره الرقيق الرائق، وهو يصف الشمس عند مغيبها: كأنما الشفق الممتد في الأفق … خمر معتقة شجت لمغتبق خر يعتقها أعلى همالية … شجت بماء غمام هامر غدق كف الطبيعة تسقي الناس أكؤسها … ويل لمن هذه الصهباء لم يذق تحسو القلوب حمياها إذا نظرت … إلى السماء لإقداح من الحدق والطير تشربها حينا تروح إلى … أوكارها صافرات السجع في حلق والريح سائرة في روضة أنف … ضدي السرور إلى حوباه منتشق دن من القهوة الصهباء في الأفق … والكأس تطفو به لا الشمس في الشفق بل أنه برقع قان له شية … والشمس وجه حبيب بالحجاب بقي بل إنما الشمس من أعمارنا قتلت … يوما فسال دم كار من العنق فذلك الشفق المحمر من دمه … وقبره ليله المستور بالغسق ومن شعره وهو يذكر الرضا بالقضاء: يا أيها الناس ما دمتم على الأرض … لا تخلصون من الإبرام والنقض فإن ما قدر الرحمن قاضيكم … من شدة ورخاء كله يمضي ويقول وهو يحثّ الصبر على المكاره. لا تغتر بسرور ذاهب فان … ولا تهم بهم نفس إنسان فبعد ما أكل الإنسان أكلته … حلوّ الضريب ومر الصبر سيان ويذكر معنى الموت فيقول: إن الحياة كتاب وهو متسق … كل يومك من أيامه ورق لا الموت معناه إلى أن تفرقه … الريح فتنتشر الأوراق تفترق وينكر على خشية الموت ويقول: حتام تخشى المنايا فهي آتية … وينفذ الموت أعدادا من النفس إن الحياة ثياب والردي دنس … حتى متى تتقي الأثواب من دنس كانت وفاته في الرابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وئلاثمائة وألف في "كراتشي"، وشيعت جنازته بجمع حافل من العلماء والأعيان، ودفن قريبا من ضريح العلامة شبير أحمد العثماني. * * *