page 783, entry [585]Open original source
٣١٠ - الشيخ الفاضل أحمد بن أبي داود بن حريز ابن مالك بن عبد الله بن سلام بن مالك -يتصل نسبه بإياد بن نزار بن معد بن عدنان- الإيادي، أبو عبد الله، القاضي *. أصله من "البصرة"، وسكن "بغداد". ويقال: إن اسم والده دعمي، ويقال: فرج. قال الخطيب البغدادي: والصحيح أن اسمه كُنيته. وكانتْ ولادته كما نقله أبو العيناء عنه سنة ستين ومائة، وكان أسنّ من يحيى بن أكثم. قال الخطيب: ولي القضاء للمعتصم، والواثق، وكان موصوفًا بالجود، وحسن الخلق، ووفور الأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهمية، وحمل الخليفة على امتحان العلماء بخلق القرآن. وقال الدارقطني: هو الذي كان يمتحن العلماء في زمانه، وولي قضاء القضاة للمعتصم، والواثق، وكان هو الذي يولي قضاة البلاد كلّها من تحت يده، واستمرّ في أيام دولة المتوكّل، ثم صرف، وصودر. وقال أبو العيناء: كان أحمد بن أبي دُواد شاعرًا مجيدًا، فصيحًا، بليغًا، ما رأيتُ رئيسًا أفصح منه، وكان في غاية التأدّب، ما خرجتُ من عنده يومًا، فقال: يا غلام، خذْ بيده. بل كان يقول: اخرجْ معه. فكنتُ أفتقد هذا الكلام، فما أخل به قطّ، وما كنتُ أسمعها من غيره. وقال النديم في "الفهرست": كان من كبار المعتزلة، تجرّد في إظهار المذهب، وذبّ عن أهله، وبالغ في العناية به، وكان من صنائع يحيى بن أكثم، وهو الذي أوصله إلى المأمون، ثم اتصل بالمعتصم، فغلب عليه، ولم يكن يقطع أمرًا دونه، ولم ير في أبناء جنسه أكرم منه. وقال الصولي: كان يقال: أكرم من في دولة بني العبّاس البرامكة، ثم أحمد بن أبي دُواد، لولا ما وضع به نفسه من محبة المحنة بخلق القرآن، والمبالغة في ذلك، واللجاج فيه، وحمل الخلفاء عليه، ولولا ذلك لأجمعت الألسن على الثناء عليه، ولم يُضَفْ إلى كرمه كرمُ أحد. ويقال: إنه لم يكن له أخ من إخوانه إلا بنى له دارًا، ووقف على ولده ما يغنيهم أبدًا، ولم يكن لأخ من إخوانه ولد إلا من جارية وهبها له. ومما يحكى من كرمه، أنه انقطع شسعه، فناوله رجل شسعًا، فوهب له خمسمائة دينار. ويروى أن الواثق أمر بعشرة آلاف درهم، لعشرة من بني هاشم، على يد ابن أبي دُواد، فدفعها إليهم، فكلّمه نظراؤهم من بني هاشم أيضًا، ففرّق فيهم عشرة آلاف درهم مثل أولئك، من مال نفسه، على أنها من عند الواثق، فبلغه ذلك، فقال: يا أبا عبد الله، ما لنا أكثر من مالك، فلم تغرم، وتضيف ذلك إلينا؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين، لو أمكنني أن أجعل ثواب حسناتي لك، وأجهد في عمل غيرها لفعلتُ، فكيف أبخل بمالٍ أنت ملّكتَنيه على أهلك، الذين يكثرون الشكر، ويتصاعف فيهم الأجر. فوهبه الواثق ألف درهم، ففرّقها كلّها في بني هاشم. وقال محمد بن عمر الرومي: ما رأيت أحضر حجّة من أحمد بن أبي دُواد؛ قال له الواثق يومًا: يا أبا عبد الله، رفعتْ إلي رقعة، فيها أنك وليتَ القضاءَ رجلًا أعمى. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، هذا رجل من أهل الفضل، وليتُه ثم بلغني أنه أصيب ببصره، فأردتُ أن أصرفه، فبلغني أنه عمى من كثرة بكائه على أمير المؤمنين المعتصم، فحفظت له ذلك، وأمرته أن يستخلف. قال: وفيها أنك أجزت شاعرًا مدحك بألف دينار. قال: نعم، أجزتُه بدونها، وهذا شاعر طائي -يعني أبا تمام- لو لم أحفظ له إلا قوله لأمير المؤمنين المعتصم، يحرضه على استخلافك، في قصيدة مدحه بها: واشْدُدْ بهارونَ الخلافةَ إنَّهُ … سَكَنٌ لِوَحْشَتِها ودَارُ قَرارِ فلقد عَلِمْتَ بأنَّ ذلك مِعْصمٌ … مَا كنتَ تَتْرُكُهُ بِغَيْر سوَارِ فطرب، وأمر لأبي تمام بجائزة. وقال له الواثق يومًا أخر: يا أحمد، لقد اختلّتْ بيوت الأموال بطلبتك لِلَّائذين بك. فقال: إن نتائج شكرها متصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك. فقال: لا منعتك بعدها. وروى الخطيب أن عون بن محمد الكندي، قال: لعهدي بالكرخ بـ "بغداد"، وأن رجلًا لو قال: ابن أبي دُواد مسلم. لقتل في مكانه، ثم وقع