page 1587, entry [1288]Open original source
٩٦٩ - الشيخ الفاضل الفقيه البارع الضليع المحدّث الكبير الإمام الهمام أشرف علي بن عبد الحق التهانوي *. كان ﵀ من العلماء العباقرة الأفذاذ، والدعاة البررة المخلصين، الذين أناروا في "الهند" مصابيح التجديد، باهرة الشعلة، ساطعة النور، وأخلصوا حياتهم لإعلاء كلمة الله، وإحياء علوم الدين، مرابطين على ثغور الإسلام، مثابرين في الدعوة إليه، ومصابرين على ما يصيبهم في هذا السبيل. ولد ﵀ صباح الخامس من ربيع الثاني سنة ١٢٨٠ من الهجرة النبوية على صاحبها السلام، في أسرة كريمة، يبلغ نسبُها إلى أمير المؤمنين سيّدنا عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وأرضاه، بقرية "تهانه بهون" التابعة لمدينة "مظفّر نغر"، وهي تعتبر من القرى التي عرفت في البلاد الهندية برجالها المبرّزين، وعلمائها المهَرَة، وأوليائها الكبار، مثل العلامة المحقّق الشيخ محمد أعلى التهانوي، صاحب "كشّاف اصطلاحات الفنون"، تلك الموسوعة العلمية الكبيرة، التي حازتْ ثناء أهل العلم وثقة أهل المعرفة في مشارق الأرض ومغاربها - ومثل العلامة الشيخ محمد التهانوي، والحافظ محمد ضامن الشهيد، والعارف المحقّق إمداد الله المهاجر المكّي، الذين لقّبوا في أنحاء هذه البلاد بالأقطاب الثلاثة، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة. ولد حكيم الأمة ﵀ في هذه القرية العامرة بالعلم والدين، والورع والتقي، وترعرع في بيئة دينية خالصة، وحفظ فيها القرآن، وتعلّم مبادئ الفارسية والعربية وعلوم الدين على أيدي أساتذة مهَرَة، وكان منذ نعومة أظفاره مكبّا على العلم والعلماء، ميّالا إلى الطاعات، بعيدا عن اللهو. وكان من رقّة طبعه منذ ميعة صباه أنه لم يكن يتحمّل النظر إلى بطن أحد، وهو عريان، وكان إذا فاجأه صبي من الصبيان ببطنه المكشوف غلبه القيئ، فكان الصبيان يعاكسونه، ويكشفون أمامه عن بطونهم ليقئ، فكان ﵀ ربما يتعب منه القيئ مرّة بعد أخرى، وكانت هذه الرقّة في طبعه سببا تكوينيا من الله تعالى، جعلتْه لا يميل إلى مخالطة عامة الصبيان، فأصبح بعيدا عن لهوهم وعبثهم. وقد تعوّد ﵀ صلاة الليل، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكانت زوجة عمّه ربما تستيقظ في منتصف الليل، وتراه يصلّي، فتحاول إشفاقا عليه أن يقلّل منها، ولكنّه لتأصّلها في نفسه لا يهتمّ بهذا، ويستمرّ في صلاته. وهكذا صار يتعلّم في وطنه مبادئ العلوم الدينية، حتى إذا بلغ الخامس عشر من عمره رحل إلى "دار العلوم ديوبند"، وكانت - ولا تزال - أكبر مركز للعلوم الدينية في "الهند"، وجامعة علمية مكتثّة بأولي العلم والفضل والمعرفة والتقوى، ومنهَلا عذبا من مناهل العلم والدين، قد صدر منه ألوف من الرجال بعلم غزير، وخبرة واسعة، ونظر عميق، وعمل صالح، وتصلّب ديني، ومذاق سليم في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله. فدخل ﵀ هذه الدار المباكة، وتلقّى جميع العلوم العربية والأدبية، والعقلية والنقلية، لدى أساتذة (¬١)، قد جدّدوا ذكريات القدماء في سعة اطلاعهم وجودة إتقانهم، مثل الإمام المجاهد الكبير الشيخ محمود الحسن الديوبندي، الذي لقّب بـ "شيخ الهند" لمكانته الرفيعة في العلم والتّقوى، ولجهوده البنّاءة المتواصلة في سبيل تحرير "الهند" من أيدي الاستعمار الإنكليزي الغاشم، ومثل مولانا العارف المحقّق الشيخ محمد يعقوب النانوتوي، الذي عرف ببراعته في جميع العلوم والفنون، واشتغاله بالذكر والطاعات، ومثل الإمام الفيلسوف مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوي، مؤسِّس دار العلوم بـ "ديوبند"، الذي طارَ صيتُه في دقّة نظره وعمق فكره، ومؤلّفاته البديعة في علم الكلام والعقائد والفقه والحديث، ومثل مولانا الشيخ سيّد أحمد الدهلوي، الذي بلغ في العلوم العقلية الذروة، وكان قد نبغ في العلوم الرياضية بمجرّد المطالعة من غير أن يدرسها عند أستاذ. وبالجملة، فقد عاش حكيم الأمة التهانوي ﵀ في "دار العلوم" بين هؤلاء الأساتذة وأمثالهم رحمهم الله تعالى، واستفاد من علومهم وخدماتهم وصحبتهم، ولم يكن له طول دراسته أيّ شغل غير دراسة كتبه وخدمة أساتذته ومشايخه. وكان له في "ديوبند" عدّة أقارب، كثيرًا ما يوجّهون إليه الدعوة لتناول الطعام عندهم، ولكنّه كان يعتذر إليهم بأنه لم يدخل هذه البلدة إلا للتعلّم والدراسة، فلم يذهب إليهم مدّة خمس سنوات إلى أن فرغ من دراسته. وكانت النصارى والهنود زمن دراسته بـ "ديوبند" قد نشروا بعثاتهم التبشيرية في جميع أنحاء "الهند"، وكانوا يهدّدون المسلمين، ويدعونهم إلى المناظرة والبحث، فكان ﵀ إذا وجد فرصة ذهب إليهم، وناظرهم، وغلب عليهم ببالغ حججه وناصح بيانه، حتى اشتهر فيما بين الطلبة والعامّة بقوّة المناظرة وملكة الخطابة، ولكن كان هذا كلّه زمن دراسته بـ "ديوبند"، وأما بعد كونه شيخا محنكا فكان ﵀ أبعد الناس عن المناظرة والجدل، لما كان يرى أن أمثال هذه المناظرات والبحوث يعوزها الإخلاص والصدق، وقلمّا تجدي في جلب الناس إلى الهداية والرشاد. وهكذا تعلّم ﵀ في دار العلوم بـ "ديوبند"، حتى فرغ من دراسته سنة ١٣٠٠ هـ، وكان من تواضعه أنه لما عزم أهل المدرسة على عقد حفلة كبيرة لتوزيع الشهادات والعمائم على المتخرّجين، فزع الشيخ ﵀، وذهب مع بعض رفاقه إلى أستاذه مولانا الشيخ محمد يعقوب النانوتوي ﵀، وكان رئيس المدرّسين يومئذ. وقال: إننا قد سمعنا أن المدرسة ستمنحنا شهادة الفراغ من العلوم، وتضع على رءوسنا العمائم، ولكن الحقيقة أننا لا نستحقّ هذه الشهادة، وهذا الإكرام، ونخشى أن يكون ذلك سببا لسوء الظنّ بالمدرسة، بأنها تخرج أمثالنا من الذين لا علم عندهم. ولكن أجاب الشيخ النانوتوي إنما تزعمون ذلك لأنكم فيما بين أحضان الأساتذة، فلا ترون علمكم شيئًا أمام هؤلاء، وأشهد أنكم كما خرجتم من هذه المدرسة، عرف قدركم إن شاء الله، كنتم أنتم المبرّزين في ميدان العلم، لا يشقّ لكم غبار. وصدق قوله ﵀، حتى صار حكيم الأمة التهانوي قدّس سرّه أكبر مرجع للعلماء والعامة، وأعظم مركز للعلم والدين، وقد شهد العلماء في ذلك الوقت بأنه وحيد عصره في العلم والتقوى، لا يجارى فيه، ولا يبارى. تدريسه. كان في "كانبور" مدرسة شهيرة تسمّى "الفيض العام"، يدرّس فيها مولانا الشيخ أحمد حسن الأمروهوي، وكان أستاذا متفوّقا، طار صيته في جميع العلوم، ولاسيّما في العلوم العقلية، وقد واجهه بعض ما يكره من قبل أصحاب المدرسة، فاستقال عن التدريس فيها، وأسّس مدرسة أخرى. فطلب أصحاب مدرسة "الفيض العام" من علماء "ديوبند" أن يبعثوا إليهم أستاذا، وكان الشيخ التهانوي قد تخرّج من "دار العلوم" في تلك السنة، فاختاره أساتذته لإجابة دعوتهم، فتحوّل ﵀ إلى "كانبور" في شهر صفر سنة ١٣٠٠ هـ، وهكذا صار بداية خروجه لإفادة الناس في مطلع القرن الرابع عشر، ومن هنا اعتبره بعض العلماء مجدّد هذا القرن في الديار الهندية. وبالجملة، فقد اشتغل ﵀ في "كانبور" بالتدريس والدعوة والإرشاد والتأليف، وسرعان ما اشتهر فيما بين الطلبة بغزير علمه وحسن تدريسه وقوّة خطابه، على رغم أنه تولّى منصب شيخ محنك، وهو في ريعان شبابه، ثم أسّس في "كانبور"، مدرسة أخرى باسم "جامع العلوم"، وهي باقية بفضل الله تعالى حتى اليوم، فتلمّذ على يديه خلق كثير، ومن أجلّ تلاميذه: مولانا الشيخ محمد إسحاق البردواني، الذي كان يحفظ "صحيح البخاري" كله عن ظهر قلبه، ومولانا الحكيم محمد مصطفى البجنوري صاحب التصانيف النافعة باللغة الأردية، ومولانا الشيخ ظفر أحمد العثماني، الذي يكفي "إعلاء السنن" شاهدا على غزارة علمه وواسع خبرته. رجوعه إلى موطنه: وبالجملة، فقد مكث الشيخ التهانوي ﵀ في "كانبور" مدّة أربع عشرة سنة، يفيد الناس بدروسه ومواعظه وتصانيفه، ثم حبّبت إليه الخلوة، فاستقال عن مدرسة "كانبور" في شهر صفر سنة ١٣١٥ هـ، وخلف فيها تلميذه مولانا الشيخ محمد إسحاق البردواني، ورجع إلى موطنه "تهانه بهون"، ولزم زاوية شيخه المسمّاة بـ "الخانقاه الإمدادي"، لأن شيخه الحاج إمداد الله المهاجر إلى "مكة" كان قد أوصاه بذلك، ثم لم يزل مقيما هذه الزاوية إلى أن توفّاه الله تعالى في سنة ١٣٦٢ هـ، وفي هذه الزاوية أظهر الله على يديه تلك الأعمال الدينية العظام التي تعجز عنها الجمعيات الكبيرة والمجالس العالمية، وأنه ليصعب أن نذكر جميع هذه الأعمال أو أكثرها في هذه الترجمة الموجزة، ولكنّنا نلم بشيء منها، والله الموفّق. مؤلّفاته النافعة: كان حكيم الأمة الشيخ التهانوي ﵀ أكثر الناس تأليفا في عصره، ولا يوجد في هذا القرن من يجاريه أو يدانيه في كثرة المؤلّفات، فإنه قد ترك خلفه نحو ألف كتاب مطبوع ما بين صغير وكبير. وليس موضوع ديني يحتاج إليه المسلمون في هذا العصر، إلا وله فيه كتاب أو رسالة أو موعظة مطبوعة، ولسنا نستطيع أن نستوعب ذكر جميعها في هذه العجالة الموجزة، ولكن إليكم ذكر البعض الأهمّ منها. فأما في التفسير فله تفسير بديع باللغة الأردية باسم "بيان القرآن" في أربع مجلّدات ضخيمة على القطع الكبير. يحوي مباحث علمية هامة من التفسير والنحو والبلاغة والفقه والكلام والتصوّف، وإنما يعرف قدر هذا الكتاب إذا رجع إليه الرجل بعد مطالعة المطوّلات من كتب التفسير، فإنه يجمع لبّها ومغزاها بعبارة موجزة علمية جامعة. وكان يودّ أن يؤلّف "أحكام القرآن" باللغة العربية بنفسه، ليجمع فيه المسائل الفقهية والكلامية، المستنبطة من القرآن الكريم، ولا سيّما المسائل التي حدثتْ في هذه العصور الأخيرة، وليس لها ذكر في كتب المتقدّمين، ولكنه كان في آخر عمره حين تعذّر عليه التأليف بنفسه، ففوّض تأليفه إلى أربعة من العلماء: فضيلة الشيخ المفتي محمد شفيع، وفضيلة الشيخ المفتي جميل أحمد، والشيخ ظفر أحمد العثماني صاحب "إعلاء السنن"، ومولانا المحدّث الشيخ محمد إدريس الكاندهلوي صاحب "التعليق الصبيح على مشكاة المصابيح"، رحمهم الله تعالى. فألّف مولانا الشيخ العثماني منه جزئين، وفضيلة الشيخ المفتي محمد شفيع جزئين، ومولانا الشيخ الكاندهلوي جزأ، وطبعتْ هذه الأجزاء بـ "كراتشي" طبعا حجريا، والباقي لم يطبع بعد، وفّقنا الله تعالى لإخراج هذا الكتاب على وجه يرضي القارئين. وللشيخ أيضًا رسالة "التقصير في التفسير"، انتقد فيها بعض التفاسير العصرية، وشرح فيها قواعد نفيسة من أصول التفسير، مما يغفل عنها كثير من الناس في عصرنا، وله ثلاث وعشرون رسالة غيرها في التفسير وعلوم القرآن. وأما في الحديث فقد صنّف بنفسه "جامع الآثار"، و"تابع الآثار"، واهتمّ بتأليف "إعلاء السنن". وأما في الفقه فله "إمداد الفتاوى" في ستّ مجلّدات ضخمة باللغة الأردية، وهي مجموعة لفتاواه التي كتبها بنفسه، وكان ﵀ أكبر مرجع للفتيا في "الهند"، يرجع إليه المستفتون من مشارق الأرض ومغاربها، ويكتب إليه العلماء الأفاضل في مسائل عويصة أشكل عليهم أمرها، فيجيبهم الشيخ، ويحلّ مشكلات المسائل وغامضها بكلّ تحقيق وتدقيق، بما يثلج صدورهم، ويشفي غلّتهم. وإن "إمداد الفتاوى" شاهد عدل لعمق نظره في الفقه، وفيها مباحث فقهية نفيسة، وشرح لمعظم المسائل التي حدثت في العصور الأخيرة، ويعتبر هذا الكتاب الآن أكبر مأخذ للمفتين في "باكستان" و"الهند" و"بنغلاديش". وله أيضًا كتاب "بهشتي زيور" (حليّ أهل الجنة)، وهو في سبعمائة صفحة تقريبًا في القطع الكبير. قد جمع فيه مسائل جميع أبواب الفقه والعقائد والتصوّف، وصنّفه في الأصل لتعليم النساء، فجمع فيه علاوة على المسائل الدينية جميع ما تحتاج إليه النساء في حياتهن الأسرية، وساعده في تأليف هذا الكتاب جماعة من العلماء. وهذا الكتاب، وإن كان قد قصد به إفادة النساء فقد انتفع به الرجال كثيرًا، ولم يجد العلماء عنه غنى، وترجم إلى عدّة لغات محلّية. وله أيضًا "تحذير الإخوان عن الربا في الهندوستان"، و"رافع الضنك عن منافع البنك" في تحقيق مسئلة الربا، و"الاقتصاد في التقليد والاجتهاد"، و"الحيلة الناجزة للحليلة العاجزة" التي حقّق فيها مسائل زوجات المفقود والعنين والمجنون والمتعنّت ومسائل تفويض الطلاق وخيار البلوغ، وأفتى في معظم هذه المسائل بمذهب المالكية، وحقّق مذهبهم بالاستفتاء عن علماءهم، وله كثير من الرسائل غيرها في تحقيق مسائل فقهية جزئية. وأما في العقائد والكلام فله "الانتباهات المفيدة في الاشتباهات الجديدة"، وهو كتاب فريد في بابه، جمع فيها الشبهات، التي أوردها الملحدون على الإسلام، والتحريفات التي ارتكبها الذين يحاولون السير في ركاب الغربيين وردّ عليهم ردّا بليغا ناجعا، وأثبت العقائد الإسلامية الأساسية بأدلّة عقلية، تقنع كلّ ذي عقل سليم وطالب حقّ، وقد طبعنا حالا بتوفيق الله تعالى ترجمته الإنكليزية، وله أيضًا "المصالح العقلية للأحكام النقلية"، وقد طبع ترجمته الإنكليزية أيضًا، وله "شهادة الأقوام على صدق الإسلام"، جمع فيه ثناء الكفّار على الإسلام وتعاليمه، وله "إصلاح الخيال"، و"أشرف الجواب"، و"الإكسير في إثبات التقدير"، و"الخطاب المليح في تحقيق المهدي والمسيح"، و"ذيل على شرح العقائد النسفية"، و"دراية العصمة" في الردّ على فلسفة "هداية الحكمة"، وكثير من الرسائل غيرها. وأما في التصوّف فله "مسائل السلوك من كلام ملك الملوك" باللغة العربية، استنبط فيه مسائل السلوك والتصوّف من القرآن الكريم، و"التشرّف بمعرفة أحاديث التصوّف"، جع فيه الأحاديث التي يستنبط منها مسائل التصوّف، وشرحها شرحا وافيا مع ذكر أصول التصوّف ومسائله الأساسيّة، و"شرح المثنوي لمولانا الرومي" في ثماني مجلّدات، و"معارف العوارف" في مجلّدين، و"التكشّف عن مهمّات التصوّف"، و"تلخيص البداية" للغزالي، و"تربية السالك، وتنجية الهالك"، وهي مجموعة لما كتب إلى مسترشديه جوابا لأسئلتهم في أمراضهم النفسية، ويحتوي على نكات بديعة في إدراك العلل النفسية وعلاجها، لم يؤلّف في هذا الموضوع كتاب غيره فيما نعلم، وله رسائل كثيرة سوى ما ذكرنا في التصوّف. وأما في الدعوى والإرشاد فله "حياة المسلمين"، و"تعليم الدين"، و"فروع الإيمان"، و"جزاء الأعمال"، و"آداب المعاشرة"، و"حقوق الإسلام"، و"حقوق الوالدين"، و"إرشاد الهائم في حقوق البهائم"، و"القول الصواب في مسئلة الحجاب"، و"إلقاء السكينة في إبداء الزينة"، و"إصلاح الرسوم"، و"حفظ الإيمان" في الردّ على البدع والعقائد الباطلة، و"أغلاط العوام"، و"إصلاح انقلاب الأمة"، و"حقوق العلم"، و"كثرة الأزواج لصاحب المعراج" ﷺ، و"إصلاح النساء"، وكثير من الكتب غيرها. وأما في الأذكار والأدعية فله "المأمول المقبول في قربات عند الله وصلوات الرسول"، اختصر فيها الأدعية المأثورة من "الحصن الحصين"، وقسّمها على سبعة أحزاب، وقد بلغ هذا الكتاب أكثر بيوت المسلمين في هذه البلاد، يقرأ كلّ يوم، وله "زاد السعيد في صيغ الصلاة على النبي ﷺ، و"الخطب المأثورة"، جمع فيه خطب النبي الكريم ﷺ والخلفاء الراشدين، و"خطبات الأحكام لجمعات العام"، و"زوال السنة عن أعمال السنة". وأما في السيرة فألّف فيها "نشر الطيب في ذكر النبي الحبيب" ﷺ، وفي النوادر المتفرّقة: "بوادر النوادر"، و"بدائع الفرائد"، و"اللطائف والظرائف"، فهذه إلمامة يسيرة ببعض تصانيفه، وهذا كلّه سوى مواعظه المطبوعة في مجلّدات ضخمة وسيأتي ذكرُها في ما يلي: مواعظه: وكان الشيخ ﵀ زمن دراسته بـ "ديوبند"، يتمرّن على الوعظ والخطابة، ويعقد كلّ ليلة الجمعة حفلة يجتمع فيها الطلّاب، ويلقون كلماتهم مرّة بعد أخرى، وكان الشيخ ﵀ من سبّاق هذه الحلبة ومبرّزي هذا الميدان، حتى أصبح بعد فراغه من الدراسة من أشهر الخطباء والوعّاظ في عصره، وجعل أثناء إقامته بـ "كانبور" يعظ الناس، ويدعوهم إلى الخير، تعقد له الحفلات في كلّ ناحية من نواحي البلد، ثم في كلّ بلدة من بلاد "الهند"، واشتهرتْ مواعظه في جميع أنحاء البلاد، تشدّ لأجلها الرحال، وتتحمّل لاستماعها المشاقّ، وتنتهز لذلك الفرص، وحقا! كانت مواعظه كالبحر، لا يرى له ساحل، فيها من العلم والحكمة والأمثال والنوادر واللطائف والغرائب ما لا تحمله الأسفار، وفيها من بدائع التفسير والحديث والفقه والتصوّف ما لا يوجد في الكتب المتداولة، ينثر فيها الشيخ من لآلي عرفانه ما يجلو القلوب، وينوّر الأذهان. وكان لمواعظه من التأثير في إصلاح النفوس وتقويم الأفكار ما لا يوجد له نظير في هذا العصر، فكم من رجل كفّ بعد سماعها عما اعتاد من المعاصي، وكم من ضالّ قد تاب بها عن البدع والأهواء، كم من متخبّط في الشكوك قد اهتدى بها إلى الإيمان واليقين، والذين قد أحدثت هذه المواعظ انقلابا في حياتهم قد يجاوز عددهم الآلاف من الرجال والنساء، ونحمد الله تعالى أن العدد الكبير من هذه المواعظ قد دوّنها تلامذته ومسترشدوه أثناء الوعظ، وطبع منها ما يبلغ نحو عشرين مجلّدا، كلّ مجلّد منه يحتوي على ستمائة صفحة على الأقلّ. فهذه المواعظ المطبوعة عين جارية مستمرّة حتى اليوم، لا تكدى ولا تنقطع، ولا تنفد ولا تغور، وهناك رجال لا يحصون لم يصحبوا الشيخ التهانوي ولا رأوه، ولكنّهم نالوا فوائد صحبته بمواعظه المطبوعة، وحدث في حياتهم انقلاب ديني عظيم. وكان من عاداته في الوعظ: أنه لم يكن يقبل عليه من عوض، حتى لو أهدى إليه رجل بعد الوعظ شيئًا بما يجعله كالعوض صورة لم يقبله أبدًا، وكان يرجّح في مواعظه جانب الترغيب على الترهيب، ويقول: قد جرّبت طباع الناس في هذا العصر، فوجدتهم ينتفعون بما يشوقهم أكثر من انتفاعهم بما يخوفهم، ولذلك أكثر في مواعظه من الترغيب، وأقلّ من الترهيب (¬١). وكان يدعو الله سبحانه قبل الشروع في الوعظ قائلا: اللّهم وفّقني لبيان ما يحتاج الحاضرون إليه، وما يصلح أحوالهم (¬٢). وكان لا يتعرّض في مواعظه للمسائل الخلافية فيما بين المسلمين، إلا إذا جاءت مسئلة خلافية أثناء كلامه، فيشرّحها شرحا وافيا برفق ولطف، وحكمة ونصيحة، لا يغلظ فيه الكلام على مخالفيه، ولا يبالغ في التشنيع عليهم، كما هو عادة الوعّاظ في عصرنا، وإنما يتبع أسوة الأنبياء في قول ليّن، وموعظة حسنة. ملفوظاته القيمة. كان ﵀ يعقد كلّ يوم بعد الظهر مجلسا عاما في "الخانقاه الإمدادي"، يجتمع فيه تلاميذه ومسترشدوه وعامة الناس، فكان يعظهم، ويجيب عن أسئلتهم المتفرّقة، ويحدّثهم بما بدا له من غير اقتصار على موضوع دون موضوع، وكان بعض الحاضرين في هذه المجالس يدوّن كلامه، وما يلقي فيه من إفادات، فطبع كلامه هذا باسم "الملفوظات" في أكثر من عشرين مجلّدا، وتشتمل هذه "الملفوظات" على نوادر من علم وحكمة، ولطائف وظرائف، وقصص وأخبار، وموعظة، وعبرة، وإصلاح، وإرشاد، وأدب وخلق، ونقد، ورد، وقد جرّب علماء هذه الديار بأن لها أثرا بالغا في تكوين المذاق الدينيّ السليم والتشجيع على الأعمال الصالحة. بيعته ﵀ في السلوك قد شهدت التجربة أن مجرّد غزارة العلم وسعة المطالعة لا يكفي في تربية الإنسان تربية دينية قويمة، فإن إصلاح النفوس وتزكية القلوب وتقويم الملكات وتعديل الأخلاق لا يكاد يتحصّل لرجل، إلا بأن يتأسّى في حياته أسوة رجل من رجال الله، ويتمتّع بملازمته وصحبته، ويستفيد من تعاليمه وتربيته، ويجلب إلى نفسه تلك المواهب العالية، وذلك المذاق السليم الذي وفّق له ذلك الرجل، ولذلك فسّر سبحانه "الصراط المستقيم" بقوله: "صراط الذين أنعمت عليهم" إشارة إلى أن الصراط المستقيم إنما هو صراط مشى عليه الذين أنعم الله عليهم، من النبيين، والصدّيقين والشهداء والصالحين. وفسّره النبيّ ﷺ، بقوله: "ما أنا عليه وأصحابي"، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، دلالة على أن الصراط المستقيم المطلوب إنما يهتدي إليه الرجل باتّباع من ينيب إلى الله، وملازمة الصادقين الذين هذّبت نفوسهم واعتدلت عواطفهم النفسية، ولذلك قد استمرّت عادة العلماء منذ عهد الصحابة والتابعين أنهم لا يكتفون بمجرّد مطالعة الكتب وحفظ الأحاديث وتلقّي الدروس، وإنما يهتمّون بملازمة رجال الله والاستفادة من صحبتهم وخدمتهم. فكان الشيخ التهانوي رحمه الله تعالى ولوعا بملازمة شيوخه، حريصا على خدمتهم، وبعد الفراغ من دراسته بايع العارف المبتصر الحاج إمداد الله المهاجر المكّي بيعة السلوك، ولازمه مدّة، واستفاد من صحبته، وذلك عند ما ذهب به والده إلى "الحجاز" للحجّ والزيارة سنة ١٣٠٠ هـ، فارتحل في شوّال وحجّ بيت الله، وزار روضة النبي الكريم ﷺ، ومكث عند شيخه مدّة، ثم حجّ مرّة ثانية في سنة ١٣١٠ هـ، وبقي عند شيخه مدّة ستة أشهر، ولازمه ملازمة لا تفتر ولا تنقطع، وبقوّة استعداده وكمال عناية الشيخ أصبح في هذه المدّة اليسيرة كالمرآة تتجلى فيها سيرة شيخه، وتترقرق فيها أخلاقه ومذاقه، حتى أصبح معروفا في دياره بعبادته وزهده وورعه، وبحسن تعليمه وتربيته، ونظف طريق التصوّف عن الخرافات المحدثة والبدع الشنيعة، وجدّده تجديدا، ولنشرح عمله هذا بشيء من البسط. تجديده في التصوف والسلوك كان الناس في أمر التصوّف والسلوك ما بين إفراط وتفريط، فطائفة تزعم أن التصوّف والسلوك من البدعات المحدثة، ليس له أصل في الكتاب والسنّة، وأخرى تعتقد أن التصوّف والسلوك اسم لبعض الكشوف والمواجيد والإشراقات التي تعترض لسالك هذا الطريق، وأن هذه الأحوال والتجارب النفسية هي المقصودة بالدين، ومن فاز بها تخلّص عن ربقة الأحكام الشرعية الظاهرة، والذي صدرت منه بعض الشعوذة والتصرّفات، أو ظهرت له بعض الكشوف والمواجيد في اليقظة أو المنام اتخذه الناس قدوة وإماما، مهما زاغتْ عقيدته أو فسدتْ أعماله وأخلاقه. فقام حكيم الأمة الشيخ التهانوي ﵀ بالردّ على هاتين الفكرتين نظريا وعمليا. أما نظريا فقد أثبت في كتبه وخطبه ومواعظه ومجالسه أن التصوّف والإحسان جزء من أجزاء الدين وشعبة من شعب الإسلام، وأن أحكام الكتاب والسنّة تنقسم إلى قسمين، قسم يتعلّق بالأعمال الظاهرة التي تصدر من الأعضاء والجوارح مثل الصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، والنكاح، والطلاق، وما إلى ذلك من الأحكام الشرعية، التي بسطها الفقهاء في كتبهم. والقسم الثاني من أحكام الكتاب والسنّة يتعلّق بالأعمال الباطنة، التي محلّها القلوب والأرواح، وفيها مأمورات ومنهيّات. أما المأمورات فمثل الصدق، والإخلاص، والخشية، والرجاء، والشوق، والأنس، والصبر، والشكر والتواضع، والخشوع، وحبّ الله ورسوله ﷺ، والإنابة، والإخبات إليه تعالى، وما إلى ذلك. وأما المنهيّات فمثل الرياء، والسمعة، والعجب، والتكبّر، والحقد، والحسد، واليأس، والقنوط، وحبّ المال، والجاه، وكثير من أمثالها. فالتصوّف إنما يعتني بهذا القسم من الأحكام الإلهية، كما أن الفقه يعتني بالقسم الأول منها، وإن القرآن والسنّة مليئان بالنصوص الواردة في هذا الصدد، غير أن الأحكام التي تتعلّق بباطن الإنسان لا يمكن امتثالها عادة إلا بتدريب وتمرين وتربية ومراس، لأن الأمراض الباطنة مثل الرياء، والعجب، وغيرهما أمراض خفية، ربما لا يدركها المريض بنفسه، وإنما يحتاج لإدراكها إلى رجل عارف محنك، يشرف على حركاته وسكناته، وأعماله، وخواطره، وأفكاره ووساوسه، وهذا الرجل المشرف يسمّى في التصوّف شيخا، والرجوع إليه بيعة. وأما هذه الكشوف، والخوارق، والشعوذة، والتصرّفات، والرؤيا، والمواجيد، فأثبت الشيخ التهانوي ﵀ أنها ليستْ من التصوّف في شيء، لا شكّ أن الله ﷾ قد أظهر بعض الكرامات على أيدي الصحابة والأولياء، ولا ريب أنه تعالى قد منّ على بعض عباده بالكشوف الصادقة، ولكنّها ليست مقصودة في الدين، ولا حجّة في الشرع، ولا شاهدة لصاحبها بالولاية والتقوى والتقرّب إلى الله، فإن أمثال هذه الكشوف والتصرّفات لا يشترط لها الصلاح، والتقوي، بل ولا الإسلام، والإيمان، فإنها ربما تحصل بالتمرين والممارسة للرجال فسقة كفرة، كما هو مشاهد من أصحاب ميسمرزم. فالمقصود في التصوّف إنما هو التخلّق بالأخلاق الفاضلة، واجتناب الرذائل النفسية، والفائز الناجح في هذا الطريق هو الذي تحلّى بهذه الفضائل مع الامتثال التامّ للشريعة الإسلامية، والاتباع الكامل للسنّة النبوية، فإن أعطاه الله بعد ذلك نصيبا من فراسة الإيمان، أو حظّا من الكشوف الصادقة، فهو منّة زائدة من الله تعالى، وأما الذي حرم من هذه الأخلاق الفاضلة، واتباع السنة النبوية، ولم يجتنب هذه الرذائل النفسية، فهو بعيد كلّ البعد عن التصوّف والطريقة، والولاية والسلوك، سواء كان يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، أو يرقى في السماء. فهذه الفكرة السليمة المعتدلة في أمر التصوّف مبسوطة في شتّى مؤلّفات الشيخ التهانوي ومواعظه بدلائلها من الكتاب والسنّة، وشواهدها من سير الصحابة، والأولياء، وحججها من العقل السليم والتجارب النفسية، ودفع ما يثار حولها من شبهات وتطبيق أعمال الصوفية الكبار على الكتاب والسنة بما يطمئنّ القلوب، ويثلج الصدور، ولا يدع مجالا للإنكار إلا لمكابر جاهل أو معاند متجاهل. وأما عمليا فردّ الشيخ على هاتين الفكرتين بعمله الموافق للسنّة المحمدية، وتربية مسترشديه على منهاج الشريعة، فكان كلّما رجع إليه أحد للبيعة أمره أولا بأداء واجبه في الشريعة، سواء كان من حقوق الله أو حقوق العباد، وكانت عنايته بحقوق العباد آكد وأكثر، لما شاهد حال كثير من الناس أنهم يواظبون على العبادات، ويكثرون من ذكر الله، ولكنّهم يقصرون في حقوق العباد، ويخالفون الشرع في كثير من المعاملات، وكذلك كان اهتمامه بتعليم آداب المعاشرة أكثر من اهتمامه بتعليم الأوراد والأذكار وسائر التطوّعات، وكان يقول: إني أصرف أكثر عنايتي إلى أن لا يؤذى أحد مني أو من أصحابي، سواء كان ذلك الإيذاء بدنيا، كالضرب والنزاع، أو ماليا كغصب الحقوق والأكل بالباطل، أو ما يتعلّق بعرضه كإهانة رجل واغتيابه، أو نفسيا، مثل أن يترك أحد غيره في اضطراب وتشويش، أو يعامله بما يكرهه، وإن صدر شيء من ذلك خطأ، فالواجب أن يبادر إلى طلب العفو والصفح. وإني أهتمّ بهذه الأشياء أكثر من اهتمامي بغيرها، حتى لو رأيت أحدا يخالف الشريعة في وضعه الظاهر فإن ذلك يحدث في نفسي نوعا من الألم، وأما إذا رأيت أحدا لا يبالي بأداء هذه الحقوق، فإنه يحزنني حزنا شديدا، وأدعو الله تعالى له بأن ينجيه من هذه الموبقات (¬١). ويقول في موضع آخر: إن رأس الخلق الحسن وأساسه أن يهتمّ الرجل بأن لا يتأذّى به أحد، وهو الذي علّمه النبي ﷺ بقوله الجامع: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وكلّ ما كان سببا لإيذاء أحد فهو داخل في سوء الخلق، سواء كان صورته صورة خدمة أو أدب وتعظيم، مما يزعمه الناس حسن خلق، لأن حقيقة الخلق الحسن هي إراحة الغير، وهي مقدّمة على الخدمة، فالخدمة بغير الإراحة قشر بلا لب. وإن آداب المعاشرة ولو كانت متأخّرة عن العقائد والعبادات من حيث كونها شعائر للدين، ولكنّها مقدّمة على العقائد والعبادات من حيثية أخرى، وهي أن في الإخلال بالعقائد والعبادات ضررا لنفس الإنسان، وفي الإخلال بآداب المعاشرة ضررا لغيره، وإضرار الرجل غيره أشدّ من إضراره نفسه، ومن ثمّ قدّم الله تعالى قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، الذي فيه تعليم آداب المعاشرة على قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، الذي فيه تعليم العبادات وغيرها، فالمعاشرة الحسنة مقدّمة على الفرائض من بعض الوجوه. وأما تقدّمه على النوافل فثابت بجميع الوجوه. ولم تكن عند الشيخ التهانوي ﵀ نظريات محضة وأفكار خاوية، وإنما كانت هذه النظريات متجلّية في أعماله وحياته، بل وفي حياة مسترشديه. فكان "الخانقاه الإمدادي" دار تربية فريدة في منهجها في العالم، تهذب فيها الأخلاق، وتثقّف فيها الأفكار، وتعلّم فيها آداب الحياة الفردية والاجتماعية، يجتمع فيها المسلمون من أنحاء "الهند" وجوانبها، فيهم العلماء والمشايخ الكبار، وفيهم الأطبّاء والمهندسون، وفيهم الموظّفون والمدرّسون، وفيهم أصحاب الزراعة والصناعة، وفيهم رجال من جميع مجالات الحياة، يأتون إليه، ويسكنون عنده فترات طويلة، وربما تكون معهم الزوجات والأولاد، فيشرف الشيخ على أحوالهم، ويعلّمهم الدين، ويدرّبهم على الأخلاق الإسلامية، ويصف لهم طريق الحصول عليها، ويمرّنهم على آداب المعاشرة، ويشرح لهم دقائقها، ويلفت أنظارهم إلى أمراضهم النفسية، ويبيّن لهم طريق التخلّص منها. وكان لهذا الخانقاه نظام محكم في كلّ شيء، لا يستطيع أحد أن يخالفه، وكان هذا النظام نفسه مثالا حيّا لآداب المعاشرة الإسلامية يحضّ المرء على أن ينظّم حياته، ويضبط أوقاته، ويعني بأداء الحقوق والاحتراز عن إيذاء الآخرين. حتى صارت هذه الزاوية مصنعا كبيرا، يصنع فيه الرجال، وتصاغ فيه الأخلاق الحسنة والآداب الصالحة، ولو شرّحنا هذه الأخلاق والآداب التي كان يلتزمها الشيخ ويدرّب عليها غيره لطال بها الكلام، ولكنّنا نودّ أن نورد للقارئ الكريم بعض الأمثلة من سيرته وعادته، حتى يتّضح هذا الموضوع بعض الاتضاح: كان ﵀ كلّما احتاج إلى أن يكلّم أحدا أو يأمره بأمر، لم يطلبه إلى نفسه أبدا، بل مشى إليه بنفسه، سواء كان تلميذه أو مسترشده أو من صغار أقاربه، وكان يقول: الواجب أن يذهب المحتاج إلى المحتاج إليه، ولا يعكس الأمر، وكان طبيب من الأطبّاء الحكيم محمد هاشم من أصحابه، وخلص مسترشديه يتردّد إليه كثيرًا، ولكن الشيخ كلّما احتاج إلى أن يصف له بعض أحوال مرضه ذهب إليه بنفسه ما لم يتعذّر ذلك لمرضه (¬١). كان لا يأمر خادما من خدّامه بأمرين معا، وإنما كان يأمره بأمر، ثم يأمره بآخر بعد فراغه من الأول، وكان يقول: إني أفعل ذلك لئلا يثقل على الخادم حفظ الأمر الثاني، فاحتمل مشقّة الحفظ بنفسي، ولا أكلّف بها الخادم. (٣) كان لا يشفع لأحد إلا بحقّ، ولو علم أو ظنّ أن ذلك يثقل على جانب المشفوع إليه لم يفعله أبدا، وكان يقول: إن الناس عامة يراعون في أمر الشفاعة جانب المشفوع له، ولا يراعون جانب المشفوع إليه، مع أن إعانة رجل أمر مستحبّ، والاحتراز عن الإيذاء واجب، فكيف يجوز ترك واجب لحصول مستحبّ؟ (¬١). (٤) كان لا يلحّ على ضيف من الضيوف بالإكثار من إقامته عنده بغير رضاء، سواء كان الضيف من أحبّ الناس إليه، وإقامته من أحبّ ما يهواه، وكذلك لم يكن يجبر الضيف على الإكثار من الطعام بخلاف رغبته، لئلا يثقل عليه ذلك. (٥) كلّما كتب إلى أحد رسالة، وفيها استفسار من المكتوب إليه، وضع فيه لفافة معنونة مع طوابع البريد للجواب، سواء كان المكتوب إليه من تلامذته أو صغار أقرباءه. وهكذا كان يراعي ﵀ دقائق الأمور في آداب المعاشرة، وله فيها تأليف مستقلّ، وكانت حياته وحياة مسترشديه ونظامه في "الخانقاه الإمدادي" تفسيرا عمليا لهذه الآداب الإسلامية، حتى كان الناس يعرفون أصحابه برعاية هذه الدقائق في الأخلاق والمعاملات والمعاشرة. وهكذا عاش رحمه الله تعالى ثماني وأربعين سنة في "الخانقاه الإمدادي" يفيد الناس بعلمه ومواعظه وتصانيفه وتربيته، إلى أن توفّاه الله تعالى في شهر صفر سنة ١٣٦٢ هـ من الهجرة النبوية، تغمّده الله تعالى بمغفرته ورضوانه، وأسكنه أوساط جنانه (¬٢). قال عبد الحي الحسني: توفي صاحب الترجمة لستّ عشرة خلون من رجب سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وألف، وقد بلغ من العمر اثنتين وثمانين سنة. وكان مشكلا، منوّر الشبيه، أبيض مشرب الحمرة ربعة من الرجال، حسن الثياب في غير إسراف وتجمّل، حلوّ المنطق، لطيف العشرة، فيه دعابة مع مهابة ووقار وسكينة ورزانة، كثير المحفوظ، حسن الاستشهاد بالأبيات، كثير الإنشاد لأشعار المثنوي لمولانا جلال الدين الرومي في المواعظ والمجالس في محالها، شديد العناية، كثير الحسبة على أداء الحقوق إلى أصحابها، وإصلاح المعاملات مع الناس، لا يحتمل في ذلك تساهلا وتغافلا (¬١). * * *