page 1170, entry [850]Open original source
تلامذته وآثاره: كانتْ جهوده رحمه الله تعالى متوجّهة إلى التعليم والتفقيه، أكثر منها إلى التدوين والتأليف، فكان وقته مملوءا بإفادة الطَّلبة، وتحقيق المسائل العويصة، وإلقاء الدروس، ونشر العلم في الناس، فكان درسه في الجامع الكبير بـ "حلب" خاصة: مقصودا للعامة والخاصة على السواء، يحضره الجمّ الغفير منهم، ويتلقّون منها الفقه والعلم، والتعريف التام بالحلال والحرام من العبادات والمعاملات بفهم وبصيرة. وقلّ أن يجنح بهم في دروسه إلى جانب الوعظ والتخويف، فإنه كان يرى الفقه في الدين مقدّما على ما سواه من الوعظ والتذكير، وأن حاجة الناس إلى معرفة الحلال والحرام أكثر من حاجتهم إلى الخبز، فتفقّه به من العامة أعداد كثيرة، من مدينة "حلب" وغيرها، كانوا يقصدون حضورَ دروسه. أما الذين تفقّهوا به من الخاصة، فهم كثيرون جدا يبلغون المئات، وقد بقى أكثر من ثلاثين سنة، يدرس أفواج كبار الطلبة، ويتخّرجون به، ويتفقّهون عليه، وظهر منهم فقهاء أفذاذ، يعتبر بعضهم بن كبار فقهاء هذا العصر اللامعين. ويحضرني منهم -وفي مقدّمتهم- نجله العلامة الأريب الأديب شيخنا فقيه العصر البارع الضليع الشيخ مصطفى الزرقا، ذو المؤلّفات البديعة، والآثار العلمية الرفيعية، وهو أشهر من أن يعرف به، ولو لم ينجب الشيخ غير هذا الفقيه لكفاه فخرا وذكرا. وقد كان الشيخ مصطفى مصاحبا لأبيه الشيخ أحمد في دروسه كلّها، كما كان مصاحبا له في المنزل والمقام، ولما بلغ من طلب العلم والتفقّه مبلغا حسنا، يسأل، ويناقش في المسائل الفقهية العويصة بحذق ومعرفة: تعلّق به قلب والده الشيخ أحمد للمدارسة والمذاكرة معه، في كلّ أحيان، حتى إنه أمره أن ينام بقربه في الليل دائما، وطلب من والدته أن تنام في غرفة أخرى، ليتسنّى له محادثته ومناقشته فيما يعرض له من خواطر في المسائل الفقهية الدقيقة، وبهذا قد زقّه الفقهَ والعلمَ زقّا. ومنهم: العلامة الدكتور معروف الدواليبي، والعلامة الشيخ محمد الحامد الحموي، والشيخ صبحي الصباغ رئيس محكمة التمييز العليا بـ "دمشق"، وشيخنا العلامة الفقيه الكبير الشيخ محمد الرشيد، وأستاذنا الفقيه الورع الشيخ محمد السلقيني، وأستاذنا الفقيه الشيخ محمد نجيب خياطة شيخ القرّاء بـ "حلب"، وأخوه الطبيب الفقيه الصالح الدكتور عمر خياطة، والفقيه الشافعي الحنفي العلامة الشيخ محمد ناجى أبو صالح، وكان هو وغيره الكثيرون من فقهاء السادة الشافعية، يحضرون دروس الشيخ في الفقه الحنفي، لما كان يتمتّع به من المزايا العلمية والذاتية. ومن تلامذته أيضا: الفقيه الضابط المتقن الشيخ محمد الملّاح، وشيخنا الأستاذ محمد الحكيم مفتي "حلب"، والشيخ عبد الوهّاب سُكَّر، والأستاذ عمر بهاء الدين الأميري الشاعر المعروف، والشيخ بكري رجب، وجميل الحبَّال، وعبد الوهّاب السباعي، وصبحى طبنجات، وسعيد مسعود مفتي قضاء الباب، ومصطفى نجيب فأره، والأستاذ عبد القادر السَّبْيِي المحامي الكبير المعروف، والشيخ أحمد معوّد، وعمر مكناس أمين الفتوى بـ "حلب"، وإبراهيم الهلالي، والشيخ عبد الله خير الله مفتي قضاء جبل سمعان، وعمر البوشي، وجمعة أبو زلام، وعبد الله الريحاوي، وكامل بدر الحسيني، وغيرهم من النجباء الكرام، ممن غابوا عن الذاكرة الآن، رحم الله السابقين منهم إلى جواره، وأطال أعمار الباقين منهم في عافية وسرور، وجزى الجميع عن الدين والعلم خيرا. وقلّ حظّ كاتب هذه السطور، فلم يفز بالتلمذة عليه، والجثوة بين يديه، في دروسه وحلقاته، لوفاته رحمه الله تعالى في سنة ارتقائي إلى مستوى دروسه العالية، وإنما كان لي منه قَبَسَات عَطِرَة، وفوائد منتثرة، سمعتها منه ما تزال بشذاها باقية الأثر: فهذا الشذا آثار صحبته معى … ولست بورد إنما أنا تربه. هذه نبذة من آثاره العلمية في طلابه وتلاميذه الآخذين عنه. أما آثاره القلمية، فهي أثر وحيد فريد، وهو "شرح قواعد مجلّة الأحكام العدلية" الذي سبقت الإشارة إليه بإيجاز، وهنا أوسِع الكلام عنه بعض الشيئ. قد أسلفت أن الشيخ كان أستاذ مادة (القواعد الفقهية)، وأنه درّسها نحو عشرين سنة، وألّف هذا الكتاب في ظلّ تدريس تلك القواعد المائة، التي صُدِّرَتْ بها "مجلة الأحكام العدلية"، فيمكن أن يقال في هذا الكتاب إن الشيخ ألّفه في نحو عشرين سنة، فقد كان يتعهده دائما بالإضافة والتحرير والتنظيم والتحقيق، حتي غدا لبابا كلّه، وصار عنده بمنزلة ولد من أولاده. وقديما قالوا في شأن التحذير من نقد الكتب: (خف من صاحب الكتاب الواحد). وذلك لأنه يتفرّغ، ويمحّصه، ويشذِّبه، وينقّحه، ويكرّر النظر فيه، فتقلّ فَجَوَاته، وتندُر فَرَطَاته، وتزداد متانته وحسناته، وكان "شرح القواعد" هذا، هو الكتاب الواحد لهذا الجِهْبِذ الفقيه النقَّاد. ولذا جاء فريدا في مضمونه، متميّزا بمزايا لا توجد في غيره من شروح "قواعد المجلة"، التي قام بها أفذاذ قبله، مشهود لهم بالعلم والفقه والتحقيق، مثل العلامة الفقيه الشيخ علي حيدر "التركي"، والعلامة الفقيه الشيخ خالد الأتاسي مفتي "حمص" من "بلاد الشام"، والأستاذ الفقيه البارع سليم الباز المسيحي اللبناني، وغيرهم. وقد كان الشيخ رحمه الله تعالى متأخّرا عن هؤلاء الأفذاذ الفقهاء في الزمن وجودا، ومطّلعا على شروحهم وتحقيقاتهم، وكان يدرّس هذه القواعد السنين الطوال لنبغاء الطلبة، وكان كثير المطالعة في مطوّلات كتب الفقه للمتقدّمين والمتأخّرين، من مخطوطات الكتب ومطبوعاتها، فكان كلّما مرّ به فرع فقهى يتصل بإحدى هذه القواعد يُلحِقه بها، وينزله منزلته منها، إما تفريعا عليها، وإما إيضاحا لصيغتها، أو تقييدا لمدلولها، وإما استثناء منها. فجاء شرحه هذا نسيجَ وحده، لما فيه من التأصيل والتفريع في كلّ باب، ولجمعه فروعَ القاعدة وشواذَّها ومطّردها من أبوابها وغير أبوابها، ومن مواضع لا يظنّ بحال اتصالُ القاعدة بها، ولكن الشيخ لدأبه الدائم في المطالعة، ولاستمراره في التمحيص والتحقيق، ولثاقب نظره الدقيق، كان يلمَح تلك الشواهد، ويهتدي إليها، ويقتنصها في مطالعاته، ويقيّدها في شرح القاعدة الكلية التي تنضوي تحتها، فتمّ له شرح جليل فريد، يقع في ٥٠٠ صفحة. وإن من يدرُس هذا الشرح بتفهم واستيعاب وأهلية، تتكوّن لديه ملكة فقهية راسخة، لا يمكن أن يحصل عليها من طريق قراءة الكتب الفقهية، إلا مع العمر الطويل والمعاناة الدائمة لخوض المشكلات والعويصات من المسائل. وقد إذن الله بالفضل العظيم، فخرج هذا الشرح الحبيس مطبوعا بعد أكثر من أربعين سنة، إلى أيدي العلماء والفقهاء والمستفيدين، بأبهى حُلّة وأجمل إخراج وطباعة، يجدّد ذكري هذا العالم الفحل الفقيه، ويستدعي الترحّم عليه، واستمرار الأجر والثواب إليه، فجزي الله الخير كلّ الخير لمؤلّفه ولنجله العلامة الشيخ مصطفى الزرقا، الذي علّق عليه، وسعى بطباعته ونضره، ولناشره وللمشارك في خدمته وإخراجه للناس، وهو الآن قد تكرّر نشره وطبعه بين أيدي الدارسين، وفي موضعه المرموق بين أسفار المكتبة الفقهية بفضل الله وعونه.