page 1262, entry [941]Open original source
٦٢٨ - الشيخ الفاضل أحمد بن محمود الروميّ مفتي "الديار الرومية"، الشهير بقاضي زاده *. الإمام الفاضل، والبارع الكامل، الذي ظَنَّتْ حصاتُه في الآفاق، وارتفع قدرُه، وتفرّد في عصره بالاتفاق، ونال الجاهَ العريضَ، والحرمةَ الوافرةَ، وكانتْ كلمتُه مسموعة عند السلطان، نافذة حتى على الوزراء والأعيان. أخذ العلمَ عن فضلاء "الديار الرومية"، واشتغل، ودأب، وحَصَّلَ، ولزم المولى العلامة سعدي جلبي، والمولى عبد القادر الحميدي، مفتي "الديار الرومية" المشهور بقادري أفندي، واستفاد منه، وتخرّج عليه، إلى أن صارَ من أهل الفضل والكمال. وولي مدارسَ متعدّدة؛ منها: إحدى الثمان، وإحدى المدارس السليمانية، ثم ولي قضاء "حلب"، فأقام بها مدّة، ثم عزل، ولزم منزلَه، واشتغل بالتحرير والتحبير، والتأليف والتصنيف. ثم ولي قضاء "قُسطنطينية"، ثم قضاء العسكر بولاية "روملي"، ولم يزلْ فيه مدّته، فعُزل، ولزم بيته. وحصل بينه وبين المرحوم محمد باشا الوزير الأعظم في زمن دولة السلطان سليم بن السلطان سليمان تنافرٌ، أدّى إلى ارتحاله من "إستانبول" إلى مدينة "أدرنة"، والإقامة بها اختيارًا منه، لا مأمورًا بالخروج، وصار فيها مدرسًا بـ "دار الحديث"، بمائتي عُثماني. ثم قدم إلى إستانبول، في دولة السلطان مراد خان بن السلطان سليم، أدام الله أيامه، وولي قضاء العسكر بولاية "روملي"، وأقبل عليه السلطان غاية الإقبال، وحصل له من التمكّن في الدولة ما ذكرناه سابقًا، إلى أن توفي مفتي "الديار الرومية"، حامد أفندي، ففوّض إليه منصب الإفتاء مكانه، ولم يزل مُفتيًا مُشارًا إليه، يُشاور في الأمور، ويُطيع كلامه الجمهور، إلى أن توفي سنة ثمان وثمانين وتسعمائة، ودفن بالقرب من جامع السلطان محمد الكبير، في تربة أعدّها له قبل وفاته، رحمه الله تعالى. وله تآليف، منها: "شرح على أواخر الهداية" ابتدأ فيه من كتاب الوكالة، من المحلّ الذي وصل إليه ابن الهمام، وكأنه جعله كالتكملة لـ "شرح ابن الهمام"، وهو مع كونه كثير الفوائد، غزير الفرائد، بينه وبين "شرح ابن الهمام" بون بعيد، وفرق أكيد، وله حاشية على "شرح المفتاح" للسيّد الشريف، وكتاب "مُحاكمات" بين صدر الشريعة، وابن كمال باشا، وله غير ذلك رسائل كثيرة، في فنون عديدة. قلت: تكملته لـ "فتح القدير" هي "نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار"، وله "تعليقة" على "التلويح شرح تنقيح الأصول" للتفتازاني، وحاشية على "شرح تجريد الكلام"، و"شرح هداية الحكمة" للأبهري. وكان مع العلَّامة مفتي "الديار الرومية" محمد بن الشيخ بن إلياس، حين كانا قاضيين بالعسكر المنصور، سببًا في تقديم قُضاة العسكر على أمراء الأمراء في الجلوس عليهم، وحصل بذلك لأهل العلم شرف زائد، وتضاعف الدعاء منهم بسبب ذلك لحضرة السلطان مراد، وعدّ ذلك من محاسن أيامه، - أدامها الله تعالى، ومتّع المسلمين بطول بقائها -. وبالجملة، فقد كان صاحب الترجمة من مفاخر "الديار الرومية"، ولولا ماكان فيه من الحدّة، وسرعة الغضب، لاتفق الناسُ على أنه مفرد عصره في جميع المحاسن، - تغمّده الله برحمته -. * * *