page 1728, entry [1380]Open original source
١٠٥٤ - الإمام، حافظ العصر، الشيخ، أنور شاه الكشميري، ابن الشيخ معظّم شاه، ابن لشاه عبد الكبير بن الشاه عبد الخالق بن الشاه محمد أكبر بن الشماه محمد عارف بن الشاه حيدر بن الشاه علي بن الشيخ عبد الله بن الشيخ مسعود الكشميري *. هو الحافظ الحجة، ومسند الوقت، المحدّث المفسّر، الفقيه الحنفي، الأصولي المكين، المتكلّم، النظّار، المؤرّخ الأديب، اللغوي، الشاعر، البحّاثة، النقّادة، المحقّق الموهوب. جاء سلفه من "بغداد"، ونزلوا "ملتان"، ثم رحلوا منها إلى "لاهور"، ومنها إلى "كشمير"، فأصبحتْ لهم مستقرّا ومقاما. ولد في ٢٧ من شوّال سنة ١٢٩٢، في قرية "ودوان" -بوزن لبنان- التابعة لمدينة "كشمير": جنة الدنيا وزهرة الدائم، ونشأ في بيت علم وصلاح، في رعاية دقيقة، وتربية عجيبة، وكان على درجة عالية جدّا من الفطنة والذكاء النادر، وكان والده عالما فاضلا في جملة من العلوم الشرعية، والعلوم الرياضية وبعض العلوم الآلية، فتعلّم منه ومن شيوخ بلاده، حتى فاق أقرانه نبوغا في زمن يسير، وكان وهو صغير في الطلب، يقرأ "مختصر القدوري" في الفقه، ويسأل المدرّس أسئلة تحتاج في الإجابة عنها إلى مراجعة "الهداية" وشروحها. ورأى بعض أعلام عصره تعليقاته على كتبه الدراسية، فتفرّس فيه أنه سيكون غزاليّ عصره ورازيّ دهره. فحصل علوم العربية والفقه والأصول والتفسير والحديث وغيرهما تحصيلَ فهم وإتقان، ولما يبلغ الثانية عشرة من العمر، وكان علم الفقه والفتوى في رحاب "كشمير" مما يتسابق في حلبة رهانه، فكان الشيخ الناشئ الموهوب يفتي الناس، وهو في الثانية عشرة من العمر، وتأتي فتاواه في سدادها عديلة لفتاوى كبار الشيوخ هناك. ثم بدا له أن يأخذ بسنة السلف في الرحلة لطلب العلم وتحصيله، فرحل إلى مجامع العلم والتعليم، ليلقى العلماء، ويشام الناس، ويتعرّف إليهم، ويعرفهم باختلاف طبائعهم وعاداتهم وأفهامهم وأذواقهم، فتتّسع له الخبرة في العلم والخبرة في الحياة أيضا، فرحل من بلده "كشمير" إلى مهد العلماء الربّانيين والجامعة العظيمة الدينية أكبر جامعة إسلامية في "الهند": "دار العلوم الإسلامية" في بلدة "ديوبند"، وهي على مائة ميل من الجانب الغربي الشمالي لمدينة "دهلي" عاصمة "الهند". وكانتْ هذه الجامعة "قرطبة الهند" وأزهرها العامر، تزخر بكبار العلماء في كلّ علم، في الحديث السمريف وعلومه، وفي التفسير وعلوم القرآن، والفقه والأصول، والتاريخ والأدب، والمنطق وعلوم العربية. وكان أكبر كبارها وشيخ شيوخها الشيخ محمود حسن الديوبندي، الملقّب بشيخ العالم، والمعروف بشيخ "الهند". وكان في الحديث الشريف مسند الوقت ورحلة الأقطار الهندية. وكانتْ هذه الجامعة العظيمة شمسا ساطعة، أضاءتْ منها بقاع "الهند"، فأحيتْ السنّة النبوية دراسة في ساحاتها، وفي حياة العلاء وسلوكهم، وأزالتْ ظلمات البدع المتكاثفة بعد ما تراكمتْ في تلك البقاع عهودا طويلة، وجرَّدتْ مناهل العلم والشريعة من كلّ دخيل عليها، كما جرّدتْ سلوك السالكين من الرسوم المحدَثة في أهلها، من محافل السماع والمعازف، وغيرها من الاحتفالات المبتدعة فيهم بـ "الهند". واستبدلتْ بتلك المبتدعات السنّة الصافية الزهراء، تعلّما وتعليما وسلوكا ونشرا، حتى غدتْ مَشَعّا علميا عظيما قويما، يخرج الأفواج تِلْوَ الأفواج من العلماء العاملين الواعين، الذين يجمعون إلى فضيلة العلم فضيلة العمل، مع التمسّك بالسنّة ونبذ البدعة. وأدرك الشيخ في جامعة ديوبند رجالا، جمعوا إلى علومهم الناضجة وقدراتهم الدقيقة: رفق القول، وصدق اللهجة، وصالح السلوك والعمل، أصحاب هيئة ووقار، وأصحاب سنة وورع، وزهد وتقوي، فكستْه صحبتهم بكسائها، وأفاد منهم علما صحيحا، ورأيا صائبا، وشغفا باتباع السنّة وتحصيلها ونشرها، وبهاء في الملكات الفطرية، وجمالا في الأخلاق، والآداب. وكان أكبر هؤلاء الأجلّة: الشيخ محمود حسن، شيخ الجامعة الديوبندية، وكان مرتويا من علوم القرآن والسنّة والفقه والأصول وغيرها من العلوم، مع مواهب فطرية عالية، فوجد الشيخ الكشميري عنده ضالّته التي ينشُدها، والعلوم التي يتطلّبها، والإمامة الفذَّة التي تُشْبِعُ نَهَمَه وتلاقي نبوغه، وتُغَذِّي طموحه وذكاءه، فملأ من معارفه ومداركه قلبه ولبّه، ونَهِلَ منها وعَبَّ، ولازم الشيخ ملازمة أكسبته الفضائل الفريدة، والعلوم الدقيقة فيما أخذ عنه. وأخذ أيضا عن العلامة المحدّث الشيخ محمد إسحاق الكشميري ثم المدني، فاستكمل على هذين الشيخين الكبيرين، وغيرهما من شيوخ تلك الجامعة ما بقي من العلوم التي تدرّس هناك. وكان لهذين الشيخين الجليلين استئثار بروحه. ومشاعره، لما آتاهما الله من المعارف والنبوغ، فقرأ عليهما جملة حسنة من كبار كتب السنّة، فقرأ على الأول - كما قرأ عليه أيضا الجزئين الأخيرين من كتاب "الهداية"، وهو من أعظم كتب الفقه الحنفي، التي تعتني بالدليل والتعليل والمحاكمة بين المذاهب الفقهية. وقرأ على الثاني -الشيخ إسحاق الكشميري- "صحيح مسلم"، و "سنن السنائي"، و "سنن ابن ماجه". وفرغ من قراءة هذه الكتب وإتقانها على هؤلاء الجهابذة في سنة ١٣١٣، وقد جاوزتْ سنّه العشرين سنة، وغدا بعد تخرّجه على يد أولئك العلماء في "ديوبند": علّاما فاضلا مرموقا، نابغا في علوم الرواية والدراية، وهو ما يزال في مقتبل شبابه، فاستشرفتْ إليه العيون، وتعلّقت به القلوب، وتوجّهتْ إليه الأنظار.