page 3026, entry [2494]Open original source
٢٠٦٢ - المولى المعظّم، والمفتى المفخّم، أبو السعود بن محمد بن مصطفى العماد *. وكان أبوه من جملة من خلّصَ نفسنه السرية عن الكدرات البشرية، وجمع بين الشريعة والطريقة، مع التضلّع من العلوم الرسمية بالحقيقة، وقد وقع نبذة من بحار سماء مآثره، وقطرة من مواطر سحائب مفاخره في (الشقائق النعمانية". ولد رحمه الله تعالى سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، وبقرية قريبة من "قسطنطينية" المحميّة، من خواصّ أوقاف الزاوية، التي بناها السطلان بايزيد خان عليه الرحمة والرضوان للشيخ محي الدين المسفور، والد المولى المزبور، وقد مهد له في مهده الصواب، وسخر له أبيات الخطاب، وتربى في حجر العلم، حتى رباه، وارتضع ثدي الفضل إلى أن ترعرع رحبا، ولا زال يخدم العلوم الشريفة، حتى رحب باعه، واستد ساعده، واشتدّ اتساعه. وقد استفاد من الأجلّة الكرام والأعزّة الفخام على ما دكره نفسه في صورة الإجازة للشيخ عبد الرحمن المشتهر بشيخ زاده، فلانطيل الكلام بالتكرار والإعادة. وقد نقل عنه رحمه الله تعالى أنه قال مرّة: قرأتُ على والدي الشيخ محي الدين "حاشية التجريد" للشريف الجرجاني من أول الكتاب إلى آخره، مع جميع الحواشي المنقولة عنه، وقد قرأتُ عليه "شرح المفتاح" للعلامة المسفور مرّتين، و "شرح المواقف" له أيضا بالتمام والكمال، ولما صار ملازما من المولي سيّدي جلبي قلّد التدريس في "مدرسة كقري" بخمسة وعشرين، فتردّد في القبول، فنقل في أثنائه إلى مدرسة إسحاق باشا ببلدة ابنه كول بثلاثين، ولما انتقل عنها قلّد بعد عدّة أشهر مدرسة داؤد باشا بمدينة "قسطنطينية" بأربعين، ثم نقل عنه إلى مدرسة علي باشا بالمدينة المزبورة بخمسين، ولما بنى الوزير مدرسته، التي بقصبة "ككويزه" نقل إليها، ثم نقل إلى مدرسة السلطان محمد بمدينة "بروسه"، ثم نقل إلى إحدى المدارس الثمان. لم يزلْ يفتح أقفال المشكلات، ويسهل طريق المغضَلات، ويبت كنوز الرموز، يلقى مكامن بحار اللطائف على سواحل الظهور والبروز، ويجيب عن الأسئلة السداد بأجوبة حسان، إلى أن دعى من جانب ربّه إلى رياض الجنان. وكان ذلك في أوائل جمادى الأولى من شهور سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة. وقد حضر جنازته العلماء والوزراء، وسائر أرباب الديون، وخلق لا يحصون كثرة، وشهدوا له بالرحمة والرضوان، وصلى عليه المولى سنان محشّى "تفسير البيضاوي" في جامع السلطان محمد خان، وذهبوا به إلى جوار أبي أيوب الأنصاري، وهم يبالغون في ثنائه، ودفنوا في حظيرة، أعدّها لنفسه وأبنائه. وله ﵀ حاشية على "العناية" من أول كتاب البيع من "الهداية"، تسعها عدّة من الكراريس والأوراق، وقد منع الزيادة وكثرة القيود وتواتر الفتوى من الآفاق. وكان ﵀ طويل القدّ، خفيف العارضين، غير متكلّف في الطعام واللباس، غير أن فيه نوع مداهنة واكتراث بمداراة الناس، وفيه الميل الزائد، والنعومة إلى أرباب الرياسة والحكومة. وكان ﵀ ذا مهابة عظيمة، وتؤدة جسيمة، فلمّا يقع في مجالسه للعظام المبادرة بالخطاب والكلام، وكان واسع التقرير، سائغ التحرير، يلتقط الدر من كلمه، ويتناثر الجوهر من حكمه، إذا نثر تراه بحرا زاخرا، وإذا نظم قلد جيد البيان درا فاخرا. قال الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى: سيجئ ذكر والده، وقد طالعت تفسيره، وانتفعت به، وهو تفسير حسن، ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، متضمّن لطائف ونكات، ومشتمل على فوائد وإشارات. وقال صاحب "الكشف"، وانتشرت نسخه في الأقطار، ووقع له التلقّى بالقبول، من الفحول الكبار، لحسن سبكه، ولطف تعبيره، فصار يقال له: خطيب المفسّرين، ومن المعلوم أن تفسير أحد سواه بعد "الكشّاف" والقاضى لم يبلغ إلى ما بلغ من رتب الاعتبار والاشتهار، انتهى. وفي "النور السافر في أخبار القرن العاشر" للشيخ عبد القادر بن عيدروس (¬١) الهندى في سنة ٩٨٢ هـ توفي الشيخِ الإمام والحبر الهمام العلامة أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى بن عماد الأسكليبي، نسبة إلى "أسكليب" قصبة من نواحى "الروم"، المشهور قاضى السلطان سليمان صاحب التفسير، ولد في "أسكليب" تاسع عشر صفر سنة ٨٩٦ هـ، ووالدته بنت أخى مولانا علاء الدين القوشجي، ووالده كان من أهل العلم والصلاح، كذا قيل، وتربى صاحب الترجمة في حجر والده، وحفظ كتبا، منها "المفتاح" للسكّاكي، فامتاز بفصاحة العرب العرباء، واشتغل بفنون الأدب، ودخل إلى القضاء، وأخذ عن جماعة من علماء عصره، وانتهت إليه رياسة الفتيا والتدريس. قال الشيخ قطب الدين المفتي: اجتمعت به في الرحلة الأولي، وهو قاضي "إستانبول" سنة ٩٤٣ هـ، فرأيته فصيحا، وفي الفن رجيحا، فتعجّبت من تلك العربية ممن لم يسلك ديار العرب، ولا محالة أنها من منح الرب، ثم ولي سنة ٩٤٤ هـ، قضاء العسكر، وصار يخاطب السلطان في الأمر والنهي، ثم في سنة ٩٥١ هـ، ولي منصب الإفتاء، انتهى ملخصا. انظر: الفوائد البهية ص ٨٢. * * *