Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

وصية أخرى للإمام الأعظم رحمه الله

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 332, entry [253]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 332, entry [253]Open original source
وصية أخرى للإمام الأعظم ﵀: وللإمام رضى الله تعالى عنه وصية أخرى، أوصى بها الإمام أبا يوسف، رحمه الله تعالى، لا بأس بإيرادها هنا؛ فإنها قد تضمنت كثيرًا من لطائف الحكماء، ومحاسن الكلم، وفيها لمن تدبّرها نفع كبير، وأدب غزير. وقد نقلها الشيخ الفاضل زين بن نجيم في آخر كتابه "الأشباه والنظائر"، ومنها نقلنا. وقال رضى الله تعالى عنه: يا يعقوب! وقّر السلطان، وعظّمْ منزلتَه، وإياك والكذبَ بين يديه، والدخولَ عليه في كل وقت ما لم يدعك لحاجة؛ فإنك إذا أكثرتَ الاختلافَ عليه تهاونَ بك، وصغرتْ منزلتُك عنده، فكنْ منه كما أنتَ من النار، تنتفع منها، وتتباعد عنها؛ فإن السلطان لا يرى لأحد ما يرى لنفسه. وإياك وكثرة الكلام بين يديه، فإنه يأخذ عليك ما قلتَه، ليرى من نفسه بين يدي حاشيته أنه أعلم منك وأنه يخطئك، فتصغر في أعين قومه، ولتكن إذا دخلت عليه تعرف قدرَك وقدرَ غيرك، ولا تدخل عليه وعنده من أهل العلم من لا تعرفه؛ فإنك إن كنت أدون حالًا منه لعلّك ترتفع عليه فيضرّك، وإن كنت أعلم منه لعلك تنحطّ عنه، فتسقط بذلك من عين السلطان، وإذا عرض عليك شيئًا من أعماله، فلا تقبلْ منه إلا بعد أن تعلم أنه يرضاك، ويرضى مذهبك في العلم والقضايا؛ كيلا تحتاج إلى ارتكاب مذهب غيرك في الحكومات، ولا تواصل أولياء السلطان وحاشيته، بل تقرب إليه فقط، وتباعدْ عن حاشيته؛ ليكون مجدُك وجاهُك باقيًا. ولا تتكلمْ بين يدي العامة إلا بما تُسأل عنه. وإياك والكلامَ في العامة والتجّار إلا بما يرجع إلى العلم؛ كيلا يوقف على حبّك ورغبتك في المال؛ فإنهم يُسَيّئُون الظنّ بك، ويعتقدون ميلَك إلى أخذ الرشوة منهم. ولا تضحكْ، ولا تبتسّمْ بين يدي العامة. ولا تكثر الخروجَ إلى الأسواق. ولا تكلم المراهقين، فإنهم فتنة، ولا بأس أن تكلم الأطفال، وتمسح رءوسَهم. ولا تمش في قارعة الطريق مع المشايخ والعامة، فإنك إن قدمتهم ازدرى بعلمك، وإن أخرتهم ازدرى بك، من حيث إنهم أسنّ منك، قال النبي صلَّى الله عليك وسلَّم: "من لم يرحم صغيرَنا، ولم يوقّر كبيرَنا، فليسَ منا". ولا تقعدْ على قوارع الطريق، فإذا دعاك ذلك فاقعد في المسجد. ولا تأكل في الأسواق والمساجد. ولا تشربْ من السقايات، ولا من أيدي السقائين. ولا تقعدْ على الحوانيت. ولا تلبس الديباج، والحلي، وأنواع الإبريسم؛ فإن ذلك يقضي إلى الرعونة. ولا تكثر الكلام في بيتك مع امرأتك في الفراش، إلا وقت حاجتك إليها بقدر ذلك، ولا تكثرْ لمسَها، ولا تقربْها إلا بذكر الله تعالى، ولا تتكلّم بأمر نساء الغير بين يديها، ولا بأمر الجواري، فإنها تنبسط إليك في كلامك، ولعلّك إذا تكلمتَ عن غيرها تكلمتَ عن الرجال الأجانب. ولا تتزوّج امرأة كان لها بعل، أو أب، أو أم، أو بنت، إن قدرت، إلا بشرط أن لا يدخل عليها أحد من أقاربها، فإن المرأة إذا كانت ذات مال يدعي أبوها أن جميع مالها له، وأنه عارية في يدها. ولا تدخل بيت أبيها ما قدرت، وإياك أن ترضى أن تزف في بيت أبويها، فإنهم يأخذون أموالك، ويطمعون فيها غايةَ الطمع. وإياك أن تتزوّج بذات البنين والبنات، فإنها تدّخر جميعَ المال لهم، وتسرق من مالك، وتنفق عليهم؛ فإن الولدَ أعزّ عليها منك. ولا تجمع بين امرأتين في دار واحدة، ولا تتزوّجْ إلا بعدَ أن تعلم أنك تقدر على القيام بجميع حوائجها. واطلب العلم أولًا، ثم اجمع المال من الحلال، ثم تزوّج، فإنك إن طلبت المال في وقت التعلّم عجزتَ عن طلب العلم، ودعاك المال إلى طلب الجواري والغلمان، وتشتغل بالدنيا والنساء قبل تحصيل العلم، فيضيع وقتك، ويجتمع عليك الولد، وتكثر عيالك، فتحتاج إلى القيام بمصالحهم وترك العلم. واشتغل بالعلم في عنفوان شبابك، ووقت فراغ قلبك وخاطرك، ثم اشتغل بالمال ليجتمع عندك؛ فإن كثرة الولد والعيال يشوش البال، فإذا جمعت المال فتزوّج. وعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة، والنصيحة لجميع الخاصة والعامة. ولا تستخف بالناس، ووقّر نفسك ووقّرهم، ولا تكثر معاشرتهم إلا بعد أن يعاشروك، وقابل معاشرتهم بذكر المسائل، فإنه إن كان من أهله اشتغل بالعلم، وإن لم يكن من أهله أحبَّك. وإياكَ أن تكلم العامة بأمر الدين في الكلام، فإنهم قوم يقلّدونك، فيشتغلون بذلك. ومن جاءَك يستفتيك في المسائل، فلا تجبْ إلا عن سؤاله، ولا تضم إليه غيره؛ فإنه يشوش عليه جواب سؤاله. وإن بقيت عشر سنين بغير كتب ولا قوة فلا تعرض عن العلم، فإنكَ إن أعرضتَ عنه كانت معيشتُك ضنكا. وأقبل على مُتفقهيك، كانك اتخذت كل واحد منهم ابنًا وولدا، يزيدهم رغبة في العلم. ومن ناقشك من العامة والسوقة، فلا تُناقشْه؛ فإنه يذهب ماء وجهك. ولا تحتشمْ من أحدٍ عند ذكر الحق، وإن كان سُلطانًا. ولا ترض لنفسك من العبادات إلا بكثرَ مما يفعله غيرك، وتعاطاها؛ فإن العامة إذا لم يروا منك الإقبال عليها بأكثرَ مما يفعلون، اعتقدوا فيك قلة الرغبة، واعتقدوا أن علمك لا ينفعك إلا ما نفعهم الجهل الذي هم فيه. وإذا دخلت بلدة فيها أهل العلم، فلا تتخذْ لنفسك، بل كن كواحد من أهله؛ ليعلموا أنك لا تقصد جاهَهم، وإلا يخرجون عليك بأجمعهم، ويطعنون في مذهبك، وتصير مطعونًا عندهم بلا فائدة. وإن استفتوك في المسائل، فلا تناقشْهم في المناظرة والمطارحات، ولا تذكر لهم شيئًا إلا عن دليل واضح، ولا تطعنْ في أساتذتهم، فإنهم يطعنون فيك. كنْ من الناس على حذر، وكنْ لله تعالى في سرّك، كما أنت له في علانيتك، ولا يصلح أمر العلم إلا بعد أن يجعل سرّه كعلانيته. وإذا ولاك السلطان عملًا، فلا تقبلْ ذلك منه، إلا بعد أن تعلم أنه إنما يولّيك ذلك لعلمك. وإياك أن تتكلم في مجلس النظر على خوف؛ فإن ذلك يورثْ الخللَ في الألفاظ، والكللَ في اللسان. وإياك أن تكثر الضحكَ، فإنه يميت القلب. ولا تمش إلا على طمأنينة. ولا تكن عجولًا في الأمور. ومن دعاك من خلفك فلا تجبْه، فإن البهائم تُنادى من خلف. وإذا تكلمتَ فلا تكثر صياحَك، ولا ترفع صوتَك واتخذْ لنفسك السكون وقلة الحركة؛ كي يتحقق عند الناس ثباتك. وأكثر ذكر الله تعالى فيما بين الناس؛ ليتعلموا ذلك منك. واتخذ لنفسك وردًا خلف الصلوات، تقرأ فيه القرآن، وتذكر الله تعالى، وتشكره على ما أودعَك من الصبر، وأولاك من النعم. واتخذْ أيامًا معدودة من كل شهر تصوم فيها؛ ليقتدي غيرك بك. وارقبْ نفسك، وحافظْ على الغير؛ لتنتفع من دنياك وآخرتك بعلمك. ولا تشتر بنفسك ولا تبعْ، بل اتخذْ لك مُصلحًا يقوم بأشغالك، وتعتمدْ عليه في أمورك، ولا تطمئنَّ إلى دنياك، وإلى ما أنتَ فيه، فإن الله تعالى سائلك عن جميع ذلك. ولا تشتر الغلمان المرد. ولا تظهر من نفسك التقرّب إلى السلطان قربك؛ فإنه ترفع إليه الحوائج، فإن قمت أهانك، وإن لم تقم أعابك. ولا تتبع الناس في خطاياهم، بل اتبع في صوابهم. وإذا عرفت إنسانًا بالشرّ فلا تذكره به، بل اطلبْ منه خيرًا، فأذكره به، إلا في باب الدين، فإنك إن عرفت في دينه ذلك فاذكره للناس؛ كيلا يتبعوه ويحذروه، قال ﵊: "اذكروا الفاجر بما فيه، حتى يحذره الناس"، وإن كان ذا جاه ومنزلة، فادكر ذلك، ولا تبال من جاهه؛ فإن الله تعالى معينك وناصرك وناصر الدين، فإذا فعلت ذلك مرة هابوك، ولم يتجاسرْ أحد على إظهار البدعة في الدين. وإذا رأيتَ من سفطانك ما لا يوافق العلم، فاذكر ذلك مع طاعتك إياه؛ فإن يده أقوى من يدك، تقول له: أنا مطيع لك في الذي أنت فيه سلطان، ومُسلط علي، غير أني أذكر لك من سيرتك ما لا يوافق العلم، فإذا فعلت ذلك مع السلطان مرة كَفَاكَ لأنكَ إذا واظبتَ عليه، ودمتَ، لعلهم يمقتونك، فيكون قمعًا للدين، فإذا فعل ذلك مرة أخرى، فادخل عليه وحدَك في داره، وانصحْه في الدين، وناظرْه إن كان مبتدعًا، وإنه كان سلطانًا، فاذكرْ له ما يحضرك من كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﵊، فإن قبل منكَ، وإلا فاسأل الله تعالى أن يحفظك منه، واذكر الموت، واستغفرْ للأستاذ، ومن أخذت عنهم العلم، وداومْ على التلاوة، وأكثر من زيارة القبور والمشايخ والمواضع المباركة. واقبل من العامة ما يقضون عليك من رؤياهم للنبي ﷺ، ورؤيا الصالحين في المنازل، والمساجد، والمقابر. ولا تجالس أحدًا من أهل الأهواء إلا على سبيل الدعوة إلى الدين، ولا تكثر اللعب، والشتم. وإذا أذّن الموذّن فتأهبْ لدخول المسجد؛ كيلا تتقدم عليك العامة. ولا تتخذْ دارك في جوار السلطان. وما رأيت على جارك فاستره عليه؛ فإنه أمانة، ولا تظهر أسرار الناس. ومن استشارك في شيء فأشر عليه بما يقربك إلى الله تعالى. وإياك والبخل؛ فإنه تنتقص به المروءة. ولا تك طماعًا، ولا كاذبا، ولا صاحب تخاليط، بل احفظْ مروءتك في الأمور كلها. والبسْ من الثياب البيض في الأحوال كلها. وأظهرْ غنى القلب، مُظهرًا في نفسك قلة الحرص، والرغبة في الدنيا، وأظهر من نفسك الغنى، ولا تظهر الفقر، وإن كنت فقيرًا. وكنْ ذا همة، فإن من ضعفتْ همتُه ضعفتْ منزلتُه. وإذا مشيت في الطريق فلا تلتفت يمينًا ولا شمالًا، بل داوم النظر إلى الأرض. وإذا دخلت الحمَّام، فلا تساو الناس في أجرة الحمام، بل ارجح على ما تعطي العامة؛ لتظهر مروءتُك بينهم، فيعظمونك. ولا تسلم الأمتعة إلى الحائك وسائر الصنَّاع، بل اتخذ لنفسك ثقة يفعل ذلك. ولا تماكس بالحبات والدوانيق، ولا تزنْ بالدراهم، بل اعتمدْ على غيرك. وحقِّر الدنيا المحقَّرة عند أهل العلم؛ فذلك أحفظ لحاجتك. وإياك أن تكلم المجانين، ومن لا يعرف المناظرة والحجَّة من أهل العلم، والذين يطلبون الجاة، ويستغرقون بذكر المسائل فيما بين الناس؛ فإنهم يطلبون تخجيلك، ولا يبالون منك، وإن عرفوك على الحق. وإذا دخلت على قوم كبار فلا ترتفع عليهم بعالم يرفعوك، لئلا يلحق بك منهم أذية. وإذا كنت في قوم فلا تتقدمْ عليهم في الصلاة، ما لم يقدموك على وجه التعظيم. ولا تدخل الحمَّام وقت الظهيرة أو الغداة. ولا تحضر مظالم السلاطين، إلا إذا عرفت أنك إذا قلتْ شيئًا ينزلون على قولك بالحق، فإنهم إن فعلوا ما لا يحل وأنت عندهم ربما لا تملك منعَهم، ويظن الذين هناك أن ذلك حق؛ لسكوتك فيما بينهم وقت الأقدام عليه. وإياك والغضب في مجلس العلم. ولا تقصَّ على العامة؛ فإن القاصَّ لا بدَّ له أن يكذب. وإذا أردتَ اتخاذ مجلس لأحدٍ من أهل العلم، فاحضرْ بنفسك، واذكرْ فيه ما تعلمه؛ كيلا يغترَّ الناس بحضورك، فيظنّون أنه على صفة من العلم، وليس هو على تلك الصفة، فإن كان يصلح للفتوى فاذكرْ منه ذلك، وإلا فلا، ولا ليدرس بين يديك، بل اتركْ أحدًا من أصحابك؛ ليخبرك بكيفية كلامه، كمية علمه. وفوّض أمرَ المناكح إلى خطيب ناحيتك، وكذا صلاة الجنائز والعيدين. ولا تنسني من صالح دعائك. واقبل هذه الموعظة مني، وإنما أوصيك لمصلحتك، ومصلحة المسلمين. انتهى. هذا، وقد آن لنا أن نحبس عنانَ القلم عن الجري في ميدان لا غاية لمداه، وأن نكفَّ لسانَ المقال عن تعداد ما لا سبيلَ إلى حصره، وليسَ يدرك منتهاه، على أن ما أوردنا منه فيه مقنع لمنَ نوَّر الله بصيرته، وطهر من دنس التعصّب سريرته، وأحسن في السلف عقيدته، ولم ينكر لأحد من الناس فضيلته. ولقد صنف الفضلاء في مناقب هذا الإمام الجليل كتبًا لا تحصى، وأورد فيها من فضائله ومناقبه ما لا يستقصى، كل منهم معترف بأنه لم يبلغ من تعداد فضائله، وما يستحقُّه، وما كان عليه من العلم والعمل، عُشر معشاره، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
Parsing and provenance details
Local passage ID
1092122
Book record
shamela-819
Source record
1107161
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain