page 170, entry [194]Open original source
هل من الجن صحابة ؟! اختلف علماء التوحيد في بيان حقيقة الجن، فقال بعضهم بتغاير حقيقته، فعرفوا الجن بأنها أجسام هوائية لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة، وتظهر منها أفعال عجيبة، ومنهم المؤمن، ومنهم الكافر، أما الشياطين: فهي أجسام نارية شأنها إقامة النفس في الغواية والفساد. وقال آخرون: إن حقيقتها واحرة، وهي أجسام نارية عاقلة قابلة للتشكل بأشكال حسنة أو قبيحة، وهم كبنى آدم، يأكلون، ويشربون، ويتناسلون، ويكلفون، منهم المؤمن، ومنهم العاصي، أما الشيطان فاسم للعاصى، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾، كما يدل على تكليفهم ووجودهم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ الآيات، وقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، وحيث ثبت وجودهم بكلام الله وكلام أنبيائه انعقد عليه الإجماع كان الإيمان بما ثبت واجبا، ومنكره كافر. والسؤال بعد ذلك هل هم داخلون في الصحابة الحق؟ نعم، يدخل في الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من رآه ﷺ أو لقيه مؤمنا به من الجن، لأنه ﷺ بعث إليهم قطعا، وهم مكلفون، وفيهم العصاة والطائعون. قال الحافظ ابن حجر: الراجح دخولهم، لأن النبي ﷺ بعث إليهم قطعا. قال السبكى في "فتاويه"، كونه ﷺ مبعوثا إلى الإنس والجن كافة، وأن رسالته شاملة للثقلين، فلا أعلم فيه خلافا، ونقل جماعة الإجماع عليه. قال السبكى: والدليل عليه قبل الإجماع الكتاب والسنّة، أما الكتاب فآيات، منها قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، وقد أجمع المفسّرون على دخول الجن في ذلك في هذه الآية، ومع ذلك هو مدلول لفظها، فلا يخرج عنه إلا بدليل، ومنها قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِين﴾، والمنذرون هم المخوَّفون مما يلحق بمخالفته لوم، فلو لم يكن مبعوثا إليهم لماكان القرآن الذي أتي به لازما لهما، ولا خوّفوا به. وأما السنّة ففي "صحيح مسلم" من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "فضّلتُ على الأنبياء بستّ، أعطيتُ جوامع الكلم، ونصرتُ بالرعب، وأحلَّتْ لي الغنائم، وجعلتْ لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلتُ إلى الخلق كافة، وختم بي النبييون". ومحل الاستدلال قوله: "وأرسلتُ إلى الخلق كافة"، فإنه يشمل الجن والإنس، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز.