page 1167, entry [848]Open original source
تنوع معارفه وعلومه: وكان الشيخ إلى جانب ضلاعته في الفقه، وتمكّنه منه، له ولع شديد بالأدب القديم، وتعمّق في اللغة العربية وآدابها، كثير المطالعة في كتبها في المصادر الأولى، ذوّاقةً للشعر الأصيل، راويةً له، حفّاظًا للأخبار ونوادر الأدب، كأنها مادته العلمية التى يدرّسها، ويعلّمها كلّ يوم. وكانت عادته في قراءة كتب الأدب والتاريخ والأخبار وغيرها، كعادته في كتب الفقه تماما، يدقّق فيها، ويقوِّم نصوصَها، ويعلّق على حواشيها، وينبّه على ما وقع فيها من أخطاء مطبعية، ويعتني بها اقتناءً ومتابعةً، كأن الأدب وهذه العلوم اختصاصه الوحيد. وكان أشدّ ما يكون وَلَعا بكتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني، و"كتاب الحيوان"، و "كتاب البخلاء"، و"البيان والتبيين" للجاحظ، و"مقامات الحريري"، وشروحها، و"مقامات بديع الزمان الهمذاني"، ورسائله، و"اللزوميات" لأبي العلاء المعرِّي، و"معجم البلدان" لياقوت الحموي، لكثرة ما فيه من الأخبار الأدبية والطرائف الشعرية، ونوادر الوقائع النفيسة للعلماء. ومع هذا الاطلاع الواسع على الأدب وتاريخه وعلومه، ومع رهافة الذوق الأدبى عنده، كثرة محفوظه من الشعر الأصيل وروايته له، لم يكن يقرض الشعر، ولا عُرِفَ عنه أنه مارس نظمه. وكان مما أعانه على سعة اطلاعه في الفقه وتبحّره فيه، وعلى ارتوائه من علوم الأدب والعربية: ما كان لديه من مكتبة كبيرة عامرة، جمعت نوادرَ المطبوعات القديمة والحديثة في تلك العلوم، كما جمعتْ نحوَ ألف كتاب مخطوط، من نفائس الكتب والخطوط المشهورة المعتبرة، المخطوطة بيد مؤلّفيها أو غيرهم من أكابر العلماء المتقنين، في مختلف الفنون والعلوم. وقد تجمّعتْ لديه تلك المخطوطات على آماد متطاولة، وانتخبها انتخابَ العالم البصير، إذ كان في مطلع شبابه يتاجر بالمخطوطات، ويجلبها من جهات متعدّدة، فكان ينتقي منها النفائس انتقاءَ العارف الخبير، ويستبقيها لنفسه وخِزَانته، وقلّما يُدخِل فيها مخطوطا دون أن يستوفيه قراءة، أو يُلِمَّ بمعظم ما فيه. وغدت لهذه المكتبة الخطّية التي عنده شهرة واسعة النطاق، لدى رُغَياب الكتب المخطوطة من عرب وأجانب، وكان بسببها له صلة وثيقة دائمة مع العلامة أحمد تِيْمُور باشا، رحمه الله تعالى، في "مصر"، وسافر إليه مرّات، وتعامل معه. ولما شاع أمر هذه المكتبة الخطّية، وكان للسفارات والقنصليات الأجنبية في كلّ بلد إسلامي سعي تام لجمع المخطوطات الإسلامية منها بأيّ ثمن يطلب، وتوارد عليه طلب بيعها من أولئك الأجانب وسماسرة المستشرقين والمكتبات الأجنبية، نظرا لما عرف عنه من جودة الانتقاء، وخِبْرته بخطوط العلماء، وانتخاب النفائس النادرة، وبذلوا فيها الأثمان المغْرِية، ولكنّه كان يرفِض بيعها لمن يخرجها إلى بلاد أجنبية، رغم حاجته إلى ثمنها. ثم خشي عليها من الطوارئ والحَيدَثان، لعدم قدرته على صيانتها وحمايتها بصورة مأمونة فنية، وهي عزيزة غالية على قلبه، كأحد أولاده، وأخيرا رأى بيعها لمكتبة الإسكندرية العامة في "مصر"، بواسطة السيّد أمين الخانجي الكتبي المعروف، بثمن أقلّ جدا مما دفعه له فيها عملاء الجهات الأجنبية. وكان بعد ذلك كلّما ذكرها أو ذكر بعض النفائس التى كانت فيها، وتكحلت عينه بمطالعتها وجيل خطوطها، يتمثّل بقول الشاعر أبي الحسن الفالي -بالفاء ذات النقطة الواحدة- لما باع نسخته من كتاب "جمهرة اللغة" لابن دريد، كتب عليها أبياتا منها: أُنِسْتُ بها عشرين عاما وبعتُها … وقد طال وجدي بعدها وحنيني! وما كان ظنى أننى سأبيعها … ولو خلدتني في السجون ديوني! وقد تُخرج الحاجات يا أمّ مالك … كرائم من ربّ بهن ضنين.