Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

زهده الفريد وعفافه النادر

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 2819, entry [2370]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 2819, entry [2370]Open original source
زهده الفريد وعفافه النادر: كان الكوثري في زهده مثلا حيّا لاسمه زاهد، وكان في عفافه مترفّعا عن الدنيا وعن أهلها إلى حدّ قد لا يتصوّر -ولا أستسيغ أن أذكر هنا بعض ما أعرف من نوادر عفافه، لأنه كان يستحيي من ذكرها، ويتأذّى من الكلام عن عسره- ولذا يكفيني والله ﷾ يعلم صدقي أن أقول: إن المترجم كان على قلّة ذات يده، أعفّ من رأيت -وإذا كان التعفّف عن الدنيا في هذا الزمان أضحى متعسّرا على الميسورين، مستحيلًا في حقّ المملقين، فإن الله ﷾ أراد خرق هذه الاستحالة، فأوجد لنا معسِرًا عفيفًا، هو الزاهد الكوثري. ومن فضائله الجمّة عزوفه التامّ عن المماكسة، وقد كتب لي السيّد حسام الدين القدسي، يقول: ضمن كتابه عن الأستاذ لما لقيه عند قدومه لـ "دمشق" أول مرة- في دار الكتب الظاهرة (وعاشرته، فرأيت من خلقه أنه لا يساوم بائعًا، ولكن إذا تحقّق من غشّه تركه ولم يعامله. وأخبرني الشيخ عبد الله الحمصي أنه كان في مستشفى الجمعية الخيرية الإسلامية يعطى ثلاثة من الممرضين ثلاثين قرشًا يوميّا، ويعطي اثنين يساعدانه في الحمام للغسل كلّ أسبوع مائة قرش لمرة واحدة، يغتسل فيها في الأسبوع، ويساعدانه على تنظيف جسمه، ويقول للشيخ عبد الله: جرت عادة بعض المنتمين إلى سلك المشايخ أو العلماء على التقتير الشحّ والمساومة و … فيجب أن نقتلع من رؤوس الناس هذه الفكرة عنهم اهـ). قلت: وبهذه المناسبة أذكر أن سبب حرصي على التعرّف إليه، والتلمّذ عليه، هو أني لقيته بمكتبة المرحوم السيّد محمد أمين الخانجي، المتوفّى سنة ١٣٥٨ هـ، وهو يلحّ على الخانجي في أن يأخذ أكثر مما طلب، ويقول له: الكتاب يساوي أكثر، وإنما أنت تحطّ من السعر لأجلي، وهذا أمر لا أقبله، والخانجي يصمّم على الرفض، ويقول: إن الثمن الذى أطلبه فيه ربح لي، فعجبت من هذه المحاورة التي يندر حدوثها قديمًا وينعدم حديثًا، وأحببتُ أن تكون لي صلة بهذا العالم الفاضل الذي لا يريد استغلال علمه في أي ناحية مادية، وقد تَمّ لي ذلك بحمد الله، وكنت أنا الفائز بتلقي العلم على علّامة عصره. ومما هو مشهور بين عارفيه أنه كان لا يقبل أجرًا على تعليمه أحدًا، ولا على تصحيحه كتابًا، بل كان قول ما قاله للسيّد حسام الدين القدسي لما عرض عليه مائة نسخة من كل كتاب صحّحه من مطبوعاته: (هل يجتمع هذا مع الأجرة في الآخرة)، فسكت القدسي. ولما اشتدّت به العلّة في أُخريات أيامه، وأرهقته أسباب العلاج شرع في بيع كتبه، وامتنع بتاتًا من قبول المعاونات المادية، التى عرضها عليه بعض الفضلاء من تلامذته. وقد عرض عليه في السنة الأخيرة من حياته أستاذان من أساتذة الجامعة، هما أبو زهرة والخفيف أن يلقى بعض الدروس في الشريعة بجامعة فؤاد الأول، فاعتذر وألحا فأصرّ، فلما عاتبته في ذلك، قال: إن هذين الفاضلين عرضا ما عرضاه لاطمئنانهما بأني سأقوم بواجب التدريس كما ينبغي، وصحتي لا تسمح لي بذلك الآن، ولا أستحلّ لنفسي، وقد أوشك الأجل على الانتهاء أن ألتزم القيام بأمر أثق بأني عاجز عنه، اهـ. قلت: ولو أن كل مسلم امتنع من أخذ أجر ما لا يقوم به لامتلأت خزائن الدول الإسلامية، ولا سيما الحكومة المصرية مما يتوفّر لها من ذلك. وقد ظلّ طول إقامته بـ "مصر" يؤلّف، ويدرّس، وينصح، ويرشد ما وجد إلى ذلك سبيلًا. وكان يشير على تلامذته بطبع النافع من الكتب ونشرها، وكان ممن سمع له السيد عزّت العطّار، فطبع كثيرا من نفائس المخطوطات بإشارته. وكان المغفور له الصديق النبيل الشيخ مصطفى عبد الرزاق يجلّ أستاذنا، ويبجله، ولا غرو، فالفضل يعرفه ذووه، ولما رأى شيخنا حرص شيخ الأزهر على الإفادة من توجيهاته كتب تقريرًا ضمنه ما يراه لإصلاح الأزهر، وإحياء علم الحديث الذي اندثر من "الديار المصرية" بعد أن كان فيها أشهر حفاظه. ولكن موت الشيخ مصطفى في ربيع الأول سنة ١٣٦٦ هـ جعل هذا التقرير يحفظ ضمن المهملات التي يحفظ فيها كلّ مشروع نافع في "مصر". ولا يزال التقرير موجودًا، ولعلّ شيخ الأزهر الحالي، وهو ممن يعرفون فضل شيخنا يعمل على بعثه والإفادة مما فيه، والله وليّ التوفيق.
Parsing and provenance details
Local passage ID
1093505
Book record
shamela-819
Source record
1108544
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain