page 359, entry [258]Open original source
ثناء الذهبي على أبي حنيفة إن من أصدق الكلمات التي قالها الإمام الذهبي رحمه الله تعالى - وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال - قوله في ترجمة العلامة الإمام فقيه "العراق" حمَّاد بن أبي سليمان رحمه الله تعالى: من كتابه "سير أعلام النبلاء" (¬١): "فأفقه أهل "الكوفة" علي وابن مسعود، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم - النخعي - وأفقه أصحاب إبراهيم حمَّاد، وأفقه أصحاب حمَّاد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد - بن الحسن -، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعي، رحمهم الله تعالى". وقال أيضًا في "سير أعلام النبلاء" (¬٢)، في ترجمة الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه: "الإمام، فقيه الملة، عالم العراق، أبو حنيفة … ، وعُني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى، والناس عليه عيالٌ في ذلك". وقال أيضًا (¬٣): "الإمامة في الففه ودقائقه مسلَّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شكَّ فيه. وليس يصح في الأذهان شئ … إذا احتاج النهار إلى دليل". وقال في ترجمة الإمام مالك ﵀ (¬١) بعد أن نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: "العلم يدور على ثلاثة: مالك، والليث، وابن عيينة" ما نصه: "قلتُ: بل وعلى سبعة معهم، وهم: الأوزاعى، والثوري، ومعمر، وأبو حنيفة، وشبعة، والحمَّادان". وذكر في ترجمته أيضًا (¬٢)، عن الإمام أبي يوسف أنه قال: "ما رأيتُ أعلمَ من أبي حنيفة، ومالك، وابن أبي ليلى". ولما حكى في ترجمته (¬٣) الأسطورة التي تعزى إلى محمد والشافعي رحمهما الله تعالى في المقارنة بين علم مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى، ولفظها: "ابن عبد الحكم سمعتُ الشافعي يقول: قال لي محمد: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالكا، قلتُ: على الإنصاف؟ قال: نعم، قلتُ: أنشدك بالله، من أعلم بالقرآن؟ قال: صاحبكم، قلتُ: من أعلم بالسنّة؟ قال: صاحبكم، قلتُ: فمن أعلم بأقاويل الصحابة والمتقدمين؟ قال: صاحبكم، قلتُ: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فمن لم يعرف الأصول، على أيّ شيء يقيس؟ ". عقَّب عليها قائلا: "قلتُ: وعلى الإنصاف، لو قال قائل: بل بها سواء في علم الكتاب، والأول أعلم بالقياس، والثاني أعلم بالسنّة، وعنده علم جم من أقوال كثير من الصحابة، كما أن الأول أعلم بأقاويل على، وابن مسعود، وطائفة ممن كان بـ"الكوفة" من أصحاب رسول الله ﷺ، فرضي الله عن الإمامين، فقد صرنا في وقت لا يقدر الشخص على النطق بالإنصاف، نسأل الله السلامة". وقال في ترجمة الإمام مالك أيضًا (¬١) ما نصّه: فالمقلَّدون صحابة رسول الله ﷺ، بشرط ثبوت الإسناد إليهم، ثم أئمة التابعين، كعلقمة، ومسروق، وعبيدة السلماني، وسعيد بن المسيّب، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وعبيد الله بن عبد الله، وعروة، والقاسم، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخَعي. ثم كالزهري، وأبي الزناد، وأيوب السختياني، وربيعة، وطبقتهم. ثم كأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعى، وابن جُريج، ومعمر، وابن أبي عروبة، وسفيان الثوري، والحمَّادين، وشعبة، والليث، وابن الماجاشون، وابن أبي ذئب. ثم كابن المبارك، ومسلم الزنجي، والقاضى أبي يوسف، والهقل بن زياد، ووكيع، والوليد بن مسلم، وطبقتهم. ثم كالشافعى، وأبى عُبيد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والبويطى، وأبي بكر بن أبي شيبة. ثم كالمزني، وأبي بكر الأثرم، والبخاري، وداود بن علي، ومحمد بن نصر المروزي، وإبراهيم الحربي، وإسماعيل القاضي. ثم كمحمد بن جرير الطبري، وأبي بكر بن خُزيمة، وأبي عباس بن سُريج، وأبي بكر بن المنذر، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر الخلَّال. ثم من بعد هذا النمط تناقص الاجتهاد، ووضعت المختصرات، وأخلد الفقهاء إلى التقليد، من غير نظر في الأعلم، بل بحسب الاتفاق، والتشهّي، والتعظيم، والعادة، والبلد. فلو أراد الطالب اليوم أن يتمذهب في المغرب لأبي حنيفة، لعسر عليه، كما لو أراد أن يتمذهب لابن حنبل بـ "بخارى"، و "سمرقند"، لصعب عليه، فلا يجيء منه حنبلى، ولا من المغربى حنفي، ولا من"الهند" مالكي". انتهى. وقال في ترجمة يحيى بن آدم (¬١)، بعد ما نقل عن محمود بن غيلان، قال: سمعتُ أبا أسامة يقول: كان عمر في زمانه رأسَ الناس، وهو جامع، وكان بعده ابن عباس في زمانه، وبعده الشعبي في زمانه، وكان بعده سفيان الثوري في زمانه، ثم كان بعد الثورى يحيى بن آدم". قال الذهبي بعد هذا: قلت: قد كان يحيى بن أدم من كبار أئمة الاجتهاد. وقد كان عمر كما قال في زمانه. ثم كان علي، وابن مسعود، ومعاذ، وأبو الدرداء. ثم كان بعدهم في زمانه زيد بن ثابت، وعائشة، وأبو موسى، وأبو هريرة. ثم كان ابن عبّاس، وابن عمر. ثم علقمة، ومسروق، وأبو إدريس، وابن المسيّب. ثم عروة، والشعبي، والحسن، وإبراهيم النخعى، ومجاهد، وطاوس، وعدة، ثم الزهرى، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، وأيوب. ثم الأعمش، وابن عون، وابن جُريج، وعُبيد الله بن عمر. ثم الأوزاعى، وسفيان الثوري، ومعمر، وأبو حنيفة، وشعبة. ثم مالك، والليث، وحماد بن زيد، وابن عيينة. ثم ابن المبارك، ويحيى القطّان، ووكيع، وعبد الرحمن، وابن وهب. ثم يحيى بن آدم، وعفَّان، والشافعى وطائفة. ثم أحمد، وإسحاق وأبو عبيد، وعلي بن المديني، وابن مَعين، ثم أبو محمد الدارِمى، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وآخرون من أئمة العلم والاجتهاد". وقال في ترجمة ابن حزْم (¬١)، بعد نقل قوله: أنا أتبع الحق، وأجتهد، ولا أتقيّد بمذهب، ما نصّه: "قلت: نعم، من بلغ رتبة الاجتهاد، وشهد له بذلك عدة (٤) من الأئمة، لم يسغ له أن يقلّد، كما أن الفقيه المبتدئ والعامى الذي يحفظ القرآن أو كثيرًا منه لا يسوغ له الاجتهاد أبدًا، فكيف يجتهد، وما الذي يقول؟ وعلام يبني؟ وكيف يطير ولما يريش؟ والقسم الثالث: الفقيه المنتهى اليقظ الفهم المحدّث، الذي قد حفظ مختصرا في الفروع، وكتابا في قواعد الأصول، وقرأ النحو، وشارك في الفضائل مع حفظه لكتاب الله وتشاغله بتفسيره وقوة مناظرته. فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيّد، وتأهّل للنظر في دلائل الأئمة، فمتى وضح له الحق في مسئلة، وثبت فيها النصّ، وعمل بها أحد الأئمة الأعلام كأبي حنيفة مثلا، أو كمالك، أو الثوري، أو الأوزاعي، أو الشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، فليتبع فيها الحق، ولا يسلك الرُّخَص، وليتورّعْ، ولا يسعه فيها بعد قيام الحجّة عليه تقليد". وقد سرد الإمام الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حنيفة رحمه الله تعالى (¬١)، الأسطورة التي رواها الخطيب البغداي في "تاريخه"، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، في ابتداء طلبه العلم، واختياره الفقه من بين سائر العلوم، وحكم عليها بالوضع والاختلاق، فأفاد وأجاد، قال رحمه الله تعالى: "أخبرنا ابن علَّان كتابة، أنبأنا الكندي، أنبأنا القزّاز، أنبأنا الخطيب، أنبأنا، الخلال، أنبأنا علي بن عمرو الحريري، حدّثنا علي بن محمد بن كاس النخعى، حدّثنا محمد بن محمود الصيدناني، حدّثنا محمد بن شُجَاع بن الثلجي، حدّثنا الحسن بن أبي مالك، عن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لما أردتُ طلب العلم، جعلتُ أتخير العلوم، وأسأل عن عواقبها. فقيل: تعلم القرآن. فقلتُ: إذا حفظتُه فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد، فيقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا يلبثُ أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو مساويك، متذهب رياستُك. قلت - القائل الذهبي -: من طلب العلم للرياسة قد يفكر في هذا، وإلا فقد ثبت قول المصطفى صلوات الله عليه "أفضلكم من تعلّم القرآن وعلَّمه"، يا سبحان الله! وهل محل أفضل من المسجد؟ وهل نشر العلم يقارب تعليم القرآن؟ كلا والله، وهل طلبة خير من الصبيان الذين لم يعملوا الذنوب؟ وأحسب هذه الحكاية موضوعة … ففي إسنادها من ليس بثقة. تتمة الحكاية: "قال: قلتُ: فإن سمعتُ الحديث وكتبتُه حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني؟ قالوا: إذا كبرتَ، وضعفتَ، حدثتَ، واجتمع عليك هؤلاء الأحداث والصبيان. ثم لم تأمن أن تغلط، فيرموك بالكذب، فيصير عارا عليك في عقبك. فقلتُ: لا حاجة لي في هذا. قلتُ - القائل الذهبي -: الآن كما جزمتُ بأنها حكاية مختلقة، فإن الإمام أبا حنيفة طلب الحديثَ وأكثرَ منه في سنة مائة وبعدها، ولم يكن إذ ذاك يسمع الحديث الصبيانُ، هذا اصطلاح وجد بعد ثلاثمائة سنة، بل كان يطلبه كبارُ العُلماء، بل لم يكن للفقهاء علم بعد القرآن سواه، ولا كانت دوّنتْ كتب الفقه أصلا. ثم قال: قلتُ: أتعلم النحو. فقلت: إذا حفظتُ النحو والعربية، ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعد معلّما، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة. قلتُ: وهذا لا عاقبة له. قلتُ: فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك، أو يخلع عليك، وإن حرمك هجوتَه. قلتُ: لا حاجة فيه. قلت: فان نظرت في الكلام، ما يكون آخر أمره؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشنَّعات الكلام، فيرمى بالزندقة، فيقتل، أو يسلم مذموما. قلتُ - القائل الذهبي -: قاتل الله من وضع هذه الخُرافةَ، وهل كان في ذلك الوقت وجد علم الكلام؟ قال: قلتُ: فإن تعلمتُ الفقهَ؟ قالوا: تسال، وتفتي الناس، وتطلب للقضاء، وإن كنت شابّا. قلتُ: ليس في العلوم شيء أنفعَ من هذا، فلزمتُ الفقه وتعلمتُه". وقال الحافظ الذهبي أيضًا في ترجمة الإمام سفيان الثوري من كتابه "تذكرة الحفَّاظ" (¬١) معلّقا على قوله رحمه الله تعالى: "ليس طلب الحديث من عُدَّة الموتِ، لكنه عِلّة، يتشاغل بها الرجل"، ما نصّه: "قلت: صدق والله، إن طلب الحديث شيء غير الحديث، فطلب الحديث اسم عرفي الأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث، وكثير منها مراق إلى العلم، وأكثرها أمور يُشْغَفُ بها المحدّث، من تحصيل النسخ المليحة، وتطلُّب العالي، وتكثير الشيوخ، والفرخ بالألقاب، والثناء، وتمنّي العمر الطويل ليروي، وحبّ التفرَّد، إلى أمور عديدة لازمة للأغراض النفسانية، لا الأعمال الربَّانية. فإذا كان طلبك الحديث النبوي محفوفا بهذه الآفات، فمتى خلاصُك منها إلى الإخلاص؟! وإذا كان علم الآثار مدخولا، فما ظنّك بعلم المنطق والجدل وحكمة الأوائل التي تسلب الإيمان، وتورث الشكوكَ والحيرةَ؟ التي لم تكن والله من علم الصحابة ولا التابعين، ولا من علم الأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وابن أبي ذئب، وشعبة. ولا والله عرفها ابن المبارك، ولا أبو يوسف القائل: من طلب الدين بالكلام تزندق، ولا وكيع، ولا ابن مهدي، ولا ابن وهب، ولا الشافعي، ولا عفَّان بن مُسلم - ولا أبو عبيد، ولا ابن المديني، وأحمد وأبو ثور، والمزني، والبخاري، والأثرم، ومسلم، والنسائي، وابن خزيمة، وابن سُريج، وابن المنذر، وأمثالهم، بل كانت علومهم القرآن، والحديث، والفقه، والنحو، وشبه ذلك. نعم، وقال سفيان أيضًا: فيما سمعه منه الفريابي: ما من عمل أفضل من طلب الحديث إذا صحت النية فيه". وقال في خاتمة الطبقة الخامسة (¬١)، التي ذكر فيها أبا حنيفة، ومالكا، والأوزاعي، وسفيان: "وفي زمان هذه الطبقة، كان الإسلام وأهله في عِزٍّ تامّ، وعِلْمٍ غزير … وكان في هذا الوقت من الفقهاء، كأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، الذين مرّوا". انتهى. قلت: فقد ثبت مما نقلناه من تصريحات الحافظ الذهبي أمور: ١ - كانت علوم أبي حنيفة ﵀ القرآن، والحديث، والفقه، والنحو، وشبه ذلك. ٢ - أن الإمام أبا حنيفة طلب الحديث وأكثر منه في سنة مائة وبعدها، بل لم يكن إذ ذاك للفقهاء علم بعد القرآن سواه، وقد عُنِي الإمام بطلب الآثار، وارتحل في ذلك. ٣ - وكان أعلم بأقاويل عليّ، وابن مسعود، وطائفة ممن كان بـ "الكوفة" من أصحاب رسول الله ﷺ. ٤ - وكان من الأئمة العَشَرة الذين يدور عليهم العلمُ في ذلك العصر. فهو قرين مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وابن عُيينة، ومَعْمَر، وشعبة، والحمَّادين، في علم الكتاب والسنّة. ٥ - وكان من كبار أئمة الاجتهاد، وأحد الأئمة الأعلام، وإليه المنْتَهَى في الفقه، والناس عِيَالٌ عليه في ذلك. فهذا رأيُ مؤرّخ الإسلام الحافظ الناقد البصير شمس الدين الذهبي، الذي هو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال، في حق إمامنا الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه.