page 986, entry [746]Open original source
٤٦٤ - الشيخ الفاضل المعروف بسيّد أحمد خان الرجل الكبير، الشهير أحمد بن المتقي بن الهادي بن عماد بن برهان الحسيني التقوي الدهلوي * *. كان من مشاهير الشرق، لم يكن مثله في زمانه في الدهاء ورزانة العقل، وجودة القريحة، وقوّة النفس والشهامة والفطنة بدقائق الأمور، وجودة التدبير، وإلقاء الخطبة على الناس، والمعرفة بمواقع الخطبة على حسب الحوادث، والتفرّس من الوجوه، وقد وقع له مع أهل عصره قلاقل وزلازل، وصار أمرُه في حياته أحدوثة، وجرتْ فتن عديدة. والناس قسمان في شأنه: فبعض منهم مقصّر به عن المقدار الذي يستحقّه، بل يريعه بالعظائم، وبعض آخر يبالغ في وصفه، ويجاوز به الحدّ، ويلقّبه بالمجدّد الأعظم والمجتهد الأكبر، ويتعصّب له كما يتعصبّ القسم الأول عليه، وهذه قاعدة مطّردة في كلّ من يفوق أهل عصره في أمر. وهو ما بلغ رتبة العلماء، بل قصارى أمره إدلاجه في الفضلاء، وهو ما أتقن فنا، وتصانيفه شاهدة بما قلتُه، فإن رأيت مصنّفاته علمتَ أنه كان كبير العقل، قليل العلم، ومع ذلك كان سامحه الله تعالى قليل العمل، لا يصلّى، ولا يصوم غالبا. وشأنه عجيب كلّ العجب، فإنه كان في بداية أمره على مذهب المشايخ النقشبندية، لأنه نشأ فيهم، وكان والده محمد المتّقي من أصحاب الشيخ غلام على الدهلوي، وأمّه عزيز النساء بنت فريد الدين الكشميري الوزير، كانت بايعت السيّد الإمام المجاهد السيّد أحمد الشهيد السعيد البريلوي، فصنّف الرسائل في إثبات الرابطة، وتصوّر الشيخ، وفي إثبات عمل المولد، وكان الناس يبدعونه في ذلك الحال، ثم رغب إلى طائفة السيّد الإمام ومختاراته، وصنّف الرسائل في الانتصار له، فنسبه الناس إلى الوهّابية، ثم ارتقى إلى ذروة التحقيق والاجتهاد في المذهب، وصدرتْ منه الأقاويل في تفسير القرآن الكريم، وفي تهذيب الأخلاق، فكفّره الناس، وبعضهم بدعوه، ونسبوه إلى نيجر، وهي كلمة إنكليزية، معناه الفطرة، لقوله: الإسلام هو الفطرة، الفطرة هى الإسلام. وكان مولده في خامس ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين بعد الألف بـ "دهلي"، وتربّى في حجر أمّه وجدّه لأمّه خواجه فريد الدين، وقرأ النحو والصرف وبعض رسائل المنطق إلى "شرح التهذيب" لليزدي، وقرأ "شرح هداية الحكمة" للميبذي، و"مختصر المعاني"، و"المطوّل" على علماء بلدته، ثم صرف همّته إلى الهيئة والهندسة، وقرأ "تحرير الأقليدس"، و"شرح الجغميني"، وبعض الرسائل في الآلات الرصدية للبرجندي، وأعمال الكرّة وأعمال الاصطرلاب وصنعة الاصطرلاب والربع المجيب والربع المقنطر والهلزون وجريب الساعة، وفرجاء التقسيم والفرجاء المتناسب كلّها على خاله زين العابدين. ثم قرأ "القانونجه"، و"الموجز"، و "معالجات السديدي"، و"كليات النفيسي"، وشرح الأسباب والعلامات إلى أمراض العين على الحكيم غلام حيدر خان الدهلوي، وتطبّب عليه برهة من الزمان، ثم تقرّب إلى بعض متوسِّلي الحكومة الإنكليزية، وولي التحرير في ديوان الحاكم لأقطاع "آكره"، وبعد مدّة ولي القضاء لفتحبور سيكري، فصار (صدر أمين)، واستقلّ بالقضاء أربع سنوات، ولقّبه في هذه السنين بهادر شاه بن أكبر شاه بن شاه عالم التيموري جواد الدولة عارف جنك، ثم نقل من "فتحبور" إلى "دهلي"، وسنحتْ له فرصة للأخذ والقراءة، فقرأ "القدوري"، و "شرح الوقاية"، و "أصول الشاشي"، و "نور الأنوار"، وبعض كتب أخرى على