page 2869, entry [2391]Open original source
بعض ما قيل في الموازنة بين زفر وأبي يوسف: قال ابن أبى العوام: حدّثني محمد بن أحمد بن حماد الدولابي، قال: سمعت محمد بن شجاع الثلجيَّ أبا عبد الله، قال: سمعت بعض البصريين يقول: لما قدم زفر "البصرة" لقوه، فسألوه، فأعجبوا به، فبلغه أنهم قالوا: ما رأينا مثل زفر في الفقه، هو أعلم الناس. فقال زفر وبلغه ذلك: كيف لو رأيتم أبا يوسف اهـ؟. وحدّث عن الطحاوي عن ابن عمران عن محمد بن سلمة البلخي عن شدّاد، قال: سمعت زفر يقول: يعقوب - يعني أبا يوسف أفقه من أتى. اهـ. وبهذا وذاك يكون زفر فضَّل أبا يوسف على نفسه -رحم الله تلك النفوس الطاهرة ما كان لهوى النفس سلطان عليهم-، وكانت خدمتهم في العلم بإخلاص لله وفي الله، فبارك لهم في علومهم، وما غرّهم ثناء الناس عليهم، بل وقفوا موقف اتّهام النفس، -نفعنا الله بعلومهم-. ومما يروى في تفضيل زفر على أبي يوسف ما حدّثه ابن أبي العوام عن الطحاوي، عن أبي خازم عبد الحميد القاضي أنه سمع بكرا العمّي، يقول: سمعت محمد بن سماعة يقول عن محمد بن الحسن، قال: حضرت زفر وأبا يوسف يتناظران، فكان أبو يوسف يقهره بكثرة الرواية عن أبي حنيفة والأخبار، فإذا صار إلى المقايسة قهره زفر. اهـ. وأسند عن أبي بشر عن أحمد بن القاسم، حدّثني أبو حفص المروزي، عن بشر بن يحيى، عن خالد بن صبيح، قال: رحلت إلى أبي حنيفة، فنعى إلىّ في الطريق، فدخلت مسجد "الكوفة"، فإذا الناس كلّهم على زفر بن الهذيل، وعند أبي يوسف رجلان أو ثلاثة. اهـ. لعلّ هذا كان في مبدأ الأمر، ثم علا شأن أبي يوسف بكثرة الآخذين عنه، بحيث لا يلحقه لاحق، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد: الآية ٢١]. ومما ذكره ابن أبي العوام بسنده إلى الفضل بن دكين: كان زفر يجلس إلى أسطوانة، وأبو يوسف بحذائه، وكان زفر يلبس قلنسوة بيضاء فخمة، فكانا يتناظران في الفقه، وكان زفر ركينا، حيّد اللسان، وكان أبو يوسف يضطرب في مناظرته، فربما سمعت زفر يقول لأبي يوسف: أين تفرّ؟ هذه أبواب "كندة" مفتحة، فخذ في أيّها شئت. اهـ. وأبواب "كندة" أبواب لقبائل "كندة" في "الكوفة" معروفة، ووقع في بعض النسخ (أبواب كثيرة) بدل أبواب "كندة"، والمعنى صحيح في اللفظين، ولفظ الصيمري يسنده إلى محمد بن سماعة: كان زفر يستند إلى أسطوانة، وكان رجلا ركينا، فينتصب، فلا يزول، وكان أبو يوسف إذا ناظره يكثر الحركة، حتى يجيئ، فيجلس بين يديه، أو قال بالقرب منه، فكان زفر يقول: إن هذه أبواب "كندة"، فإن أردت أن تفرّ فخذ في أيّها شئت. وذكر عن وكيع ما نصّه: لما مات أبو حنيفة أقبل الناس على زفر فما كان يأتي أبا يوسف إلا نفر يسير، النفسان والثلاثة. فكأن جو "الكوفة" صفا لأبي يوسف بعد انتقال زفر إلى "البصرة"، بالنظر إلى هذه الروايات، على أنه ليس بقليل في الروايات ما يفضل جانب أبي يوسف، منها كون أبي يوسف أوسع صدرا بالتعليم من زفر، ومنها ما ساقه الخطيب بطريق حمّاد بن أبي حنيفة أنه قال: رأيت أبا حنيفة يوما، وعن يمينه أبو يوسف، وعن يساره زفر، وهما يتجادلان في مسألة، فلا يقول أبو يوسف قولا إلا أفسده زفر، ولا يقول زفر قولا إلا أفسده أبو يوسف إلى وقت الظهر، فلمّا أذن المؤذن رفع أبو حنيفة يده، فضرب بها على فخذ زفر، وقال: لا تطمع في رياسة ببلدة فيها أبو يوسف، قال: وقضى لأبي يوسف على زفر، وفي معناه ما ذكر الخطيب بسنده عن عبد الرزاق بن همام عن محمد بن عمارة أنه قال: رأيت أبا يوسف وزفر يوما افتتحا مسألة عند أبي حنيفة من حين طلعت الشمس إلى أن نودي بالظهر، فإذا قضى لأحدهما على الآخر، قال له الآخر: أخطأت ما حجتك؟ فيخبره حتى كان آخر ذلك أن قضى لأبي يوسف على زفر حين نودي بالظهر، فقام أبو يوسف، قال: فضرب أبو حنيفة على فخذ زفر، وقال: لا تطمعنّ في الرياسة بأرض يكون هذا بها. وحضور الأستاذ في المناظرة بين تلميذيه هكذا ومصارحته لهما بالصواب والخطأ طريقة بديعة في التدريب على المناظرة في العلم، ومنهج رائع في شحذ الأذهان وتنمية الملكات، وعلى كلّ حال هما كانا كفرسي رهان، حتى إن أبا حنيفة قال يوما: أصحابنا هؤلاء ستة وثلاثون رجلا، منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، ومنهم ستة يصلحون للفتاوى، ومنهم اثنان يصلحان يؤدّبان القضاة، وأصحاب الفتوى، وأشار إلى أبي يوسف وزفر، كما أخرجه الخطيب في "تاريخه" بسنده، وهذا شهادة من الإمام الأعظم في حقّها أنهما بلغا أعلى درجات الاجتهاد عند ما نطق بهذا الحكم. وساق أيضا بطريق إسماعيل بن حماد: كان أصحاب أبي حنيفة عشرة: أبو يوسف، وزفر، وأسد بن عمر، والبجلي، وعافية الأودي، وداود الطائي، والقاسم بن معن المسعودي، وعلي بن مسهر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وحبّان، ومندل ابنا علي العنزي. ولم يكن فيهم مثل أبي يوسف وزفر، وهؤلاء العشرة هم أكابر أصحاب أبي حنيفة، الذين دوّنوا الفقه معه، كما سبق في رواية الصيمري عن الطحاوي. وفي "طبقات علي القاري": قال شدّاد بن حكيم: سألت أسد بن عمرو: أبو يوسف أفقه أم زفر؟ فقال: زفر أروع. قلت: عن الفقه سألتك، فقال: يا شدّاد! بالورع يرتفع الرجل. ومثله في "مناقب الكردري"، وهذان الإمامان العظيمان اللذان هما كفرسي رهان عند أهل النقد يقول عنهما الصيمري: ما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبي بكر الدامغاني عن الطحاوي عن ابن أبي عمران عن وليد بن حماد ابن أخي الحسن بن زياد، قلت لعمّي الحسن بن زياد: رأيت زفر وأبا يوسف عند أبي حنيفة، فكيف رأيتهما، قال: رأيتهما كعصفورين انقض عليهما البازي. اهـ. وحكى القارئ عن أبي مطيع: زفر حجّة الله على الناس فيما بينهم يعملون بقوله، وأما أبو يوسف فقد غرّته الدنيا بعض الغرور، ومثله في "مناقب الكردري"، هكذا يكون كلام الناس فيمن ولي الأحكام، مع أنه لا تصلح أحوال الناس إلا بقضاة عدول، فمن تولّى القضاء وعدل فهو القائم بأشقّ الأمرين، فيستحقّ الإجلال، ولقد صدق ابن الوردي، حيث قال: إن كل الناس أعداء لمن … ولي الأحكام هذا إن عدل. ولذا طال لسان بعض الناس في أبى يوسف مع ما شهر عنه من العدل في الأحكام. وقد حكى جماعة عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال: أكره زفر على أن يلي القضاء، فأبى وهدى منزله، واختفى مدّة، ثم خرج، وأصلح منزله، ثم هدم ثانيا، واختفى كذلك، حتى أعفي عن تولي القضاء ﵀.