page 1749, entry [1387]Open original source
الشيخ أنور والفقه، ونبذة من خصائصه فيه: طالَعَ من الفقه وما يتعلّق به تصانيف الإمام محمد بن الحسن الشيباني من كتب ظواهر الرواية، و"الموطأ"، و "كتاب الآثار"، و"كتاب الحجة" له، بضبط وإتقان وغاية فكر وإمعان، ثم شرح الإمام شمس الأئمة السرخسي: "المبسوط"، وهو شرح لكتب ظاهر الرواية، التي جمعَها الحاكم الصدر الشهيد في كتابه "الكافي". وطالَعَ "شرح السير الكبير" له -للسرخسي- ثم ما تيسّر له من تصانيف الإمام الطحاوي من "شرح معاني الآثار"، و "مشكل الآثار"، و"المختصر" له في الفقه، وقد قال فيما أحفظ والله أعلم: إني طالعتُ "مختصر الطحاوي" نحو عشرين مرّة، ومع ذلك لم يشتف صدري في مواضع كثيرة، فهكذا طالَعَ من كتب الفقه هذه الكتب المطبوعة بـ "مصر" و"الهند" المتداولة بين أيدينا اليوم، ثم من الكتب الخطّية ما تيسّر له، حتى سمعتُ عنه نفسه ﵀: أفتيتُ بـ "كشمير" للمفتين والعلماء في الفتاوى المشكلة، وفي التي تكون آراؤهم فيها مختلفة ثلاث سنين كاملة، ولم أفتقرْ لمراجعة كتاب في تلك البرهة. ثم لم يكتف في الفقه بمطالعة الفقه الحنفي، بل طالَعَ من كبار كتب الفقه المالكي والشافعي والحنبلي ما يقضى العجب، ويورث الحيرة، وكانتْ أكثرها غير مطبوعة عند ذلك، فهذا كتاب "بدائع الصنائع" لأبي بكر الكاساني، و "البحر الرائق" لابن نُجيم و"النهر الفائق" لأخيه، و"رد المحتار" للشامي، و "كتاب الأم" للإمام الشافعي، وغيرها من مبسوطات الفقه كلّها كانتْ بمرأى عينيه، طالعها وأمثالها سطرا سطرا حرفا حرفا، وكان يثني كثيرا على كتاب "الأم" وعلى ذكاوة أي ذكاء الإمام الشافعي، حتى قد يقول: إني كلّما أطالع كتاب "الأم" يقع في قلبي أن الإمام الشافعي ﵀ من أذكياء الأمّة. وكان يقول: أقدر على تلخيص كتبهم أيّ كتاب كان، إلا كتاب "الأم"، وكان يثني على "البدائع" كثيرا، فكان يقول: إن مؤلّفات العراقيين من الفقهاء الحنفية أثبت وأتقن من تصانيف الخراسانيين، ولكن "البدائع" مع أن مؤلّفه ملك العلماء أبا بكر الكاساني من الخراسانيين، ولكنه في التثبّت والإتقان مثل مؤلّفات العراقيين، بل فاق حسنا على سائر كتب فقهائنا الحنفية ﵏، كتاب بديع إن طالعه عالم بالغور والإمعان لصار فقيه النفس، وهو أنفع للمدرّسين والمؤلّفين منه للمتفين. وكان يقول: لا يجوز لأحد أن يفتي ما لم يطالع "البحر" أو "رد المحتار" بأسره أو كتابا مبسوطا آخر من مبسوطات الفقه الحنفي، نعم صدق من قال: لا تقَعَنَّ البحرَ إلا سابحا. وكان ﵀ يقول: إذا ثبت في أمر قول أبي حنيفة ﵀ فلا أرجع إلى قول الصاحبين، وإذا لم يرو عن الإمام شئ فما وجدتُه مرويا عن الإمام أبي يوسف آخذه ولا أنتطر قول الإمام محمد، وإذا لم يثبتْ شئ عن أبي يوسف فأعملُ على قول محمد ولا ألتفت حينئذ إلى أقوال باقي المشايخ الحنفية، وإن لم أجدْ عنه قولا فإن كان عن الإمام الطحاوي قول فأتمسّك به. وإذا اختلف العراقيون ومشايخ "ما وراء النهر" فأختار ما ذهب إليه العراقيّون، ولا ألتفتُ إلى تصحيح المشايخ وترجيحهم عند الاختلاف، إذ ربما يختلف التصحيح، بل العبرة عندي إذن لقوّة الدليل. وكان يقول ﵀: لا أقلّد أحدا من الأئمة في سائر الفنون النقلية والعقلية إلا الفقه، فإني أقلّد فيه الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى، فلي رأيّ مستقلّ في كلّ علم إلا الفقه. وكثيرا ما إذ أغوص في تخريج أقوال الأئمة المجتهدين، فقد يقصُر خَبَيِي عن إدراك مدارك الاجتهاد، وأتحيّر لدقّة مداركهم وبعد كنهها. قال الراقم -شيخنا البنوري- تبصَّيرْ واعتبرْ بهذا القول من هذا الشيخ الذي كان حبر الأمّة في عصره، لو رأيته حين كان يخوض في غمار الفقه ويغوص في بحاره، وطفق يبيّن تخريج أقوال الأئمة ومنشأ اختلافاتهم، وترجيح بعضها على بعض: لرأيت سيلا يَهْمِي أو بحرا يموج. وتمثل لديك قول المتنبّي: ووجه البرح يُعرَف من بعيد … إذا يسجُو فكيف إذا يموج. ولقلتَ: كأنّ روح فقيه الأمّة إمامَ الدين والدنيا نعمانَ الكوفي تُدَنْدِنُ -أن تردّد- في حلقوم الشيخ الأنور، ولكن مع هذا الفضل الباهر الذي كان يُدهش العقول ويحيّر الفحول يعترف بهذا، فما ذلك إلا لغور كنه مدارك الفقه، ووُعُور مسالكه وصعوبة مراحله. وهذا دليل بيّن وبرهان ساطع على وصول هذا الفقيه الحبر إلى أقصى مدارك العلم ومعارج الديانة ومدارج الإنصاف. فدع السفهاءَ والجَهَلَة الذين زعموا أن الاجتهاد أمر سهل هيّن ليّن، يقدر عليه كلّ مَنْ أحاط بكتاب "بداية المجتهد" لابن رشد الفقيه المالكي، أو الحَمْقَى الذين يزعمون أن كلّ أحد يقدر على الاجتهاد بالعبور على "القرآن" وظواهر الأخبار، فيحرم عليه تقليد مذهب أحد من أعيان الأمّة! فيُطنطِنون هؤلاء في كتاباتهم ومؤلّفاتهم طَنينَ الذباب، ويرمون العلماء الربّانيين بعُوَائهم كالذئاب. ومنشأ كلّ ذلك الجهل بمعرفة مراتب السلف، والقصور عن فهم مداركهم، وفوق كلّ ذلك الحَمَق والسَّفَه البيّن العُوَار. وهذا داء أعيا الأطباءَ دواءُه. فيقال لهذا الذي يُقعقع بالشِّنَان ويُجعجع من غير طحين: هلا ادّعى ابن رشد الفقيه الاجتهادَ بسبب هذا الكتاب؟ ولم لم يُعَدَّ في زمرة المجتهدين؟ ولِمَ يعزو نفسَه إلى المذهب المالكي؟ وكيف يقلّد في الفروع؟ وهل يسوغ التقليد لمن بلغَ رتبةَ الاجتهاد؟. نعم هو رجل فقيه النفس بعيدُ الغور، له مزايا جليلة هو فريد فيها، وقد أحسن إلى الأمّة الإسلامية بإبراز هذا العقل النفيس، غاص في منشأ اختلافات الأئمة، ونبّه على أنه كيف تشعَّبت الآراء، وتطرّقت الاحتمالات، وتنوّعت الأدلة، فعرفها، وفهمها، لا أنه صار مجتهدا مطلقا في المذهب بهذا القدر، فإنه لا يكفي هذا القدر فقط، ولا يشفي، نعم وليس القوادم كالخوافي. فإذا لم يكنْ هو نفسه مجتهدا فما ظنّك بمن يستفيد منه، حتى يبلغ به قُلّة الاجتهاد الشامخة التي تبقى العين دونها حَسْرى، وما تنفع الشعفة في الوادي الرغيب، فليستقم المرء وليتزوّد التقوى، ولا يتّبع الهوى، فإنه قد أضلّ وأردى، وليعرف لكلّ شئ قدره، وليُعْطِ كلّ ذي حقّ حقّه. على أنه لخّص كتابه هذا من كتاب "الاستذكار" لحافظ المغرب ابن عبد البر، فالفضل أصله يرجع إلى أصله، وإن كان هو موفَّقا في التلخيص والإجادة، وهو -ابن عبد البر- إمام وفضله أكثر، ولم يُعَدَّ هو في المجتهدين، بل عُدَّ من كبار المالكية وحفّاظ المحدّثين، وكفى به مزية وفضلا. وأما الفريق الآخر فنطوي الكَشْحَ عن خطابه، فإن هؤلاء بلغتْ سفاهتهم إلى غاية وأمد بعيد، حيث يستنكفون عن اتباع الإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، فقهاء الأمّة المحمدية، ثم يقلّدون أقوال ابن حزم وابن تيمية وابن القيّم، بل القاضي الشوكاني، وبل النوّاب المعزول البهوفالي، من هو أدون منهم بمراتب، من حيث لا يشعرون، فيستمسكون بعراهم، ويعتصمون بأقوالهم وآرائهم الشاذّة، ويزْعُمُونها وحيا سماويا، لا يتغيّر، ولا يتبدّل، وكأنهم معصومون عن الخطأ والسهو، وأن الحقّ لا يتجاوز رأيهم، ولا يعدو مظنونهم، فيا للعجب، ويا للأسف. هداهم الله وإيانا بفضله، ونجانا من غوائل الهوى، ووفّقنا لاتباع أئمة الهدى، ولولا مخافة التطويل والخروج عما أنا بصدده لصَدَعْتُ بالبحث وبَيَّنْتٌ عُوَار هذا القول الشنيع وسقيتُ الصَّدَى، وشفيتُ الصدرَ، وبردتُ الغليل، والله يقول الحقّ، ويهدي السبيل، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلىّ العظيم. ودونك الآن مثالين ليتّضح لك دأب الشيخ ﵀ في أبحاث الفقه: المثال الأول: قال شيخنا المحقّق -الإمام شبير أحمد العثماني- في "فتح الملهم شرح صحيح مسلم": قال علامة عصرنا الفاضل الكشميري أطال الله بقاءه ﵀ إن قولهم: الكفار مخاطبون بالمعاملات، إن كان المراد به الخطاب ثوابا وعقابا في الآخرة فمسلّم، لا شكّ فيه، وإن كان المرادُ الخطابَ صحةً وفسادًا في أحكام الدنيا فليس هذا عندي على الإطلاق، فقد صرّح في "الهداية" أن الكافر إذا تزوّج بلا شهود أو في عدّة كافر -وذلك في دينهم جائز- ثم أسلما أقِرَّا عليه عند أبي حنيفة ﵀، لأنّ الحرمة لا يمكن إثباتها ها هنا حقّا للشرع، لأنهم لا يخاطبون بحقوقه، ولا وجه لإيجاب العدّة حقّا للزوج، لأنه لا يعتقده. وصرّح الشيخ ابن الهمام ﵀ أن المسلم إذا باع من الحربيّ ميتة أو خنزيرا، أو قامرَه وأخذ المال، يحلّ كلّ ذلك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، ولو كانوا مكلّفين بالمعاملات بحسب الصحة والفساد لم يصحّ النكاح في الصورة الأولى، ولم يحلّ ذلك المال في الصورة الثانية، ولهذا نظائر أخرى تقف عليها بعد التتبّع البالغ، فكما أنهم استثنوا من العقوبات حدّ الشرب، كذلك ينبغي تقييد المعاملات أيضا بشئ يخرج أمثال هذه الفروع المنصوصة عليها في كتب الفقه. وهذا تفصيل لا بدّ من المصير إليه، والله أعلم، انتهى كلام شيخنا في "فتح الملهم". المثال الثاني: اختلف الأئمة في مسألة المصرّاة، والحديث فيها مشهور، فذهب مالك والشافعي، وأحمد وأبو يوسف إلى: أن التصرية عيب، يردّ بها المبيع، ثم عن أبي يوسف روايتان في ردّ صالح من التمر معها أو قيمة اللبن؟ وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يردّ، والحديث وارد عليهما. فاختار الحنفية في الجواب مسالك، واضطرّوا إلى العمومات في مقابلة الخصوض من الآثار والمنصوص، وأحسن مَنْ أجاب منهم الإمام الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، وهو أول مَنْ أجابَ منهم، فعارضه بحديث "الخراج بالضمان"، وهو حديث قويّ، وليراجعْ تفصيل جوابه من كتابه. فقال الشيخ ﵀: جواب الطحاوي وإن كان أحسن مما استدلّوا به من العمومات والقياس، وتبعه المتأخّرون غير أنه أيضا لا يجدي حسب تفصيل فقهائنا الحنفية ﵏، حيث قسموا العيبَ في مسألة خيار العيب إلى ثمانية أقسام، فإن الزيادة إما متولّدة من المبيع أو غير متولّدة؟ وكلّ منها إما متصلة أو منفصلة. فهذه أربعة أقسام، وكلّ منها إما قبل القبض أو بعده، فصارتْ ثمانية. والذي يحمل عليه حديث الخراج بالضمان عندهم هي الزيادة غير المتولّدة، فكيف يجدي استدلاله بالعام الذي يحتمل وجوها ومحامل؟ ثم قال: والذي تحقّق عندي أن الحديث من باب الديانة، لا من باب القضاء، فتجب الإقالة على البائع ديانة، فإن مدار القضاء على الظواهر لا السرائر، فالسرائر لا سبيل إلى علمها، وحينئذ يوافق الحديث مسائل الحنفية أيضا، فقد صرّح الشيخ ابن الهمام في "الفتح" من باب الإقالة: أن الغرر قولي وفعلي، وعلى الأول تجب الإقالة قضاء، وعلى الثاني ديانة، ولا ريب أن ها هنا غررا فعليا، فتجب الإقالة ديانة، ولم أرَ من تنبّه له. وقد صرّح في "الوجيز"، و"التهذيب"، و"الحاوي" أنه يردّ -أن المبيع- في مثل هذا عند التراضي، (فصار من باب الديانة أو قريبا منها). ومما قلت: بزيادة المنفصل المتولد … أو عكسه متعيّب لم يُرْدَد. ثم في التهذيب والوجيز والـ … حاوي الجواز بالتراضي يحمل. والفرق بين القضاء والديانة قد سلمه الشافعية أيضا في كثير من المسائل. هذا ما استفدتُه ولخّصته من "العرف الشذي" و"فيض الباري" من تقارير الشيخ ﵀ في درس الحديث، ومَنْ شاء التفصيل فليراجعْهما، والله الموفّق، وبه نستعين.