Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ذكر أهم الأحداث في حياته على ترتيبها الزمني

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 2807, entry [2367]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 2807, entry [2367]Open original source
ذكر أهم الأحداث في حياته على ترتيبها الزمني: فأوّلها: حادث الغرق بـ "أقششهر" وتفصيل ذلك أنه عقب الهدنة استقال من عماله في "قسطموني"، وأراد العودة إلى "الآستانة"، وكان الوقت شتاء، ويستحيل السفر بالبرّ لكثرة الثلوج وصعوبة السير -وليس إلا طريق البحر الأسود- فسار من "قسطموني" إلى "إيتابولي"، وهي ميناؤها على البحر، وتبعد عن "قسطموني" نحو مرحلة إلى الشمال، وهناك بعد أن طال انتظاره اضطرّ إلى ركوب باخرة صغيرة قديمة، كانت تسير حينًا، وتلتفّ آخر، حتى وصل إلى ميناء أرَيْلي، وهناك فضل تركها، واستقلّ قاربًا بقصد "أقششهر"، وهي ميناء بلدته "دوزجه"، وتبعد عنها خمس ساعات بالعربة، التي تجرّها الخيل على نيّة أن يبقى ببلدته، حتى يتيسّر له سبيل العودة إلى "الآستانة"، وكانت مغادرة أريلي مع الفجر، وقبيل العصر بدت له ولمن معه من الركاب مدينة "أقششهر"، وبدأ اضطراب البحر، واشتداد هياجه، وما إن أشرفوا على الساحل عن بعد، حتى انقلب بهم الزورق، ولكنهم ظلّوا متمسّكين به، ورآهم من كان على الشاطئ، فهمّوا بإنزال زورق آخر، ولكنهم اضطرّوا إلى العدول لشدّة هياج البحر واضطراب أمواجه، فما كان من اثنين منهم، إلا أن نزلا إلى الماء، وسبحا، ومعهما حبال طويلة، ربطا بها الزورق، وعادا لمن في البرّ لجذبه، وأثناء الجذب اشتدّت الأمواج المثلّثة، وهى: بأن تأتي الموجة تعقبها ثانية، ثم ثالثة متتاليات. وأدّى ذلك إلى أن أفلت من في البر الحبال، وعاد الزورق إلى وسط البحر كما كان، كل هذا والغرقى مستمسكون بالزورق غير شاعرين بما يُبذل لإنقاذهم، فلما اشتدّت الأمواج المثلثة أرغمتهم على إفلات الزورق، وهنا بدأ الشيخ يغرق، وكان مما دار بخلده عند انقلاب الزورق أن لو كان غرق بعيدًا لكان أجدى من غرقه هنا، حيث يعثرون على جثته، فيترتّب على ذلك إزعاج والده وأهله، فلما بدأ يغرق قال لنفسه: أهكذا الموت غرقًا بهذه السهولة، كنت أظنّه أشدّ من ذلك، ثم غاب عن وعيه -ولم يقف إلّا على طنين في أذنيه، ثم بدأت حواسّه تعود إليه حتى أفاق، ثم ألزمه منقذوه أن يجري حتى لا يهلك مما تحمّله من شدّة البر ومقاومة الأمواج، ومع وجود كثير يعرفونه لم يعرفه أحد إلا بعد مدّة حين تمت إفاقته، وعاد الدم إلى وجهه- وعلم بعد ذلك أن الرجلين اللذين ربطًا الزورق بالحبال كانا في شبابهما ممن يعمل في البحر، ثم أثريا وتركا تلك الصناعة لعمّال تحت أيديهما، فلمّا شاهدا الحادث -واتّفق عدم وجود أحد غيرهما يحسن الإنقاذ- نزلا وربطا الزورق، ولما اضطرت الأمواج المنقذين إلى إفلات الزورق عادا إلى النزول، وأنقذا جميع الغرقى الذين خرجوا أحياء، ولَم يمت أحد منهم، ولله الحمد. ولما أراد شيخنا مكافاة الأخوين ماديًا -وذلك لأن الرجلين المنقذين كانا أخوين- قيل له: مهما تكافئهما لن تؤثر مكافأتك عليهما، لأنهما من الثراء بمكان عظيم، ولكن لو توسّطت لدى الحكومة، فشكرت لهما هذا الصنيع لكان أجدي، فلمّا عاد إلى "الآستانة" وسط بعض أصدقائه لدى الصدر الأعظم، فأنعم عليهما بنوط، وأشير إلى ذلك لشهامتهما. وعلم الشيخ أنهم عند إخراجه ظنّوه قد مات، ولكن أحد الشيوخ قال: اعملوا الواجب بأن تضربوه على رجليه، وتستفرغوا الماء منه، إلى آخر ما يعمل لإنقاذ الغرقي، وما هي إلا هنيهة، حتى أفاق، وعاد إليه شعوره، وكان معه عند الغرق مجموعة من أنفس المخطوطات -بلغ الحرص به عليها- أن نقلها معه من "الآستانة" إلى "قسطموني"، ولم يرد تركها هناك، فحملها معه حيث غرقت فيما غرق من متاعه -وكان بينها مخطوط- كان من ضمن ما فيه أن كاتبه ذكر أنه رأى (الأمالي) لأبي يوسف القاضي الصاحب المتوفىّ سنة ١٨٢ هـ، في قمطر (دولاب) خاص، وأن الكتاب المذكور في ثلاثمائة مجلّد، وكان هذا الحادث في سنة ١٣٣٧ هـ. وكانت المخطوطات سالفة الذكر، منها ما هو من مخطوطات القرن السادس، ومنها ما هو من القرن السابع، أي أنها كانت من عيون الذخائر. أما المخطوط الذي ذكر الأمالي، فقد كان مخطوطًا بعد الألف، وليس له تاريخ ولا اسم مؤلف، ولكن الشيخ يرجّح أن مؤلّفه هو العلّامة (نوح القونوي) مُحشّي "درر الحكام شرح غرر الأحكام"، المتوفّى سنة ١٠٧٠ هـ -والمدفون بـ "مصر" قرب عقبة بن عامر- وكانت الكتابة مبتدئة في كل صفحة من الزاوية، ثم تسير في أسطر مائله، حتى تنتهي في الزاوية المقابلة، وكان هذا المخطوط يحتوى على مجموعة رسائل نادرة من ضمنها رسالة لابن جحر الهيثمي الشافعي، المتوفى سنة ٩٧٣ هـ في مناقب أبي حنيفة "الخيرات الحسان"، وكان فيه أيضًا رسالة جاء بها أن مؤلّفها رأى في مخطوط قديم رواية عن أبي عاصم العامري القاضي أن الأمالي بالوصف السابق ذكره -ولأبي عاصم هذا "المبسوط" في الفقه الحنفي في ثلاثين مجلّدًا، وذكر عبد القادر القرشي المتوفىّ سنة ٧٧٥ هـ أنه موجود بمكتبة نور الدين الشهيد بـ "الشام"- وكان هذا المخطوط مما اشتراه شيخنا من تركة شيخه محمد خالص الشرواني، المتوفىّ سنة ١٣٣١ هـ -ومما غرق أيضًا يومئذ كتاب "عقيدة الطحاوي" المتوفّى سنة ٣٢١ بخطّ ابن العديم صاحب "تاريخ حلب" المتوفى سنة ٦٦٠ هـ، وعليه سماعات، وغير ذلك من الذخائر والنفائس. ولَمّا أنقذ الشيخ لجأ إلى "دوزجه" ليستجم بها بضعة أيام، وفي أثناء ذلك وردت له برقبة من "الآستانة" بتعيينه في دار الشفقة الإسلامية، فتوجّه إلى "الآستانة" كما مرّ ذكره. وثانيها: عزله المشرف من منصب وكالة الدرس، ويحسن أن نذكر معنى الكلمة، وسببها وذلك أن السلطان بايزيد (¬١) الثاني بنى مدرسة، وأمر بأن يدرّس فيها شيخ الإسلام، ومع تطوّرات الزمن عيّن مشايخ للإسلام يجيدون السياسة أكثر من العلم، فكانوا ينيبون عنهم وكيلا لأداء هذا الدرس عُرِف باسم وكيل الدرس، أو (درس وكيلي)، كما يقول الترك، ثم انتهى الأمر بأن أصبح لشيخ الإسلام ثلاثة وكلاء، أحدهم للفتوي، ويسمّونه (فتوى أميني)، أي أمين الفتوى. والثاني: له الإشراف على العلم والعلماء والمدارس، وهو وكيل الدرس، ووظيفته تقابل منصب شيخ الأزهر بـ "مصر". والثالث: رئيس التحقيقات الشرعية، ووظيفته ضبط أعلام القضاة والإشراف على الشؤون القضائية، أما تعيين القضاة وعزلهم، فكان بأمر السلطان، بناء على اقتراح شيخ الإسلام وتقرير مجلس القضاء، وكان سبب عزل الأستاذ عن منصب وكيل الدرس أن لجنة مساعدة منكوبي الحرائق بـ "الآستانة" أرادت هدم مدرسة أنشأها السلطان مصطفى الثالث المتوفّى سنة ١١٨٧ هـ. والمشهور باسم لاله لي -لتبني عليها دارًا لإسعاف المنكوبين تكون بمثابة مأوى لهم، وكانت اللجنة برياسة شرف السلطان محمد وحيد الدين (¬١) السادس، ورياسة توفيق باشا، فعارض الأستاذ في هدمها، وطلب من شيخ الإسلام (¬٢) أن يعارض، فلم يعمل شيئا، فما كان من الأستاذ إلا أن يرفع دعوى لدى المحكمة لمنع هدم المدرسة، لأنها مستكملة شرائطها، ولا يجوز هدمها إلا بحكم، ووكل عنه محاميين، ورفعها أمام أحد القضاة المطربشين (أي لابسي الطربوش)، لعدم ثقته بالمعمّمين، وأثناء سر الدعوى ولّى توفيق باشا منصب الصدر الأعظم، وحاولوا ثنى الأستاذ عن عزمه، فلم يفلحوا. فاحتجّوا بأن صاحب الحق في رفع الدعوى هو شيخ الإسلام، فأخرج لهم الأستاذ نصّا، بأن المدارس تابعة لوكيل الدرس، فلم يروا بدا من عزله وتعيين سواه، على أنه بقي عضوًا في مجلس وكالة الدرس، الذي كان رئيسه كما مرّ ذكره، فلم يسكت، بل ذهب لمن خلفه، وقال له: إن سكت فبها، ونعمت، وإن لم تسكت، وتنازلت عن الدعوى بعزل المحاميين فثق بأني مهاجمك، فقال له: أنا أسكت، والدعوى تأخذ سيرها، ثم انقلبت الأمور، ودخل الكماليون "الآستانة"، وقبيل دخولهم غادرها الأستاذ، وهدمت المدرسة بعد ذلك فعلًا، وبني مكانها بناء سلم لإدارة الهلال الأحمر، وهذه الدار الآن (¬٣) هي مركز الكفر والإلحاد والعياذ بالله، بينما كانت المدرسة المهدومة مسكنًا للطلبة الذين حصلوا على إجازات علمية، وأصبحوا علماء، ولكن لم يتزوّجوا، فكان يسكنها كل صالح، وكان لشيخنا صديق من حاشية السلطان وحيد الدين، وكان ذلك الصديق صالحًا ومتألّما لهدم المدرسة، فقال له الشيخ: أخبر السلطان أن السلطان مصطفى لاله لي، وإن عرف عنه أنه كان مجنونًا إلا أنه بنى هذه المدرسة المباركة، وفي زمنه احترق جامع الفاتح، فجدّد بناءه، ووقف عليه خيرات جمّة، وله عدّة أوقاف، وصدقات جارية بـ "الآستانة"، فهدم هذه المدرسة المباركة يكون مشؤومًا خصوصًا، وقد بلغني أن السلطان قال: هذا عمل جدّي، ولا بدّ قبل هدمه من بناء سواه. والآن أقف برهة أُسائل فيها نفسي كم من علماء الإسلام يستطيع -في سبيل ما يعتقده حقًّا- أن يقف في وجه من بيده أدنى سلطان فضلًا عن الوقوف في وجه (جلالة) السلطان -أظنّ أن العدد يكون قليلًا جدًّا- والكوثري كان من هذا القليل النادر. وكان مرتّب منصب وكيل الدرس خمسة وسبعين جنيهًا عثمانيا ذهبًا في كلّ شهر، وهو مبلغ طائل في تلك الأيام. وثالثها: اضطراره إلى مغادرة بلاده فارًّا بدينه، وسبب ذلك أن الأستاذ كان من المستمسكين بدينهم، واستلزم ذلك كراهته الاتحاديين لنزعتهم الإلحادية، فلما ولي الأمر الكماليون، وكانوا أشدّ إلحادًا ولا دينيةً وبغضًا للإسلام وعلمائه، وكلّ ما يتّصل به كما ظهر منهم فيما بعده، فقد رأى أن الخبر في مغادرة البلاد مؤقتًا، حتى تهدأ الفتنة خصوصًا، وقد أخبره بعض المخلصين أن هناك مؤامرة لاعتقاله، فخرج من السوق إلى الميناء دون الرجوع إلى منزله، حيث استقلّ الباخرة من "الآستانة" إلى "الإسكندرية"، كما مرّ في الفصل الأول. ويجمل بي أن أعرض في هذا المقام للإصلاح الفاسد الذي زعمه الكماليون، وفساده أتى من فصلهم الدين عن الدولة، فالدين الإسلامي كما يعمل كلّ من له أقلّ إلمام به ليس بقاصر على صلاة وصوم، ولكنه دين سياسة وتنظيم للمجتمع، فكتب الفقه تبدأ بالعبادات، ولكنها تشمل المعاملات العامّة والخاصة والعقوبات والحظر والإباحة، وكتب السير تبحث في الحرب وأحكامها، وما يترتّب عليها والغنائمُ، ومعاملة غير المسلمين مع مراعاة حقوقهم وحفظ ذمّتهم، وإجمالًا. أقول: إن الدين الإسلاميّ فيه كلّ ما يراد من تحقيق مجتمع إنساني مثالي سعيد، ولا يطلب فصل الدين عن الدولة، إلا الذي لا يعرف ما هو الدين الإسلامي. وِمِما لا شَكّ فيه أن هذا الحدث أهم أحداث حياته، فقد انتقل فيه من سِعَة دنيوية فانية إلى ضيق، ولكن العكس حدث فيما يتعلق بالآخرة، وهي خير وأبقي، ففضلًا عن أجر مهاجرته إلى الله ورسوله، فقد انتقل من أفق تركي قاصرة على دولة واحدةٍ إلى أفق عالمي يشمل كل المسلمين -وذلك أن وجوده في "مصر" هيأ له الاتّصال بعلماء الإسلام في كثير من البلاد، وهيأ له حرية القول والتأليف، وهيّأ له أن يكون له تلامذة من مختلف الأجناس والبلدان. فأما الدنيا فقد غادرها، وقد مضى ضيقها الزائل وعسرها الفاني. وأما الآخرة، فقد قام عليها حيث يلقى جزاء ما أفاد عباد الله، وما علمهم، وما نصح لهم به. وهكذا ترك هذا العالم الجليل وطنه غضبًا لدين الله، ولو نافق الكماليين لعاش معهم كما عاش سواه، ولكنه فرّ بدينه إلى مستقبل غامض، وتلقفته الأحداث بـ "مصر"، فهو حينًا يعيش من ترجمة الوثائق التركية بدار المحفوظات، وآونة يعيش مما تجريه عليه وزارة الأوقاف من الخيرات، وفي كلّ ذلك تراه صابرًا راضيًا، يشكر الله تعالي، الذي حفظ عليه دينه، ولا يشكو مما كان يتعرض له أحيانًا من نفر، لا خلاق لهم من الأخلاق، يحاربونه في مرتب ضئيل، ويشنّون عليه غارات شعواء، انتهت كلها إلى أن أصبحت هباء، وبقي الشيخ راسخًا رسوخ الطود، ماضيًا فيما عاهد الله تعالى عليه، من ذبّ عن دينه، وحفظ لدعائم تنزيهه، فلا يخرج من الدنيا، حتى يكون سجل تعاليمه الخالدة النافعة الرائعة الناصعة في سطور تآليفه وصدور تلاميذه.
Parsing and provenance details
Local passage ID
1093502
Book record
shamela-819
Source record
1108541
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain
ذكر أهم الأحداث في حياته على ترتيبها الزمني — shamela-819 · Hadith Research Library