مولانا نوازش على الدهلوي، وقرأ بعض المقامات من "مقامات الحريري"، وبعض القصائد من "السبع المعلّقات" على مولانا فيض الحسن السهارنبوري، وقرأ "مشكاة المصابيح"، وقدرا صالحا من "جامع الترمذي"، وبعضا من "صحيح مسلم" على مولانا مخصوص الله بن رفيع الدين العمري الدهلوي، وأسند عنه للقرآن الكريم. وصنّف "أثار الصناديد" كتابا في تاريخ "دهلي"، وتجشّم الصعوبة في تصنيفه سنة ١٢٦٤ هـ، فتلقّاه الناس بالقبول، ونقل من "دهلى" إلى "بجنور" سنة ١٢٧٢ هـ، وصنّف بها "تاريخ بجنور"، وجدّ في تصحيح "آئين أكبري"، لأبي الفضل بن المبارك الناكوري، فصحّحه بمقابلة النسخ العديدة، كتب عليه الحواشي المفيدة. وكان في "بجنور" إذ ثارت الفتنة العظيمة ببلاد "الهند"، وثارت العساكر الإنكليزية على الحكومة سنة ١٢٧٣ هـ، فقام على ساق لنصرة الحكومة الإنكليزية، فلمّا تسلّطت الحكومة مرّة ثانية رتّبت له مائتي ربية شهرية له إلى حياته، وبعده لولده الكبير حامد بن أحمد الدهلوي إلى حياته، وجعلتْه صدر الصدور ببلدة "مراد آباد"، وهو عبارة عن نيابة القاضي في إحدى المتصرّفيات، فسار إلى "مراد آباد"، سنة ١٢٧٥ هـ، وصنّف الرسائل في أسباب الثورة والخروج، واشتهر أمره في "الهند"، وظهر فضله بين أهلها عند الحكومة الإنكليزية، ثم صنّف "تفسير الإنجيل"، و "سماه تبيين الكلام"، ولكنه لم يتمّ، واجتهد فيه في تقريب دين الإسلام إلى دين النصارى. ثم نقل إلى "غازيبور" سنة ١٢٧٩ هـ، وأنشا بها مجمعا علميا لنقل الكتب العلمية والتاريخية من اللغة الإفرنجية إلى لغة أهل "الهند"، يسمّونها أردو، وحرّض أهل تلك البلدة من المسلمين والهنادك لإنشاء مدرسة إنكليزية، فأنشأوها، وسمّوها وكتوريه أسكول، على اسم ملكة إنكلترا. ثم نقل من "غازيبور" إلى "عليكرة" سنة ١٢٨١ هـ، فنقل معه ما كان للمجمع العلمي من الآلات والأدوات إلى "عليكره"، وجمع الناس عليه، وجع الإعانات له، وبنى بناء شامخا لإدارته، فنقل أكثر الكتب المفيدة إلى أردو من العربية والإنكليزية، وأنشأ من تلك الرابطة العلمية صحيفة أسبوعية لإصلاح أهل "الهند"، ونقل من "عليكره" إلى بلدة "بنارس" سنة ١٢٨٤ هـ، وصنّف كتابا في حلّة طعام أهل الكتاب والمؤاكلة معهم سنة ١٢٨٥ هـ، وسفر مع ولديه حامد ومحمود إلى جزائر بريطانية سنة ١٢٨٦، فأقام في العاصمة سنة وخمسة أشهر، زار في خلالها المراكز الثقافية والمجامع العلمية وبعض الجامعات الشهيرة والمصانع والمعامل الكبيرة، واطّلع على المشاريع التعليمية والفنية، ولقي الأساتذة الكبار، وأعيان الدولة، وقابل الملكة وكتوريا، واحتفت به الدوائر الرسمية، وصنّف بها "الخطبات الأحمدية" في السيرة النبوية، وشرح العقيدة الإسلامية، وردّ ما أورده السر وليم ميور على السيرة ومهاجمته للإسلام وصاحب رسالته، في كتابه الشهير "حياة محمد"، ورجع إلى "الهند" سنة ١٢٩٢ هـ، وأنشأ مجلّة "تهذيب الأخلاق". وفشا أمره في الناس، فكفّره قوم من العلماء لأقاويل صدرتْ منه في المجلة، وتبعه الآخرون، وشرع في تصنيف تفسير القرآن، واحتضن المدرسة التي اسّسها المولوي سميع الله خان باتفاقه وتوجيهه للمسلمين بـ "عليكره"، أصبح بعده بمدّة الجامعة الإسلامية سنة ١٢٩٢ هـ، وسكن بتلك البلدة، وطلب من الحكومة أن يحال إلى المعاش، وأجيب إلى ذلك، فانتقل إلى "عليكره"، ووهب لهذه المدرسة (التي توسّعتْ بعد حياته، واشتهرتْ باسم جامعة عليكره الإسلامية ذكاءه ونفوذه ومواهبه كلّها، وانصرف إليها انصرافا كليا، يرغب فيها جميع طبقات المسلمين، ويجمع لها التبرّعات والإعانات بكلّ وسيلة وحيلة، ويختار لها الأساتذة الماهرين من الإنجليز وغيرهم، ويبني لها البنايات العظيمة، ويقوم لتعريفها والدعوة إليها بالجولات في أنحاء "الهند"، ويقوم بالدعوة إلى التعليم العصري واقتباس الحضارة الغربية وعادات الغربيين، ويكتب، ويؤلّف، ويشير على الحكومة بما يراه صالحا لها وللمسلمين، ويشارك في تشريع بعض القوانين وتهذيبها، ويخطب في المجلس التشريعي. وأسّس في سنة ١٣٠٤ هـ المؤتمر التعليمي الإسلامي لمساعدة المسلمين في الاستفادة بالتعليم الحديث وتوجيههم، وعارض المؤتمر الوطني العام، ودعا المسلمين إلى التنحّي عنه، والعمل لوحدهم متمسّكا بقلّة عددهم، وتخلّفهم في مجال السياسة والثقافة، وقرب العهد بالثورة التي أثارت حولهم الشبهات، ومنحتْه الحكومة سنة ١٣٠٦ هـ وساما ممتازا يسمّى بـ "نجم الهند"، لقّبتْه بـ: كي. سى. ايس. آئي. ومنحتْه جامعة إيدمبرا الدكتوراه الفخرية في سنة ١٣٠٧ هـ، ونشأ بينه وبين أعضاء المجلس التأسيسي للمدرسة خلاف في بعض القضايا الإدارية، وعارضه صديقه القديم، وعضده الأيمن في تأسيس المدرسة المولوي سميع الله خان في اختياره نجله القاضي سيّد محمود سكرتيرا مساعدا للجنة، فانفصل سميع الله وزملاؤه عن المجلس، واستقالوا عن العضوية، وكان لذلك الأثر العميق في نفس السيّد أحمد خان وأعصابه، وتأثّرت صحته، وحدث أن الكاتب الهندكي الذي كان يثق به السيّد أحمد خان وجعله أمين الصندوق في الكلّية تحقّقتْ عليه خيانة في مائة ألف وخمسة آلاف ربية بالتزوير، فكانت ضربة قاضية، لم تحتملها أعصاب السيّد أحمد خان وصحته، تكدّرتْ أيامه الأخيرة، ومات ابنه السيّد حامد في سنة ١٣١٥ هـ، فانهارتْ صحته، ولزم الصمت، واعتراه في غرّة ذي القعدة ١٣١٥ هـ احتباس البول، وفي الرابع من ذي القعدة ١٣١٥ هـ أصابه الصداع الشديد والحمّى، وفارق الحياة في الليل، ودفن بجوار مسجده الذي بناه في وسط الجامعة. وكان السيّد أحمد خان رغما عن المآخذ ومواضع النقد التي أشار عليها المؤلّف من لرجال العصامين، الذين أثّروا في عصرهم وجيلهم تأثيرا، لم يعرفْ لغيره من معاصريه، وقد أثّر في عقلية أبناء عصره، ومن جاء بعدهم، وفي السياسة والأدب والإنشاء وحركة التأليف، وتخرّج في مدرسته الفكرية -على ما فيها من ضعف وانحراف- رجال قادوا الحركة الفكرية والسياسية في شبه القارة الهندية، كان قويّ الشخصية، قويّ النفوذ على أصحابه وجلسائه، عاملا دؤبا، لا يتعب، ولا يملّ، وكان نشاطه كثير الجوانب، متنوّع الأغراض، واسع النطاق، وكان على رقّة في الدين وشذوذ في العقيدة، شديدَ الحبّ للمسلمين، شديدَ التألّم بما أصيبوا به، تواقا إلى تقدّمهم وسبقهم في مضمار العلم والمدنية والرفاهية، يستخدم لذلك كلّ وسيلة وحيلة. وكان رجلا مرهف الحسّ، حادّ الذهن، عصبيا، سريع الانفعال والقبول، كثير الاعتداد برأيه، كتير الاعتماد على غيره، إذا أعجب به، ووثّق، شديد الإجلال للحضارة الغربية. كان أبيضَ اللون، تغلب عليه الحمرةُ، واسعَ الجبين، كبيرَ الهامة في غير عيب، وكان في أنفه قصر عن وجهه الكبير، كبير الأذنين، وكان في نحره غدّة تغطيها لحيته الكبيرة، وكان جسيما بدينا، وكان في قامته طول، قد عدله سمنُ جسمه وضخامةُ بدنه، وكان قويّ الأعضاء، ضخمَ الكراديس، وكان يلبس لباسَ أهل وطنه قبل أن يسافر إلى "إنكلترا"، وبقي بعد ذلك يلبس اللباسَ التركيَّ، ويلبس الطربوشَ، وكان يعيش كالغربيين في بيت منعزل، ويأكل على طريقتهم. وأما مختتاراته في المسائل الكلامية والعقائد الدينية، فمنها: (١) إن الله سبحانه علّة العلل لجميع الكائنات. (٢) إنه عالم بجميع مكان وما يكون، وعلمه هذا هو التقدير. (٣) صفاته تعالى عين ذاته. (٤) العقل يكفي في معرفة الله، وفي التمييز بين الكفر والإسلام. (٥) لا يقبل العدم ما كان يبقى من الموجودات بعد انعدام العوارض، نوعية كانتْ أو شخصية. (٦) لا ينتقض قانون الفطرة، لأن أفعاله تعالى قانونه. (٧) حسن الأشياء وقبحها عقلي. (٨) الإنسان مجبور في فطرته وجبلّته، ومختار في قدرته. (٩) إجماع الأمة ليس بحجّة شرعية. (١٠) لا يجب على أحد تقليد أحد غير النبي المعصوم ﵌. (١١) الإيمان تصديق بالقلب، فإن أذعن أحد بالشهادتين في القلب فهو مؤمن، ولو تشابه بقوم في خصوصيات الدين، وشعار الكفر، كالزنّار والصليب والأعياد. (١٢) أحكام الشريعة كلّها مطابقة للفطرة. (١٣) النبوّة ملكة راسخة فطرية من باب تهذيب الأخلاق. (١٤) ملكة النبوة هي الناموس الأكبر، ويقال لها بلسان الشرع: جبريل. (١٥) معجزات الأنبياء ليست من دلائل النبوة. (١٦) المعجزة ليست غير مطابقة للفطرة، ولكن خفيتْ على الناس أسبابها، فظنّوا أنها خارقة للعادة. (١٧) الملائكة والشياطين ليستْ بأشخاص متحيّزة بالذات. (١٨) المراد بالملائكة القويّ الملكية، والمراد بالشياطين القويّ البهيمية، فإنها موجودة في وجود الإنسان، ليستْ خارجة عنهم. (١٩) القرآن ليس بمعجز في الفصاحة والبلاغة، لأنه ليس مما ألقي في قلب النبي ﵌ بلفظه، بل بمضمونه ومعناه، والمراد من قوله تعالى: فأتوا بسورة من مثله: وقوله: فأتوا بعشر سور مثله: التحدّي في الهداية والتعليمات. (٢٠) رؤية الله سبحانه لأحد من الإنسان محال، لا يقبله العقل. (٢١) الجنة والنار غير موجودتين في الخارج، بل المراد تخييل الراحة والعذاب بقدر فهم الإنسان. (٢٢) السماء هو بعد غير متناه، يتّصل بعضه ببعض، ولذلك أطلق عليه سبع سماوات، فهو ليس بأجرام فلكية، كما يزعمه الحكماء. (٢٣) ليست في القرآن آية منسوخة، لا منسوخة التلاوة، ولا منسوخة الحكم. (٢٤) لا رقّ في الإسلام. (٢٥) الطوفان في زمن نوح ﵇ ما كان عامّا لسائر الأرض. (٢٦) معراج النبي صلَّى الله علي وآله وسلّم ما كان جسمانيا، كذلك شقّ الصدر، فإنهما كان على طريق الرؤيا. (٢٧) نحن مجبورون في اتباع النبي ﵌، في الأمور الدينية، مختارون في الأمور الدنيوية. (٢٨) ما وقع التحريف اللفظي في الكتب السماوية. (٢٩) الخلافة بعد النبي صلّى الله وآله وسلَّم ما كانت خلافة النبوة. (٣٠) يحلّ أكل الطيور التي خنقها النصارى، وطبخوها للأكل. وله مختارات في المذهب غير ذلك، ذكرها ألطاف حسين في كتابه "حياة جاويد". قلت: وقد ردّ العلامة حكيم الإمة أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى على السيّد أحمد خان ومن يتبعهم ردّا بليغا، حيث ذكر في المجلّد السادس من كتابه الشهير "إمداد الفتاوى" خمسين عقيدةً له، كلّها فاسدة مفسدة مُضِلة، فإن التهانوي ذكر جدولا، كتب فيه أولا عقيدة السيّد الباطلة مرقّما، ثم بيّن موضعها، بذكر اسم الكتاب مع بيان عدد الصفحة، ثم أتى بالآية والحديث تدليلا وترديدا. جزاه الله تعالى عن سائر المسلمين أحسن الجزاء، وأطيبه، آمين. * * *