page 806, entry [587]Open original source
٣١٢ - الشيخ الفاضل أحمد بن داود أبو حنيفة، الدينوري *. صاحب "كتاب النبات"، أحد العلماء المشهورين في اللغة. ذكره أبو القاسم مسلمة بن القاسم الأندلسي في "الذيل"، الذي ذيّل به على "تاريخه الكبير" في أسماء المحدّثين، وقال: فقيه، حنفي الفقه. وله من المصنفات: "كتاب الفصاحة"، و "كتاب الأنوار" و"كتاب القبلة"، و"كتاب حساب الدور"، و"كتاب الوصايا"، و"كتاب الجبر والمقابلة"، و"كتاب إصلاح المنطق". مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين. كذا في "الجواهر المضيئة". وذكر له ابن شهبة، في "طبقات اللغويين والنحاة"، ترجمة تليق بشأنه، لا بأس بإيرادها كما هي، فقال: أحمد بن داود الإمام أبو حنيفة الدينوري اللغوي، مؤلّف "كتاب النبات"، وغيره. أخذ عن البصريين، والكوفيين، وأكثر عن ابن السكّيت. وكان لغويًا، مُهندسًا، منجّمًا، حاسبًا، راوية، ثقة فيما يرويه، ويحكيه. قال ياقوت في "معجم الأدباء": قال أبو حيان التوحيدي، في كتاب "تفريظ الجاحظ": قال عبد الله بن حَمُّود الزُّبَيْدي، وكان من أصحاب السيرافي، قلت للسيرافي: قد اختلف أصحابنا في بلاغه الجاحظ، وأبي حنيفة الدينوري صاحب "النبات"، ووقع الرضا بحكمك، فما قولك؟ فقال: أن أحقر نفسى عن الحكم لهما وعليهما. فقلت: لا بدّ من قول. فقال: أبو حنيفة أكثر ندارة، وأبو عثمان أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة بالنفس، سهلة في السمع، ولفظ أبي حنيفة أعرب، وأغرب، وأدخل في أساليب العرب. قال أبو حيان: والذي أقوله فأعتقده، أني لم أجد في جميع مَنْ تقدّم وتأخّر غير ثلاثة، لو اجتمع الثقلان على تقريظهم، ومدحهم، ونشر فضائلهم، في أخلاقهم وعلمهم، ومصنّفاتهم ورسائلهم، مدى الدنيا إلى أن يأذن الله تعالى بزوالها، لما بلغوا آخر ما يستحقّه كلّ واحد منهم؛ هذا الشيخ الذي أنشأنا له هذه الرسالة، أعني أبا عثمان. والثاني أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري، فإنه من نوادر الرجال، جمع مثل حكمة الفلاسفة، وبيان العرب، له من كلّ فنّ ساق وقدم؛ وهذاكلامه في "الأنواء" يدلّ على حظّ وافر من علم النجوم، وأسرار الفلك، فأما كتابه في "النبات" فكلامه فيه عروض كلام أبدي بدوي، وعلى طباع أفصح عربي، وقد قيل: إن له كتابًا يبلغ ثلاثة عشر مجلّدًا في القرآن، ما رأيتُه، وإنه ما سبق إلى ذلك النمط، هذا، مع ورعه وزهده، وجلالة قدره. والثالث، أبو زيد أحمد بن سهل البلخي؛ فإنه لم يتقدّم له شبيه في الأعصر الأول، ولا يظنّ أنه يوجد له نظير في مستأنف الدهر؛ ومن تصفّح كلامه في "كتاب أقسام العلوم"، وفي "كتاب اختلاف الأمم"، وفي "كتاب نظم القرآن"، وفي "كتاب اختيار التبيين"، وفي رسائله إلى إخوانه، وجوابه عن ما يسأل عنه ويبده به، علم أنه خزانة بحر الجود، وأنه عالم العلماء، وما روى في الناس من جمع بين الحكمة والشريعة سواه، وإن القول فيه لكثير، فلو تناصرتْ إلينا أخبارهما، لكنّا نفرد لكلّ تقريظًا مقصورًا عليه، وكتابًا منسوبًا إليه، كما فعلنا بأبي عثمان. قال ياقوت: قرأتُ في "كتاب ابن فُوَرَّجَة"، المسمّى "التجني على ابن جني" في الردّ عليه، في كتابه المسمّى "الفتح على أبي الفتح"، في تفسير قول المتنبي: فدع عنك تشبيهي بما وكأنه … فما أحَدٌ فوقى وما أحدٌ مِثلي وقال فيه ما لم يرضه ابن فورجة، ونسبه إلى أنه سأل عنه أبا الطيّب، فأجاب بهذا الجواب. فأورد ابن فورجة هذه الحكاية: زعموا أن أبا العبّاس المبرد، ورد "الدينور"، زائرًا لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل عليه، وقضى سلامه، قال له عيسى: أيها الشيخ ما الشاة المِجَثَّمَة، التي نهى النبي ﷺ أكلها؟ فقال: هي الشاة القليلة اللبن، مثل اللَّجْبَة. فقال: هل من شاهد؟. قال: نعم، قول الراجز: لم يَبْقَ من آلِ السَّلِيط نَسَمَهْ … إلا عُنَيْزٌ لَجْبَةٌ مُجَثَّمَه فإذا بالحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدينوري، فلمّا دخل، قال له عيسى بن ماهان: أيّها الشيخ، ما الشاة المِجَثَّمَة، التي نهينا عن أكل لحمها؟. فقال: هي التي جُثِّمَتْ على كبها، وذبحت من خلف قفاها. فقال: كيف تقول هذا، وهذا شيخ أهل "العراق" -يعنى المبرد- قال: هي مثل اللجبة، وهى قليلة اللبن. وأنشد الشاهد. فقال أبو حنيفة: أيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا التفسير سمعه هذا الشيخ، أو قرأه، وإن كان هذا الشاهد إلا لساعته هذه. فقال المبرد: صدق الشيخ أبو حنيفة؛ فإني أنِفْتُ أن أرِدَ عليك من "العراق"، وذكري قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه. فاستحسن منه هذا الإقرارَ، وترك البَهْتَ. قال ابن فورجة: وأنا أحلف بالله العظيم، إن كان أبو الطيّب قطّ سئل عن هذا البيت، فأجاب بهذا الجواب، الذي حكاه ابن جني، وإن كان إلا متزايدًا فيما يدّعيه، عفا الله عنه، فالجهل والإقرار به أحسن. ولأبي حنيفة من الكتب: "كتاب الباه"، و"كتاب ما تلحن فيه العامة"، و"كتاب الشعر والشعراء"، و"كتاب الفصاحة"، و "كتاب الأنواء"، و"كتاب حساب الدور"، و"كتاب النخب في حساب الهند"، و"كتاب الجبر والمقابلة"، و"كتاب البلدان" كبير، و"كتاب النبات" لم يصنّف في معناه مثله، و "كتاب الجمع والتفريق"، و"كتاب الأخبار الطوال"، و"كتاب الوصايا"، و"كتاب نوادر الجبر"، و "كتاب إصلاح المنطق"، و"كتاب القبلة والزوال"، و"كتاب الكسوف". قال أبو حيّان التوحيدي: له "تفسير القرآن". توفي سنة إحدى وثمانين ومائتين. رحمه الله تعالى. * * *