الحريق بـ "الكرخ"، وهو الذي ما كان مثله قطّ، كان الرجل يقوم في صينيّة شارع "الكرخ"، فيرى السفن في "دجلة"، فكلّم ابن أبي دُواد المعتصم في الناس، قال: يا أمير المؤمنين! رعيتك في بلدك، وبلد آبائك، نزل بهم هذا الأمر، فاعْطفْ عليهم بشيء يفرق فيهم؛ يمسك أرماقهم، ويبنون ما أنهم عليهم، ويصلحون أحوالهم. فلم يزلْ ينازله، حتى أطلق له خمسة آلاف ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين! إن فرقها عليهم غيري خفتُ أن لا يقسمها بالسويّة، فأذنْ لي في تولي أمرها، ليكون الأجر أوفر، والثناء أكثر. قال: ذلك إليك. فقسمها على مقادير الناس، وما ذهب منهم نهاية ما يقدر عليه من الاحتياط، واحتاج إلى زيادة، فازدادها من المعتصم، وغرم ماله في ذلك غرمًا كثيرًا، فكانتْ هذه من فضائله، التي لم يكنْ لأحدٍ مِثلها. قال عون: فلعهدي بـ "الكرخ" بعد ذلك، وأن إنسانًا لو قال: زِرُّ ابن أبي دُواد وَسِخ. لقتل مكانه. وحدّث حريز بن أحمد بن أبي دُواد، قال: حدّثني على بن الحُسين الإسكافي، قال: اعتلّ أبوك، فعاده المعتصم، وكان معه، بغا، وكنت معه؛ لأني كنت أكتب لبغا، فقام، فتلقَّاه، وقال له: قد شفاني الله بالنظر إلى أمير المؤمنين. فدعا له بالعافية، فقال له: قد تميّم الله شفائي، ومحق دائي بدعاء أمير المؤمنين. فقال له المعتصم: إني نذرتُ إن عافاك الله أن أتصدّق بعشرة آلاف دينار. فقال له: يا أمير المؤمنين! فاجعلْها لأهل الحرمين، فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتا. فقال: نويتُ أن أتصدّق بها ههنا، وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها. ثم نهض، فقال: أمتع الله الإسلام وأهله ببقائك، يا أمير المؤمنين! فإنك كما قال النمري لأبيك الرشيد: إن المكارم والمِعْرُوفَ أوْدِيَةٌ … أحَلَّكَ الله منها حَيثُ تجْتمِعُ مَن لم تِكُنْ بأمِينِ الله مُعْتصِمًا … فليْسَ بالصَّلواتِ الخَمْسِ ينْتَفِعُ فقيل للمعتصم في ذلك، لأنه عاده، وليس يعود إخوته وأجلاء أهله، فقال المعتصم: وكيف لا أعود رجلًا، ما وقعتْ عيني عليه قطّ إلا ساق إليَّ أجرًا، أو أوجَبَ لي شكرًا، أو أفادني فائدة تنفعني في ديني ودنياي، وما سألني حاجة لنفسه قطّ. وروى الخطيب في "تاريخه" بسنده، عن ابن الأعرابي، أنه قال: سأل رجل قاضي القضاة أحمد بن أبي دُواد أن يحمله على عَيْر، فقال: يا غلام! أعطه عيرًا، وبرذونًا، وفرسًا، وجارية. ثم قال، أما والله ولو عرفت مركوبًا غير هذا لأعطيتُك. فشكر له الرجل، وقاد ذلك كلّه، ومضى، انتهى. قلت: ومثل ذلك مرويٌ عن معن بن زائدة الشيباني، وهو متقدّم على ابن أبي دُواد في الجود والوجود، فلعلّ ابن أبي دُواد حكى مكارمه الوافرة، وضارع أخلاقه الظاهرة. ومن لطيف ما يحكى هُنا، ويشهد لما ذكرنا، عن الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد، أنه كان يعجبه الخزّ، ويأمر بالاستكثار منه في داره، فنظر أبو القاسم الزعفراني يومًا إلى جميع ما فيها من الخدم والحاشية، وعليهم الخُزور الفاخرة الملونة، فاعتزل ناحية، وأخذ يكتب شيئًا، فنظر إليه الصاحب، وقال: عليّ به. فاستمهل ريثما يتمّ مكتوبه، فأمر الصاحب بأخذ الدرج من يده. فقام، وقال: أيّد الله مولانا: اسْمعه مِمن قاله تزْدَدْ به … عَجَبًا فحسنُ الوردِ في أغصانِهِ فقال: هات يا أبا القاسم! فأنشده أبياتًا، منها: سِوَاك يَعُدُّ الغِنَى مَا اقْتنى … وَيأمُرُهُ الحِرْصُ أن يُخْزُنا وأنتَ ابنُ عَبِّاد المرْتَجى … تَعُدُّ نَوالَك نَيْلَ المِنى وخَيْرُك مِن بَاسِطٍ كَفَّهُ … وَمِمَّنْ تَناءىَ قريبُ الجَنى غَمَرْتَ الوَرى بصُنوفِ النَّدَى … فأصْغَرُ مَا مَلَكوهُ الْغِنى وغادَرْتَ أشْعرَهُمْ مُفْحَمًا … وأشْكَرَهُمْ عَاجِزًا ألْكَنا أيَا مَن عَطَايَاهُ تُهْدى الغنى … إلى راحتَيْ مَن نأى أو دنَا كَسَوْتَ المقِيمين والزَّائِرينَ … كُسى لم يُخَلْ مثلُها مُمْكِنَا وحَاشِيَةُ الدَّارِ يَمْشُونَ في … ضُرُوب من الخَزِّ إلا أنَا ولَسْتُ أذكِّرُ بِي جَاريًا … عَلى العَهْدِ يُحْسِنُ أن يُحْسِنَا فقال له الصاحب: قرأتُ في أخبار معن بن زائدة، أن رجلًا قال له: احملني أيها الأمير! فأمر له بناقة، وفرس، وبغل، وحمار، وجارية، ثم قال له: لو علمتُ مركوبًا غيرها لحملتُك عليه. وقد أمرنا لك من الخزّ بجبّة، ودراعة، وقميص، وسراويل، وعمامة، ومنديل، ومطرف، ورداء، وجورب، ولو علمنا لباسًا آخر يتّخذ من الخزّ أعطيناكه. وقد بلغ حديث معن المذكور للمعلّى بن أيوب، فقال: رحم الله ابن زائدة، لو كان يعلم أن الغلام يركب لأمر له به، ولكنّه كان عربيًا خالصًا. قلت: وقد ذكرت أنا هذه القصّة لبعض موالي "الديار الرومية"، فقال: لو كنتُ أنا مكان ابن زائدة ما أعطيتُه إلا الغلام فقط، إذ لا يركب غيره. وعن محمد بن عبد الملك الزيّات الوزير، قال: كان رجل من ولد عمر بن الخطّاب، ﵁، لا يلقى أحمد بن أبي دُواد إلا لعنه، ودعا عليه، سواء وجده منفردًا، أو في محفل، وأحمد لا يردّ عليه؛ فاتّفق أن عرضت للعمري حاجة عند المعتصم، فسألني أن أرفع قضيّته، فخشيتُ أن يعارض أحمد، فامتنعتُ، فألحّ عليّ، فأخذتُ قصّته، ودخلتُ إلى المعتصم، فلم أجدْ أحمد، فاغتنمتُ غيبته، ودفعتُ له قصّة الرجل، فدخل أحمد وهي في يده، فناولها له، فلمّا رأى اسمه، وفيه أنه من ذرّية عمر بن الخطّاب، قال: يا أمير المؤمنين! عمر ابن الخطّاب يا أمير المؤمنين! عمر بن الخطّاب، تقضي لولده كلّ حاجة. فوقع بقضاء حاجته، وأخذت القصّة، ودفعتها للرجل، وقلت له: اشكر القاضي، فهو الذي اعتنى بك، حتى قضيت حاجتك. فجلس الرجل، حتى خرج أحمد، فقام إليه، فجعل يدعو له، ويشكره، فالتفت إليه أحمد، وقال له: اذهب عافاك الله، فإني إنما فعلت ذلك لعمر، لا لك. ومن أخباره الشنيعة المتلقة بأمر المحنة بالقول بخلق القرآن، وبقيامه في ذلك، على وجه الاختصار، ما حكاه ابن السبكي في "الطبقات الكبرى" في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، قال: ذكر الداهية الدهيا، والمصيبة العُظمى، وهي محنة عُلماء الزمان، ودعاؤهم إلى القول بخلق القرآن، وقيام أحمد بن حنبل الشيباني، وابن نصر الخزاعي، مقام الصدّيقين، وما اتفق في تلك الكاينة من أعاجيب، تناقلتْها الرواة على ممرّ السنين. كان القاضي أحمد بن أبي دُواد ممن نشأ في العلم، وتضلّع بعلم الكلام، وصحب فيه صباح بن العلاء السلمي، صاحب واصل بن عطاء، أحد رءوس المعتزلة، وكان ابن أبي دُواد رجلًا فصيحًا، قال أبو العيناء: ما رأيت رئيسا قطّ أفصح ولا أنطق منه، وكان كريمًا ممدَّحًا، وفيه يقول بعضهم: لقد أنْسَتْ مَسَاويَ كُلِّ دَهْرٍ … مَحَاسِنُ أحمدَ بن أبي دُوَادِ ومَا طَوَّفْتُ في الآفَاقِ إلَّا … ومِن جَدْوَاك رَاحِلَتي وزَادِي مُقِيمُ الظَّنِّ عندك والأمَانِي … وإن قلقتْ رِكابِي في البلادِ وكان معظمًا عند المأمون أمير المؤمنين، يقبل شفاعته، ويُصغي إلى كلامه، وأخباره في هذا كثير، فدسّ ابن دُواد له القول بخلق القرآن، وحسّنه عنده، وصيّره يعتقده حقًا مُبينًا، إلى أن أجمع رأيه في سنة ثمان عشرة ومائتين، على الدعاء إليه، فكتب إلى نائبه على "بغداد"، إسحاق بن إبراهيم الخزاعي، عمّ طاهر بن الحسين، في امتحان العلماء كتابًا، يقول فيه: كذا وكذا. ثم ساق الكتاب، وجوابه، وأخبارًا أخر تتعلّق بالإمام أحمد وغيره، أضربنا عنها خوف الإطالة، إذ المراد بيان أن السبب في هذه المحنة العظمى هو ابن دُواد، وذكر يسير من أخباره المتعلّقة بها، وأما حصرها فلا سبيل إليه. فعن أحمد بن المعدل، أن ابن أبي دُواد كتب إلى رجل من أهل "المدينة": إن تابعت أمير المؤمنين في مقالته استوجبت المكافأة الحسنة. فكتب إليه: عصمنا الله وإياك من الفتنة، والكلام في القرآن بدعةٌ، يشترك فيه السائل والمجيب؛ لتعاطي السائل ما ليس له، وتكلّف المجيب ما ليس عليه، ولا نعلم خالقًا إلا الله، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا نعلم غير ذلك، والسلام. وروى الخطيب في "تاريخه" أن طاهر بن خلف، قال: سمعتُ محمد بن الواثق، الذي يقال له: المهتدي بالله، يقول: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلًا أحضرنا ذلك المجلس، فأتى بشيخ مقيّد، فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه. يعني ابن أبي دُواد. قال: فأدخل الشيخ، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال: لا سلّم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين! بئس ما أدبك به مؤدّبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، والله ما حيّيتني بها، ولا بأحسن منها. فقال ابن أبي دواد: يا أمير المؤمنين! هذا رجل متكلّم. فقال له: كلّمه. فقال: يا شيخ! ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفني المسألة، أنا أسألك قبل. فقال له: سلْ. فقال الشيخ: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال الشيخ: هذا شيءٌ علمه رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والخلفاء الراشدون، أم شيٌ لم يعلموه؟ فقال: شيءٌ لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شئٌ لم يعلمه النبي ﷺ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليٌ، ولا الخلفاء الراشدون، علمتَه أنت! قال: فخجل ابن أبي دُواد. وقال: أقلني. قال: والمسألة بحالها؟ قال: نعم. قال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال: هذا شيء علمه النبي ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليٌ، والخلفاء الراشدون، أم لم يعلموه؟ فقال: علموه، ولم يدعوا الناس إليه. قال: أفلا وَسعك ما وسعهم!! قال: ثم قام أبي، فدخل مجلس الخلوة، واستلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وهو يقول: هذا شيءٌ لم يعلمه النبي ﷺ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الخلفاء الراشدون، علمتَه أنت، سبحان الله، هذا شيء علمه النبي ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والخلفاء الراشدون، ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم. ثم دعا الحاجب، وأمره أن يرفع عن الشيخ قيوده، ويعطيه أربعمائة دينار، ويأذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دواد، ولم يمتحن بعد ذلك أحدًا. انتهى. وقد أنكر ابن السبكي في "طبقاته" أن يكون صدر من ابن أبي دواد مثل هذا الكلام، الذي تنبو عنه الأسماع، وتنفر منه الطباع، وهو قوله: "شيءٌ لم يعلموه"، فقال: وكان من الأسباب في رفع الفتنة، أن الواثق أتى بشيخ مقيّد، فقال له ابن أبي دواد: يا شيخ! ما تقوله في القرآن، أمخلوقٌ هو؟ فقال له الشيخ: لم تنصفني المسألة، أنا أسألك قبل الجواب، هذا الذي تقول يا ابن أبي داود من خلق القرآن شيء علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله تعالى عنهم، أو جهلوه؟ فقال: بل علموه. فقال: هل دعوا الناس إليه، كما دعوتهم أنت، أو سكتوا؟ قال: بل سكتوا. قال: فهلا وسعك ما وسعهم من السكوت! فسكت ابن أبي دواد، وأعجب الواثق كلامه، وأمر بإطلاق سبيله، وقام الواثق من مجلسه، وهو على ما حكى يقول: هلا وسعك ما وسعهم. يكرّر هذه الكلمة. وكان ذلك من الأسباب في خمود الفتنة، وإن كان رفعها بالكلّية إنما كان على يد المتوكّل. قال: -أعني ابن السبكي- وهذا الذي أردناه في هذه الحكاية هو ما ثبت من غير زيادة ولا نقصان، ومنهم من زاد فيها ما لا يثبت، فاحفظْ ما أثبتناه، ودعْ ما عداه، فليس عند ابن أبي دُواد من الجهل ما يصل به إلى أن يقول: جهلوه. وإنما نسبة هذا إليه تعصّب عليه، والحقّ وسط، فابن أبي دواد مبتدع، ضالّ مبطل لا محالة، ولا يستدعي أمره أن يدعي شيئًا ظهر له، وخفي على رسول الله ﷺ، والخلفاء الراشدين، كما حكي عنه في هذه الحكاية، فهذا معاذ الله أن يقوله أو يظنّه أحدٌ يتزيّى بزيّ المسلمين، ولو فاه به ابن أبي دواد لفرق الواثق من ساعته بين رأسه وبدنه. قال: وشيخنا الذهبي، وإن كان في ترجمة ابن أبي دواد حكى الحكاية على الوجه الذي لا نرضاه، فقد أوردها في ترجمة الواثق من غير ما وجه على الوجه الثابت. قال: وقد دامتْ هذه المحنة شطرًا من خلافة المأمون، واستوعبت خلافة المعتصم والواثق، وارتفعتْ في خلافة المتوكّل. وقد كان المأمون الذي افتتحت في أيامه، وهو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، ممن عُني بالفلسفة، وعلوم الأوائل، ومهر فيها، واجتمع عليه جمع من علمائها، فجرّه ذلك إلى القول بخلق القرآن. قال: وذكر المؤرّخون أنه كان بارعاً في الفقه، والعربية، وأيام الناس، وكان ذا حزمٍ، وحُكم، وعلم، ودهاء، وهيبة وذكاء، وسماحة، وفطنة، وفصاحة، ودين. قيل: ختم في رمضان ثلاثًا وثلاثين ختمة، وصعد في يوم منبرًا، وحدّث، فأورد بسنده نحوًا من ثلاثين حديثًا، بحضور القاضي يحيى بن أكثم، ثم قال له: يا يحيى! كيف رأيت مجلسنا؟ فقال: أجلّ مجلس يفقه الخاصّة والعامّة. فقال: ما رأيت له حلاوة، إنما المجالس لأصحاب الخلقان والمحابر. وقيل: تقدّم إليه رجل غريب، بيده محبرة، قال: يا أمير المؤمنين! صاحب حديث، منقطع به السبيل. فقال: ما تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر شيئًا. قيل: فما زال المأمون يقول: حدّثنا هُشيم، وحدّثنا يحيى، وحدّثنا حجّاج، حتى ذكر الباب. ثم سأله عن باب آخر، فلم يذكر فيه شيئًا. قيل: فقال المأمون: حدّثنا فلان، وحدّثنا فلان، إلى أن قال لأصحابه: يطلب أحدُهم الحديث ثلاثة أيام، ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث! أعطوه ثلاثة دراهم. قال: وكان المأمون من الكرم بمكان مكين، بحيث إنه فرق في ساعة ستة وعشرين ألف ألف درهم، وحكايات مكارمه تستوعب الأوراق، وإنما اقتصر في عطاء هذا السائل -فيما نراه والله أعلم- لما رأى منه من المعلّم وليس هو هناك، ولعلّه فهم عنه التعاظم عليه بالعلم، كما هو شأن كثير ممن يدخل إلى الأمراء، ويظنّهم جهلة، على العادة الغالبة. وكان المأمون كثير العفو والصفح، ومن كلامه: لو علم الناس حبي للعفو لتقرّبوا إليّ بالجرائم، وأخاف أن لا أؤجر فيه. يعني لكونه طبعًا له. قال يحيى بن أكثم: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا. وقيل: إن ملاحًا مرّ والمأمون جالس، فقال: أتظنّون أن هذا ينبل في عيني، وقد قتل أخاه الأمين؟ فسمعه المأمون، وظنّ الحاضرون أنه سيقضي عليه، فلم يزدْ على أن تبسم، وقال: ما الحيلة، حتى أنبل في عين هذا السيّد الجليل. قال -أعني ابن السبكي-: ولسنا نستوعب ترجمة المأمون، فإن الأوراق تضيق بها، وكتابنا غير موضوع لها، وإنما غرضنا أنه كان من أهل العلم والخير، وجرّه القليل الذي كان يدريه من علوم الأوائل، إلى القول بخلق القرآن، كما جرّه اليسير الذي كان يدريه في الفقه، إلى القول بإباحة متعة النساء، ثم لم يزلْ به يحيى بن أكثم، رحمه الله تعالى، حتى أبطلها، وروى له حديث الزهري، عن ابني الحنفية، عن أبيها محمد بن علي، رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم "خيبر". فلمّا صحّ له الحديث، رجع إلى الحق. وأما مسألة خلق القرآن فلم يرجعْ عنها، وكان قد ابتدأ بالكلام فيها، في سنة اثنتي عشرة، ولكن لم يصمم ويحمل الناس، إلا في سنة ثمان عشرة، ثم عوجل، ولم يمهل، بل توجّه غازيًا إلى أرض "الروم"، فمرض، ومات، في سنة ثمان عشرة ومائتين. واستقلّ بالخلافة أخوه المعتصم محمد بن هارون الرشيد، بعهد منه، وكان ملكًا شجاعًا، بطلًا مهيبًا، وهو الذي فتح عمورية، وقد كان المنجّمون قضوا بأنه يكسر، فانتصر نصرًا مؤزّرًا، وأنشد فيه أبو تمام قصيدته السائرة، التي أولها: السَّيفُ أصْدَقُ أنْباءً من الكُتُب … في حَدِّه الحَدُّ بين الجِدِّ واللعبِ والعلمُ في شُهُبِ الأرْمَاحِ لامِعَةً … بَيْن الخَمِيسَيْن لا في السَّبْعةِ الشُّهُبِ أيْنَ الرِّوَايةُ أمْ أيْنَ النُّجومُ وَمَا … صَاغُوهُ مِن زُخْرُفٍ فيها ومن كذِبِ تخرُّصًا وأحَاديثًا مُلفَّقةً ليْسَتْ بنَبْعٍ إذا عُدَّتْ ولا غَرَبِ قال: ولقد تضيق الأوراق عن شرح ما كان عليه من الشجاعة والمهابة والمكارم، والأموال، والخيل، والدهاء، وكثرة العسكر، والعُدَد، والعَدَد. وقال الخطيب: ولكثرة عسكره، وضيق "بغداد" عنه، بنى "سامرا"، وانتقل بالعساكر إليها، وسمّيت العسكر. ويقال: بلغ عدّة غلمانه الأتراك فقط، سبعة عشر ألفًا. وقيل: إنه كان عريًا من العلم، مع أنه رويتْ عنه كلمات تدلّ على فصاحة ومعرفة. قال أبو الفضل الرياشي: كتب ملك "الروم"، لعنه الله، إلى المعتصم، يتهدّده، فأمر بجوابه، فلمّا قرئ عليه الجواب لم يرضه، وقال للكاتب: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد! فقد قرأتُ كتابك، وسمعتُ خطابك، والجواب ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار. ومن كلامه: اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلي. * قال ابن السبكي: والناس يستحسنون هذا الكلام منه، ومعناه أن الخوف من قبلي؛ لما اقترفته من الذنوب، لا من قبلك؛ فإنك عادل لا تظلم، فلولا الذنوب لما كان للخوف معنى. وأما الرجاء، فمن قبلك؛ لأنك متفضّل، لا من قبلي، لأنه ليس عندي من الطاعات والمحاسن ما أرتجيك به. قال: والشقّ الثاني عندنا صحيح لا غبار عليه. وأما الأول، فإنا نقول: إن الربّ تعالى يخاف من قبله، كما يخاف من قبلنا؛ لأنه الملك القهّار، يخافه الطائعون والعصاة، وهذا واضح لمن تدبّره. قال المؤرّخون: ومع كونه كان لا يدري شيئًا من العلم، حمل الناس على القول بخلق القرآن. قال ابن السبكي: لأن أخاه المأمون أوصى إليه بذلك، وانضمّ إلى ذلك القاضي أحمد ابن أبي دواد، وأمثاله من فقهاء السوء، وإنما يتلف السلاطين فسقة الفقهاء؛ فإن الفقهاء ما بين صالح وطالح، فالصالح غالبًا لا يتردّد إلى أبواب الملوك، والطالح غالبًا يترامى عليهم، ثم لا يسعه إلا أن يجري معهم على أهوائهم، ويهون عليهم العظائم، ولهو على الناس شرّ من ألف شيطان، كما أن صالح الفقهاء خير من ألف عابد، ولولا اجتماع فقهاء السوء على المعتصم، لنجاه الله مما فرط منه، ولو كان الذين عنده من الفقهاء على حقّ لأروه الحقّ أبلج واضحًا، ولأبعدوه عن ضرب مثل الإمام أحمد، ولكن ما الحيلة والزمان بني على هذا! أو بهذا تظهر حكمة الله في خلقه. ومات المعتصم، في سنة سبع وعشرين ومائتين. وولي الواثق بالله أبو جعفر هارون بن المعتصم بن الرشيد، وكان مليح الشعر، يروى أنه كان يحب خادمًا أهدي له من "مصر"، فأغضبه الواثق يومًا، ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم: والله إنه ليروم أن أكلمه من أمس، فلم أفعل. فقال الواثق في ذلك: يَا ذَا الذي بِعَذَابي ظَلَّ مُفْتَخِرًا … مَا أنتَ إلا مَلِيكٌ جَارَ إذْ قدَرَا لَوْلا الهَوَى لَتَجَارَيْنا على قَدَرٍ … وإن افِقْ منه يومًا مَا فسَوْفَ تَرَى وقد ظرف عبادة المخنث، حيث دخل إليه، وقال: يا أمير المؤمنين! أعظم الله أجرك في القرآن. قال: ويلك، القرآن يموت!! قال: يا أمير المؤمنين! كلّ مخلوق يموت، بالله من يصلّي يا أمير المؤمنين! بالناس التراويح إذا مات القرآن؟ فضحك الخليفة، وقال: قاتلك الله، أمسك. قال الخطيب: وكان ابن أبي دواد قد استولى عليه، وحمله على تشديد المحنة. قال ابن السبكي: وكيف لا يشدّد المسكين فيها، وقد أقروا في ذهنه أنه حقّ يقربه إلى الله تعالى، حتى إنه لما كان الفداء، في سنة إحدى وثلاثين ومائتين، واستفكّ الواثق من طاغية "الروم" أربعة آلاف وستمائة، قال ابن أبي دواد، على ما حُكي عنه ولكن لم يثبت عندنا: من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلّصوه وأعطوه دينارين، ومن امتنع دعوه في الأسر. وهذه الحكاية إن صحّتْ عنه دلّتْ على جهل عظيم، وإفراط في الكفر. هذا من الطراز الأول، فإذا رأى الخليفة قاضيًا يقول: هذا الكلام، أليس يوقعه في أشدّ مما وقع منه؟! فنعوذ بالله من علماء السوء، ونسأله التوفيق والإعانة. انتهى. ولنرجع إلى أخبار أحمد: روى عن الحسن بن ثواب، قال: سألت أحمد بن حنبل عمّن يقول: القرآن مخلوق. قال: كافر. قال: فابن أبي دواد؟ قال: كافر بالله العظيم. قلت: بماذا كفر؟ قال: بكتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، فالقرآن من علم الله، فمن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم. وقال أبو حَجَّاج الأعْرَابي يَهْجُوهُ: نكَسْت الدِّينَ يَا ابْن أبي دُواد … فأَصْبحَ من أطَاعَك في ارْتِدادِ زَعَمْت كلامَ رَبَّك كان خَلْقًا … أمَالَكَ عند رَبِّك مِن مَعَادِ كَلامُ الله أنْزَلهُ بعِلْمٍ … وأوْحَاه إلى خَيْر العِبَادِ ومَن أمْسَى ببَابِك مُسْتَضيفًا … كمَن حَلَّ الفَلاةَ بغَيْرِ زَادِ لقد أظْرَفْتَ يَا ابن دُوَادٍ … بقولكَ إِنِّنِي رَجُلٌ إِيادِي قلت: قد ظلمهُ هذا الشاعر، بنسبته إلى البخل، مع ما قدّمنا ذكره عنه من المكارم، وحسن الصنيع إلى من يعرف ومن لا يعرف، حتى لعدوّه، وأحسن منه قول بعضهم يهجوه أيضًا: لَوْ كنتَ في الرَّأي مَنْسُوبًا إلى رَشَدِ … أوْ كان عَزْمُك عَزما فيه توْفيقُ لَكان في افقهِ شُغلٌ لو قنَعْت به … من أنْ تقولَ كَلامُ اللهِ مخلوقُ ماذا عَليك وأصلُ الِّين يَجْمَعُهُمْ … مَا كانَ في الفَرْعِ لولَا الجهلُ والموقُ وفي "تاريخ الخطيب" عن أبي الهُذيل، قال: دَخلتُ على ابن أبي دواد، وابنُ أبي حفصة ينشده هذه الأبيات: فقُلْ للفاخرين عَلى نِزارٍ … ومنْها خِنْدَف وبنو إياد رسول الله والخلفاء منَّا … ومنا أحمدُ بن أبي دواد قال: فقال لي: كيف تسمع يا أبا الهُذيل؟ فقلت: هذا يضع الهناء مواضع النقب. ثم إن أبا الهذيل نقض على ابن أبي حفصة، فقال: فقُل للفاخرين علَلَى نِزارٍ … وهُمْ في الأرضِ سَادَاتُ العبَادِ رَسُولُ اللهِ وَالْخُلَفاءُ منَّا … ونَبْرَأ من دَعِيّ بَنِي إيَادِ ومَا مِنَّا إيَادٌ إذْ أقَرَّتْ … بدَعْوةِ أحمدَ بن أبي دُواد فبلغ ابن أبي دُواد قوله، فقال: مَا بلغ مني أحدٌ ما بلغ هذا الكلام، ولو لا أني أكره أن أُنبه عليه، لعاقبته عقابًا لم يعاقب أحدٌ مثله، جاء إلى منقبة كانت لي، فنقضها عروة عروة. كذا عزاه الخطيب إلى ابن أبي حفصة وأبي الهُذيل، وقال الصلاح الصفدي، في كتاب "المجاراة والمجازاة": إن الأبيات الأول لمروان بن أبي الجنوب، والأبيات الثانية لأبي الهفان المهزمي. والله أعلم. وروى أن ابن أبي دواد، كان بينه وبين محمد بن عبد الملك الزيّات، وزير المعتصم، مناقشات وشحناء، حتى قيل: إن أحمد قال له مرّة: والله ما أجيئك مُتكثرًا بك من قلّة، ولا متعززًا بك من ذلّة، ولكن أمير المؤمنين رتبك رتبة أوجبت لقاك، فإن لقيناك فله، وإن تأخرنا عنك فلك. ثم نهض من عنده. قال ابن خلكان: وكانتْ وفاته بعد موت الوزير المذكور بسبعة وأربعين يومًا. قال: ولما حصل له الفالج، ولي القضاء موضعه ابنه أبو الوليد محمد، ولم تكن طريقته مرضية، وكثر ذامّوه، وقلّ شكروه، حتى قال إبراهيم بن العبّاس الصولي: عَفَّتْ مَسَاوٍ تَبَدَّتْ منكَ ظاهِرةٌ … على مَحاسِنَ أبْقاها أبوكَ لكَا قِفْ قد تقدَّمتَ أبْناء الكرامِ به … كما تقدَّمَ آبَاءُ اللِّئام بِكا قال ابن خلكان: ولعمري، لقد بالغ في طرفي المدح والذمّ، وهو معنى بديع. قال: واستمرّ على القضاء إلى سنة تسع وثلاثين ومائتين، فسخط المتوكّل على القاضي أحمد وولده محمد، فأخذ من الولد مائة ألف دينار، وعشرين ألف دينار، وجوهرًا بأربعين ألف دينار، وسَيَّرهُ إلى "بغداد" من سُرّ من رأى، وفوّض القضاء إلى يحيى بن أكثم الصيفي (¬١). وقال بعض البصريين يهجوه، حين بلغه أنه فُلج: أفَلَتْ نُجُومُ سُعودِك ابنَ دُوَادِ … وَبَدتْ نُحُوسُكَ في جميع إيَادِ فَرِحَتْ بمَصْرَعِكَ البَرِيَّةُ كُلُّها … مَن كَان منها مُوقنًا بمعَادِ لم يَبْقَ منكَ سِوَى خَيَالٍ لامِعٍ … فوق الفِرَاشِ مُمَهَّدًا بوِسادِ وَخَبتْ لَدَى الخلفاء نارٌ بَعْدَ مَا … قد كنت تَقْدحُهَا بكُلِّ زِنادِ أطْغاك يا ابنَ أبي دُوادٍ رَبُّنا … فجَرَيْتَ في مَيْدَان إخْوةٍ عَاد لم تَخْشَ مِن رَبِّ السَّماءَ عُقوبَةً … فسَنَنْتَ كلَّ ضَلالةٍ وفَسَادِ كمْ مِن كَريمةِ مَعشرٍ أرْمَلتها … وَمُحَدِّث أوْثَقْتَ بالأقْيادِ كمْ من مَسَاجد قد مَنْعتَ قُضاتَها … مِن أن تُعدّلَ شاهدًا برَشَادِ كم مِن مَصابيحٍ لهَا أطْفَيْتَهَا … كيمَا تُزِلَّ عن الطَّريق الهَادي إن الأسارَى في السُّجُونِ تفَرَّجُوا … لما أتَتْكَ مَوَاكب العُادِ وغَدَا لمِصْرَعك الطبيبُ فلم يجِدْ … لعلاجِ مَا بِكَ حِيلَةَ المِرْتادِ لَا زالَ فَالِجُكَ الذي بكَ دَائِمًا … وفُجِعْتَ قبلَ الموتِ بالأوْلادِ وأبَا الوَليدِ رَأيْتَ في أكْتافِهِ … سَوْطَ الخليفةِ مِن يدَىْ جَلَّادِ وَرَأيْتَ رَأسَك في الخُشوبِ مُعَلَّقًا … فوقَ الرُّءوُسِ مُعَلِّما بسَوَادٍ قال الخطيب: وأبو الوليد هذا، هو ابن أحمد بن أبي دُواد، واتفق أنه مات هو وأبوه منكوبين، وكان بين وفاتيهما نحو شهر، هو في ذي الحِجّة، سنة تسع وثلاثين ومائتين، وأبوه في المحرّم، سنة أربعين ومائتين، يوم السبت، لتسع بقين منه. ومن شعر أحمد، وقد بلغه أن شخصًا هجا ابن الزيّات الوزير بسبعين بيتًا، وقيل: إن ابن الزيات هو الذي قال السبعين بيتًا في هجو أحمد، فقال: أحْسَنُ من سَبْعين بَيْتًا هِجًا … جَمْعُك مَعْناهُنَ في بَيْتِ مَا أحْوَجَ المِلْكَ إلى مَطْرَةٍ … تغْسلُ عَنْهُ وَضَرَ الزَّيْتِ فبلغ ابن الزيّات ذلك، فقال: يَا ذا الذى يَطْمَعُ في هَجْونا … عَرَّضْتَ بي نفسَك للموْتِ الزيتُ لا يُزْري بأحْسابنَا … أحْسَابُنا مَعْرُوفَةُ البَيْتِ قَيَّرْتُمُ المِلْكَ فلمْ يُنقِهِ … حتى غسَلنا القارَ بالزَّيتِ وفي هذا إشارة إلى ما يقال: من أنه كان في أجداد أحمد. من يبيع القار. ومن مختار شعر أبي تمام في مدحه قوله: أأحْمَدُ إنَّ الحاسِدينَ كثيرُ … ومَالَك إن عُدَّ الكِرامُ نَظِيرُ حَلَلْتَ مَحلًا فاضلًا مُتقادِمًا … مِنَ الفخرِ والمجدُ القديمُ فَخورُ وكُلُّ غنِيٍّ أوْ فقير فإنِّهُ … إليكَ وإن نَالَ السَّماء فَقِيرُ إليكَ تَناهى المِجْدُ مِن كُلِّ وِجْهَةٍ … يَصيرُ فما يَعْدُوكَ حيثُ تَصيرُ وبَدْرُ إيادٍ أنتَ لا يُنْكرونه … كذاك إيادٌ للأنام بُدُورُ تجنَّبْتَ أن تُدْعَى الأمِير تواضُعًا … وأنت لمِن يُدْعى الأميرَ أميرُ فمَا مِن نَدى إلا إليكَ مَحَلَّهُ … ولا رِفْعة إلا إليكَ تَسيرُ وقال أيضًا، من قصيدة في مدحه: أيَسْلُبُنى ثَراء المالِ رَبِّي … وأطلُبُ ذَاكَ مِن كَفٍّ جَمَادِ زعمتُ إذًا بَأنَّ الجُودَ أضْحى … لهُ رَبٌ سوَى ابن أبي دُوَادِ ومن كلام أحمد الذي ينبغي أن يكتب بماء الذهب: ثلاثةٌ ينبغى أن ييجّلوا، وتعرف أقدارهم: العلماء، والولاة، والإخوان؛ فمن استخفّ بالعلماء أهلك دينه، ومن استخفّ بالولاة أهلك دنياه، ومن استخفّ بالإخوان أهلك مروءته. وحكى عنه ولده، أنه كان إذا صلى رفع يديه، وقال: مَا أنت بالسبب الضعيف وإنما … نُجْحُ الأمور بقُوةِ الأسْبابِ اليوم حاجتنا إليك وإنما … يُدعى اللبيب لساعةِ الأوصاب قال أبو بكر بن دريد: كان ابن أبي دواد مألفًا لأهل الأدب، من أيّ بلد كانوا، وكان قد ضمّ منهم جماعة يعولهم ويمونهم، فلمّا مات حضر ببابه جماعة منهم، وقالوا: يدفن من كان على ساقة الكرم، وتاريخ الأدب، ولا نتكلّم، إن هذا وهن وتقصير. فلما طلع سريره قام إليه ثلاثة منهم، فقال أحدهم: اليَومَ مات نظامُ المِلْكِ وَاللَّسَنِ … ومات مَن كان يُستعدَى على الزَّمَنِ وأظلمَت سُبُلُ الآدابِ إذ حُجِبَتْ … شَمْسُ المِكارم في غَيْمٍ مَن الكَفَنِ وتقدم الثاني، فقال: ترك المِنابر والسريرَ تواضُعًا … ولهُ مَنابرُ لو يَشا وسَريرُ ولغَيْرِه يُجْبى الخَراجُ وإنمَا … يُجْبى إليه مَحامِدٌ وأجُورُ وتقدم الثالث، فقال: وليسَ فَتِيقَ المِسْك رِيحُ حَنُوطِهِ ولكنهُ ذَاك الثَّناءُ المِخَلَّفُ. وليسَ صَرِيرَ النَّعْشِ مَا تَسْمَعُونَهُ … ولكنهُ أصْلابُ قومٍ تَقَصَّفُ هذا، وقد أطلقنا عنان القلم في ترجمة أحمد، ومع ذلك لو رُمنْا حصر محاسنه، وما يؤثر عنه من مكارم الأخلاق، ومن مساويها التي تُعزى إليه في أمر المحنة، لكل لسان القلم، وقصر باع الاطلاع. وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الوقوف على حاله، وما كان عليه من الحسن والقبح. تجاوز الله عنه، إنه جواد كريم. * * *