Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

سعة دائرة رواية الطحاوي عن شيوخ عصره

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 1105, entry [818]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 1105, entry [818]Open original source
سعة دائرة رواية الطحاوي عن شيوخ عصره: من اطّلع على تراجم شيوخ الطحاوي علم أن بينهم مصريين، ومغاربة، ويمنيين، وبصريين، وكوفيين، وحجازيين، وشاميين، وخراسانيين، ومن سائر الأقطار، فتلقّي منهم ما عندهم من الأخبار والآثار، وقد تنقّل في البلدان المصرية وغير المصرية لتحمّل ما عند شيوخ الرواية فيها، من الحديث وسائر العلوم، وكان شديد الملازمة لكلّ قادم إلى "مصر" من أهل العلم من شتى الأقطار، حتى جمع إلى علمه ما عندهم من العلوم، وسمع من أصحاب ابن عيينة وابن وهب، وهذه الطبقة، وخرج إلى "الشام"، فسمع بـ "بيت المقدس" و"غزّة" و"عسقلان"، وتفقّه بـ "دمشق" على القاضى أبي خازم عبد الحميد، كما تفقّه بـ "مصر" على ابن أبي عمران، وبكّار بن قتيبة، وكان يتردّد إلى القضاة الواردين إلى "مصر"، يستقي ما عندهم من العلوم، حتى أصبح واحد عصره في تحقيق المسائل، وتدقيق الدلائل بحيث يرحل إليه أهل العلم من شتى الأقطار، ليستمتعوا بغزير علومه، على اختلاف مسالكهم ومذاهبهم، وكانوا يتعجبّون جدّا من سعة دائرة استبحاره في شتى العلوم. قال ابن زولاق في "قضاة مصر": حدّثنى عبد الله بن عمر الفقيه، سمعت أبا جعفر الطحاوي، يقول: كان لمحمد بن عبدة القاضى مجلس للفقه عشية الخميس، يحضره الفقهاء وأصحاب الحديث، فإذا فرغ وصلّى المغرب انصرف الناس، ولم يبق أحد إلا من تكون له حاجة، فيجلس، ففي ليلة رأينا إلى جنب القاضي شيخا، عليه عمامة طويلة، وله لحية حسنة، لا نعرفه، فلمّا فرغ المجلس، وصلى القاضى التفت، فقال: يتأخّر أبو سعيد، يعني الفارابي، وأبو جعفر وانصرف الناس، ثم قام يتركّع، فلمّا فرغ استند، ونصبتُ بين يديه الشموع، ثم قال: خذوا في شيء، فقال ذلك الشيخ: أيش روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أمّه عن أبيه؟ فلم يقلْ أبو سعيد الفارابي شيئا، فقلت أنا: حدّثنا بكّار بن قتيبة، ثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن عبد الأعلى الثعبي، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أمه، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليغار للمؤمن فليغر"، قال: فقال لي ذلك الشيخ: أتدري ما تتكلّم به؟ فقلت أيش الخبر؟ فقال لي: رأيتك العشمية مع الفقهاء في ميدانهم، ورأيتك الساعة في أصحاب الحديث في ميدانهم، وقلّ من يجمع ما بين الحالتين. فقلت: هذا من فضل الله وإنعامه، فأعجب الفريابي القاضي في وصفه لي، ثم أخذنا في المذاكرة. اهـ. وأبو سعيد هذا هو محمد بن عقيل يعدّ في كبار فقهاء الشافعية من أصحاب المزني، ولم يكنْ يسعه غير السكوت أمام الطحاوي، المستبحر في العلوم، وبهذا العلم الواسع تمكّن من تأليف كتب، لا نظيرَ لها بين مؤلّفات أهل عصره، وكان الحامل له على استجماع الروايات ما لمس في منهجه الجديد من الحاجة الماسّة في استعراض جميع ما ورد في كلّ موضوع فقهي، من خبر مرفوع، أو موقوف، أو مرسَل، أو أثر من السلف، أو رأي منهم، بأسانيد مختلفة المراتب، ليستخلص من بينها الحقّ الصراح، لأن مَنْ قصر في جمع الرواية، واكتفى بخبر يعدّه صحيحا لا يكون وفي العلم حقّه، لأن الروايات تختلف زيادة ونقصا، ومحافظة على الأصل، ورواية بالمعنى واختصارا، فلا يتحصّل طمأنينة في قلب الباحث، إلا باستعراض جميعها، مع آراء فقهاء الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، فيتمكّن بذلك من ردّ المردود، وتأييد المقبول. وهذا ما فعله الطحاوي في كتبه، وقد أهّله علمه الواسع لحمل هذه الأعباء المضنية بمقدرة فائقة، أثارتْ نفوس بعض المخالفين، فتقولوا عليه، فازداد رفعة عند الله وعند الناس، ولولا هذه الهمّة القَعْسَاء عنده لكان في إمكانه أن يكتفي بكتاب من كتب الصحاح، أو السنن، فيعكف عليه وحدَه، ظانّا أنه هو العلم كلّه. لكن مواهبه أبتْ إلا هذا الاعتلاء. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وزيادة على هذا له منهج حكيم في ترجيح الروايات بعضها على بعض، من غير اكتفاء بنقد رجال الأسانيد فقط، وهو دراسة الأحكام المنصوصة وتبيين الأسس الجامعة لشتى الفروع من ذلك، فإذا شذ الحكم المفهوم من رواية راو عن نظائره في الشرع يعدّ ذلك علّة قادحة في قبول الخبر، لأن الأصل الجامع لشتى الفروع والنظائر في حكم المتواتر وانفراد راو بحكم مخالف لذلك لا يرفعه إلى درجة الاعتداد به، مع هذه المخالفة الصارخة. وهو أجاد تطبيق هذه القاعدة الحكيمة في كتبه جدّ الإجادة، وليس هذا ترجيحا لخبر على خبر بموافقة القياس، كما ظنّ على ما شرحت ذلك في "الإشفاق")، وغيره، ولم يكتف بمجرد نقد الرجال علما منه بمبلغ اختلاف النقاد، حتى في أشهر مشهوري حملة الآثار، ولذا وجد النظّار من المتكلّمين من غير أهل السنّة ما يتخذونه وسيلة، إلا إعلال رواياتهم في كتب أمثال الكرابيسي، وابن أبي خيثمة، وابن مَعين، وابن المديني، وغيرهم، ممن أطلقوا لسان النقد في كثير من الأجلّة، كما يظهر من كتاب أبي القاسم الكعبي، وكتاب الصاحب بن عباد في ذلك، فالطحاوي لم يكتف بهذا النقد القابل للمعارضة. بل سلك منهجا تخيره أصحابنا، وسار سيرهم فيه، وهو عدم إهمال ناحية موافقة حكم الخبر لنظائره أو مخالفته لها. وهذه طريقة بديعة، تركها المتأخّرون، وهي محفوظة بجدتها في كتب الطحاوي، وبروعتها، ويرعاها في بحوثه، بحيث لو تتبعها المتفقه نمتْ ملكته، وانكشفتْ مواهبه، وليس ذلك من جهله بأحوال الرجال، بل كان ما قاله أصحاب الشأن في رجال الرواية على طرف لسانه، ومبلغ سعة علمه في الرجال يظهر عند كلامه في الأحاديث المتعارضة في كتبه. وكتابه الكبير في تاريخ الرجال موضع ثناء أهل العلم، وإن لم نطلعْ عليه، لكن رأينا كثيرا من النقول عنه في كتب أهل الشأن مما يدلّ على زاخر علمه في هذا الباب، وليس ترجيحه لرواية على أخرى لموافقة إحداهما الأصول الجامعة دون الأخرى، من قبيل الترجيح بموافقة القياس، بل ردّ لما لا نظيرَ له في الشرع بالشذوذ، وهو أخذ بأقوى الحجج، ولا يهمل الكلام في الرجال أصلا، كما تجد مصداق ذلك في "معاني الآثار"، و"مشكل الآثار"، وغيرهما، من مؤلّفاته الخالدة، ومن زعم خلاف ذلك فقد قصرَ في التنقيب، ورمى بدائه غيره، والله المستعان.
Parsing and provenance details
Local passage ID
1092527
Book record
shamela-819
Source record
1107566
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain