page 320, entry [251]Open original source
الفصل الثامن في ما يؤثر عنه من المحاسن، وحسن الاعتقاد وهي وإن كان مَحلّها الفصول المتقدمة، فقد ذكرناها هُنا على حِدة، لما أنها وقعتْ إلينا بعد الانتهاء من الترتيب المتقدم، لأن النفس إلى مثل هذا أميل، وإلى مطالعته أرغب، فنقول، وبالله التوفيق: روي عن علي بن مُسهر، أنه قال: خرج الأعمش إلى الحج، فشيعه أهل "الكوفة"، وأنا فيهم، فلما أتى "القادسية"، رأوه مَغمومًا، فقالوا له: ما لك؟. قال: أعليٌّ بن مسهر شيعنا؟. قالوا: نعم. قال: ادعوه لي. فدعوني، وقد كان عرفني بمجالسة أبي حنيفة، فقال: ارجع إلى المِصر، واسأل أبا حنيفة أن يكتب لنا المناسك. فرجعتُ، فسألتُه، فأملى علي، ثم أتيتُ بها الأعمش. وعن أبي مُعاوية، قيل للأعمش في علته: لولا أن أبا حنيفة يأتيك، لأتيناك مرتين في اليوم. فلما جاءه أبو حنيفة، قال: إن الناس يستثقلونني لما أصنع بهم في الحديث، وقد زدتني أنت عندهم ثقلًا، قالوا لي: كيت وكيت. فقال له: لولا العلم الذي يُجريه الله على لسانك ما رأيتني ولا أحدًا من أصحابي ببابك، وذلك أن فيك خِصالًا أنا لها كارهٌ، تتسحر عند طلوع الفجر، وتقول: هو الأول، وقد صح عندي أنه الثاني، وترى الماء، وتُفتي به، وتجامع أهلك، فإذا لم تنزل لم تغتسل أنت ولا هي، ولولا أنك تتأول من الحديث ما غاب عنك معانيه ما استحللت أن أكلّمك، ولكنّك تتأول شيئًا غيره، والله أولى بك. فما تسحر الأعمش بعد ذلك إلا بالليل، ولا قرب أهله إلا اغتسل وأمرها بالغسل، وقال: صيام وصلاةٌ يكونان باختلاف، والله لا أفتيت بذلك أبدًا. وعن عبد الصمد بن حسَّان، قال: كان سفيان الثوري يختلف إلى أبي حنيفة، فوقعتْ بينهما وحشة، فقعدَ عنه، ثم عادَ إليه، فجلس مُتقنعًا، فسئل أبو حنيفة عن مسئلة، فأسرع الجواب فيها، فقال له السائل: يا أبا حنيفة، ألا تنظر فيها؟ قال: إني أستيقن أنهما كما أجبتُ، كما أستيقن أن هذا سُفيان. ثم أخذ أبو حنيفة بقناعه، فحركه ابن المبارك. وقال عبد الصمد أيضًا: قلتُ لأبي عبد الله سفيان الثوري: ما تقول في الدعوة قبل الحرب؟ فقال: إن القوم قد علموا ما يُقاتلون عليه. فقلت: إن أبا حنيفة يقول فيها: ما قد بَلغك. فنكس رأسه، ثم رفعه، وأبصر يمينًا وشمالًا، فلم ير أحدًا، فقال: إن كان أبو حنيفة ليركب في العلم أحد من سنان الرمح، وكان، والله، شديد الأخذ للعلم، ذابًا عن المحارم، مُتبعًا لأهل بلده، لا يستحيل أنا يأخذ إلا بما يصحُّ عنده من الآثار عن النبي ﷺ، شديد المعرفة بناسخ الحديث ومنسوخه، وكان يطلب أحاديث الثقات، والأخير من فعل النبي ﷺ؛ وما أدرك عليه عامة أهل "الكوفة"، حيث وجد الحق أخذ به، وجعله دينه، وقد شنَّع عديه قوم بما نستغفر الله منه، بل كان منا اللفظة بعد اللفظة. قال: فقلتُ أرجو أن يغفر الله لك ذلك. وعن قاسم بن آدم، قال: قلت للفضل بن موسى السيناني: ما تقول في هولاء الذين يقعون في أبي حنيفة. قال: إن أبا حنيفة عليم كما يعقلونه، وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئًا، فحسدوه. وحدّث أبو سفيان الحميري، قال: قال ابن شبرمة: كنتُ شديد الإزراء على أبي حنيفة، فحضر الموسم، كنت حاجًا يومئذٍ، فاجتمع عليه قوم يسألون، فوقفتُ من حيث لا يعلم من أنا، فجاءه رجل، فقال،: يا أبا حنيفة، قصدتُك عن أمر قد أهمَّني، أو أعجزني. قال: ما هو؟ قال: لي ولد ليس لي غيره، فإن زَوَّجْتُه طلَّق، وإن سَرَّيْتُه أعْتَقَ، وقد عجزتُ عن هذا، فهل من حيلة؟ فقال له للوقت: اشتر الجارية التي يرضاها لنفسه هو، ثم زوّجها منه، فإن طلّقها رجعتْ مملوكتك، وإن أعتق أعتق ما لَا يملك. قال: فعلمتُ أن الرجل فقيه من يومئذ، فكففتُ عن ذكره إلا بخير. وروي عن الليث بن سعد، أنه كان يقول: كنتُ أسمع بذكر أبي حنيفة، وأتمنى أن أراه، فكنتُ يومًا في المسجد الحرام، فرأيتُ حلقة عليها الناس منقضين، فأقبلتُ نحوَها، فرأيتُ رجلًا من أهل "خراسان" أتى أبا حنيفة، فقال: أنا رجل من أهل "خُراسان"، كثير المال، وأن لي ابنًا ليس بالمحمود، وليس له ولد غيره، وذكر نحو ما تقدم. قال الليث: فو الله ما أعجبَني قوله بأكثرَ مما أعجبَني سرعة جوابه. وعن عثمان بن زائدة، قال: كنت عند أبي حنيفة، فقال له رجل: ما قولك في الشرب في قدح أو كأس في بعض جوانبه فضة؟ فقال: لا بأس به. فقال عثمان: فقلتُ له: ما الحجّة في ذلك؟ فقال: إنما ورد النهي عن الشرب في إناء الفضَّة والذهب، فما كان غير الفضَّة والذهب فلا بأس بما كان فيه منهما. ثم قال: يا عثمان، ما تقول في رجل مرَّ على نهر، وقد أصابَه عطش، وليس معه إناء، فاغترف الماء من النهر، فضربه بكفّه، وفي أصبعه خاتم؟ فقلتُ: لا بأسَ. قال: فهذا كذلك. قال عُثمان: فما رأيتُ أحضرَ جوابًا منه. وعن زفر بن الهذيل، قال: اجتمع أبو حنيفة وابن أبي ليلى وجماعة من العلماء، في وليمة لقوم، فأتوهم بطيب في مدهن فضَّة، فأبوا أن يستعملوه لحال المدهن، فاخذه أبو حنيفة، وسَلَتَه بأصبعه، وجعله في كفّه، ثم تطيّب به، وقال لهم: ألم تعلموا أن أنس بن مالك أتى بخبيص في جام فضة، فقلبه على رغيف، ثم أكله. فتعجَّبوا من فطنته وعقله. وعن أبي الوليد الطيالسي، قال: قدم الضحّاك الشَّارِيُّ "الكوفة"، فقال لأبي حنيفة: تبْ. فقال: ممَّ أتوب؟ فقال: من قولك بتجويز الحكمين. فقال: أبو حنيفة: تقتلني أو تناظرني. قال: بل أناظرك. قال: فإن اختلفنا في شيء مما تناظرنا فيه، فمن بيني وبينك؟ قال: اجعل أنت من شئتَ. فقال أبو حنيفة لرجل من أصحاب الضحَّاك: اقعدْ بيننا فيما نختلف فيه إن اختلفنا. ثم قال الضحًاك: أترضى بهذا بيني وبينك؟. قال: نعم. فقال أبو حنيفة: فأنتَ قد جوَّزت التحكيم. فانقطع الضحَّاك. وعن أبي يوسف، قال: بعث ابن هُبَيرة إلى أبي حنيفة، وعنده ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، فسألهم عن كتاب صُلح الخوارج، وكانت بقيتْ بقية من الخوارج، من أصحاب الضحّاك الخارجي، فقالت الخوارج: نريد أن نكتب لنا صُلحًا، على أن لا نؤخذ بشئٍ أصبناه في الفتنة، ولا قبلها، لا الأموال، ولا الدماء. فقال ابن شبرمة: لا يجوزُ لهم الصلحُ على ذلك، على هذا الوجه، لأنهم يُؤخَذُون بهذه الأموال والدماء. وقال ابن أبي ليلى: الصلح لهم جائز في كل شيءٍ. قال أبو حنيفة: فقال لي ابن هبيرة: ما تقول أنت؟ فقلت: أخطأ جميعًا. فقال ابن هُبَيرة: أفحشت، فقل أنت. فقلت: القول في هذا، إن كان مال ودم أصابوه من قبل إظهار الفتنة، فإن ذلك يؤخذ منهم، ولا يجوز لهم الصلح عليه، وأما كل شئ أصابوه من مال ودم في الفتنة، فالصلح عليه جائز، فلا يؤخذون به. فقال ابن هبيرة: أصبتَ، وقلتَ: الصواب، هذا هو القول. وقال: يا غلام، اكتب ما قال أبو حنيفة. وعن علي بن عاصم، قال: سألت أبا حنيفة عن درهم لرجل ودرهمين لآخر، اختلطت، ثم ضاع درهمان من الثلاثة، لا يعلم أيّها هما. فقال: الدرهم الباقي بينها أثلاثًا. قال علي: فلقيت ابن شبرمة، فسألتُه عنها. فقال: سألت عنها أحدًا غيرى؟ قلتُ: نعم، سألتُ أبا حنيفة عن ذلك، فقال: يُقسم الدرهم الباقي بينهما أثلاثًا. قال: أخطأ أبو حنيفة، درهم من الدرهمين الضائعين يحيط العلم أنه من الدرهمين، والدرهم الباقي بعد الماضيين يحتمل أن يكون الدرهم الباقي من الدرهمين، ويحتمل أن يكون الدرهم المنفرد المختلط بالدرهمين، فالدرهم الذي بقي يكون بينهما نصفين. قال ابن عاصم: فاستحسنتُ ذلك، ثم لقيتُ أبا حنيفة، فوالله لو وزن عقله بنصف عقول أهل المصر يعني "الكوفة" لرجح بهم، فقلتُ له: يا أبا حنيفة: خولفت في تلك المسئلة، وقلت له: لقيت ابن شبرمة، فقال: كذا. فقال أبو حنيفة: إن الثلاثة حين اختلطت ولم تتميز، رجعت الشركة في الكل، فصار لصاحب الدرهم ثلت كل درهم، ولصاحب الدرهمين ثلثا كل درهم، فأيّ درهم ذهب فعلى هذا. وعن أبي يوسف، قال: جاء رجل إلى مسجد "الكوفة" يوم الجمعة، فدارَ على الخلق يسألهم عن القرآن، وأبو حنيفة غائب بـ "مكة"، فاختلفَ بـ "مكة"، فاختلفَ الناس في ذلك، والله ما أحسبه إلا شيطانًا تصوّر في سورة الأنس، حتى انتهى إلى حلقتنا؛ فسألنا عنها، وسأل بعضنا بعضًا، وأمسكنا عن الجواب، وقلنا: ليس شيخنا حاضرًا، ونكره أن نتقدم بكلام حتى يكون هو المبتدي بالكلام. فلمَّا قدم أبو حنيفة تلقيناه بـ "القادسية"، فسألنا عن الأهل والبلد، فأجبناه، ثم قلنا له بعد ذلك: رضي الله عنك، وقعتْ مسئلة، فما قولك فيها؟ فكأنه كأن في قلوبنا، وأنكرنا، وظنّ أنه وقعتْ مسئلة معنتة، وأنا قد تكلمنا فيها بشيءٍ، فقال: ما هي؟ قلتُ: كذا وكذا. فأمسك ساكتًا ساعة، ثم قال: فما كان جوابكم فيها؟ قُلنا: لم نتكلم فيها بشيءٍ، وخشينا أن نتكلم فيها بشيءٍ، فتنكره. فسرى عنه، وقال: جزاكم الله خيرًا، احفظوا عنى وصيتى: لا تكلموا فيها، ولا تسألوا عنها أبدًا، انتهوا إلى أنه كلام الله ﷿، بلا زيادة حرف واحد، ما أحسب هذه المسئلة تنتهى حتى توقع أهل الإسلام في أمر لا يقومون له ولا يقعدون، أعَاذَنا الله وإياكم من الشيطان الرجيم. وسئل حفص بن مسلم عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله، غير مخلوق، ومن قال: غير هذا فهو كافر. فقال ابنه سالم: هل يخبر عن أبي حنيفة في هذا بشيء؟ فقال: نعم، كان أبو حنيفة على هذا، وما علمتُ منه يضره، ولو علمتُ منه غيره لم أصحبْه. قال: وكان أبو حنيفة إمام الدنيا في زمانه، فِقهًا وعلمًا وورعًا، وكان محنة، يعرف به أهل الباع من الجماعة ولقد ضرب بالسياط على الدخول في الدنيا لهم، فأبى. وعن أبي مقاتل: سمعتُ أبا حنيفة يقول: الناس عندنا على ثلاث منازل؟ الأنبياء من أهل الجنة، ومن قالت الأنبياء: إنه من أهل الجنة فهو من أهل الجنة. والمنزلة الأخرى المشركون، نشهد عليهم أنهم من أهل النار. والمنزلة الثالثة المؤمنون: نقف عنهم، ولا نشهد على واحد منهم أنه من أهل الجنة، ولا من أهل النار؛ ولكنا نرجو لهم، ونخاف عليهم، ونقول كما قال الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، حتى يكون الله ﷿ يقضي بينهم، وإنما نرجو لهم، لأن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ونخاف عليهم بذنوبهم وخطاياهم، وليس أحدٌ من الناس أوجب له الجنَّة، ولو كان صوَّامًا قوَّامًا غير الأنبياء، ومن قالتْ فيه الأنبياء: إنه من أهل الجنة. وعن أبي مقاتل أيضًا، عن أبي حنيفة، قال: الأيمان هو المعرفة، والتصديق، والإقرار بالإسلام. قال: والناس في التصديق على ثلاث منازل: فمنهم من صدق الله، وما جاء منه بقلبه ولسانه. ومنهم من صدق بلسانه، وهو يكذبه بقلبه. ومنهم من يصدق بقلبه، ويكذب بلسانه. فأما من صدق الله، وما جاءَ به رسوله ﵊، بقلبه ولسانه، فهو عند الله وعند الناس مؤمن. ومن صدق بلسانه، وكذب بقلبه، كان عند الله كافرًا، وعند الناس مؤمنًا؛ لأن الناس لا يعلمون ما في قلبه، وعليهم أن يُسموه مؤمنًا، بما أظهرَ لهم من الإقرار بهذه الشهادة، وليس لهم أن يتكلّفوا علم القلوب. ومنهم من يكون عند الله مؤمنًا، وعند الناس كافرًا، وذلك أن يكون المؤمن يظهر الكفر بلسانه في حال التقية، فيسمّيه من لا يعرفه كافرًا، وهو عند الله مؤمن. انتهى.