page 29, entry [16]Open original source
تقريظ العالم الكبير المحدث الجليل العلامة الفهامة مولانا عبد المالك الكملائي، حفظه الله تعالى، ورعاه أمين التعليم المركز الدعوة الإسلامية، ميرفور، داکا، بنغلاديش. ﷽ كلمة التحديث بالنعمة الحمد لله على ما أنعم وأكرم، أسبغ نعمه علينا ظاهرة وباطنة، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، أشهد من صميم قلبي أنه لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، وأشهد شهادة صادقة أن محمدا نبينا عبده ورسوله، وأسأله وهو المولى الكريم أن يصلي ويسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد النَّبِيّ المعظم، خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فإن من أهم علوم أهل الإسلام علم سير الأعلام النبلاء، وتاريخ أحوال الرواة من الثقات والضعفاء، رواة علوم الشريعة على اختلاف أنواعها، وتنوع أصنافها. ولهذا العلم وحده شعب كثيرة جدا، من أهم تلك الشعب قسم تراجم الأئمة الفقهاء وطبقات أصحابهم وعلماء مذاهبهم في جميع الأمصار وعلى ممر الأعصار، ومن أنواع هذا القسم علم طبقات علماء الحنفية وفقهائهم. والأسف أن هذا النوع من علم السير والتاريخ كان قد هُضِم حَقَّه من قديم الزمن، فنشكر القليلين الذين تَوَجَّهوا إلى تدوينه ولو على فترات، وباختصار شديد، وفي حدود ضيقة جدا، نشكرهم بعد حمد الله تعالى وشكره، فلولا تَوُجُّهُهم لحُرم المسلمون من هذه البقية الباقية أيضًا. وكان شيخنا العلامة الفقيه، المحدث الناقد القدوة، مولانا الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى، كثير الحض لطلابه على سد الخلا والخلل في باب التدوين والتصنيف بوجه عام، وفي هذا النوع من العلم بوجه خاص. وكان أمر مرة طالبًا من طلابه لتجريد تراجم الحنفية من كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي رحمه الله تعالى ففعل، وأمرني وأنا في السنة الأولى من قسم علوم الحديث بتجريد تراجم الحنفية من كتاب "النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي، وقد وفقت لذلك، ولله الحمد. وكان يحضهم بوجه عام لجمع كتاب جامع في تراجم الحنفية، وأوصى بذلك خاصة غير واحد من طلابه، في رأسهم فضيلة أخينا الكبير ومربينا الفاضل، الأستاذ العالم الجليل، والمصنف الصابر النشيط، الشيخ حفظ الرحمن بن محب الرحمن الموقر حفظه الله تعالى ورعاه، كتب له الستر والسلامة والعفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة، وأمد في حياته الطيبة بإذن الله تعالى، والشيخ حفظ الرحمن هو رفيق شقيقى الأكبر الأستاذ الشيخ أبي الحسن محمد عبد الله حفظه الله تعالى ورعاه، وكانا رفيقين أيضا في التلمذ على شيخنا النعماني رحمه الله تعالى. فحفظ الشيخ حفظ الرحمن وصية الأستاذ النعماني ووفى بحق التلمذ، وحُقَّ له ذلك، فقد كان سيدي الشيخ يحبه كثيرا، وكان ألف رسالته للتخصص في الفقه الإسلامي في جامعة العلوم الإسلامية بنوري تاؤن كراتشي تحت إشراف شيخنا النعماني رحمه الله تعالى، وكان يتمنى له أن يلتحق بقسم التخصص في علوم الحديث الشريف ويقضي فيه أيضا مدة، ولكن لم يتيسر له ذلك لبعض الأعذار، مع إتمامه إجراء أمور الالتحاق، والخير فيما وقع إن شاء الله تعالى. وأحمد الله تعالى وأشكره على هذه النعمة الجليلة التي أكرمنا بها بواسطة الشيخ حفظ الرحمن، إذ وفقه لجمع هذا المعجم الكبير الذي وصل إلى ثلاث وعشرين مجلدا، نشكره على ما وُفِّق له وهُدِي إليه شكرًا جزيلًا، ونرحبه به غاية الترحيب. ومن قديم نرى الشيخ المولف يهتم بالتأليف بالعربية، وفي موضوعات علمية، ويعتني بتحقيق بعض الكتب العلمية المؤلفة باللغة العربية، واختيار اللغة العربية للتحقيق أو التأليف في هذه الديار، ثم الاستقاهة عليه بهذه الطريقة أمر مستغرب جدا، وهذا كما يدل على عُلُوِّ همة هذا المؤلف يدل أيضا على أن البيئة العلمية في هذه البلاد قد أَنِسَتْ باللغة العربية الفطرية قراءة ومطالعة، وكما يقول بعض الأفاضل الأعلام أن الفضل يرجع في هذا التأنيس إلى فضيلة الأستاذ الشيخ الأديب أبو طاهر مصباح حفظه الله تعالى ورعاه، شكر الله تعالى سعي أبي طاهر ومشايخه وأعوانه، ومن تقدمه في خدمة اللغة العربية في هذه الديار وغيرها. نرجع إلى كتاب المعجم الكبير في تراجم الحنفية، الذي سمي: "البدور المضية في تراجم الحنفية"، والذي أتحفنا به الشيخ المؤلف في هذه المرة، بعد أن قضى في جمع شتاته سنوات متوالية، وقد نظرت في فهرست مصادر الكتاب ومراجعه، كثرتُها مع تنوعها متطابقة مع ضخامة الكتاب ودالة على الجهود العظيمة التي بذلها المؤلف حفظه الله تعالى، كما أن هذه الفهرست لعدم تجاوزها أربع مئة كتاب تشير إلى أن على المؤلف قضاء شوط آخر طويل، ليصل الكتاب إلى تمام جمعه كمال صنعته. وبما أني لم أقف إلا على صفحات من الكتاب ليس لي أن أفصل الكلام فيه، وإنما أكتفي بنقل كلام للمؤلف وصف فيه كتابه، رأيته في رسالته إلى الأستاذ العلامة الحجة الشيخ محمد عوامة حفظه الله تعالى ورعاه، تذكار السلف الصالح في هذا العصر، كتب إليه المؤلف يصف كتابه ويرجو منه الدعاء، ما نصه: "فعملا بتلك الوصية ألفت هذا الكتاب، وجمعت فيه ما دونه الأقدمون من عهد الحافظ القرشي إلى عهد الإمام اللكنوي، وزدت إلى ذلك: ١ - جماعة ممن فاتهم ٢ - جماعة كبيرة ممن جاءوا بعدهم استخرجتهم من كتب التراجم العامة، ومن الجرائد والمجلات، وغرها. وتوجهت بوجه خاص إلى رجال شبه القارة الهندية بما فيهم أعلام بنغلاديش. ويجيء الكتاب في ثلاث وعشرين مجلدا مع المقدمة والفهارس. ولا ريب أن العمل الآن في خطوته الأولى، وسأحاول ما فات أو تجدد في طبعات لاحقة إن شاء الله تعالى، كما يستمر عمل التصحيح والتجويد والإتقان قبل كل طبعة إن شاء الله تعالى … ". انتهى. ولا شك أن هذا العمل في خطوته الأولى نافع أيضا، ويفيدنا في معرفة تراجم جماعة كبيرة جدا من طوائف أهل العلم، من مختلف الأمصار والأعصار، ومختلف الألسنة والألوان، ومختلف الأمزجة والمشارب، كما يفيد إخواننا في الهند والسند في معرفة رجال بنغلاديش، ويفيد إخواننا العرب في معرفة رجال الهند الكبرى عامة، ورجال بنغلاديش خاصة. بارك الله تعالى في حياة المؤلف وبارك في جهوده، كتب له ولذريته وطلابه الخير بحذافيره، وأعاذه وإياهم من كل سوء وآفة. هذا، وصلى الله تعالى وبارك وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتب العبد محمد عبد المالك خادم الطلاب في مركز الدعوة الإسلامية داكا في ٢٥/ ١/ ١٤٣٨ هـ مقدمة الكتاب ﷽ الحمد لله الحكم العلي الكبير، اللطيف الخبير البصير، الذي خلق كل شيء فأحسن التقدير، ودبَّر الخلائق فأكمل التدبير، وقضى بحكمته على العباد بالسعادة والشقاوة، فريق في الجنة، وفريق في السعير، وأرسلَ رسلَه الكرام بأصدق الكلام وأبين التحرير، وختمَهم بالسيّد أبي القاسم البشير النذير، السراج المنير، فأرسلَه رحمةً للعالمين من نار السعير، وحفظ شريعتَه من التبديل والتغيير، وصيّرَ أمتَه خيرَ أمة أخرجتْ للناس، فيا حبّذا التصيير، وجعلَ فيهم أئمةً سادةً وفقهاءَ قادةً من الصحابة والتابعين، ومن تبعَهم إلى يوم الدين، الذين يدققون النقيرَ والقطميرَ، ويتبصّرون في ضبط آثار نبيهم أتمَّ التبصير، ويتعوّذون باللّه من الهوى والتقصير. ما أعظم شانَه، أشكرُه شكرا جزيلا على أنه جعلَ اختلافَ المذاهب رأفة ورحمة، وافتراقَ المضارب فضلا ونعمة، فبأيّها اقتدى بنو آدم اهتدى إلى طريق الجنان. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَهـ لا شريكَ له شهادةً أدّخرُها لسؤال منكَر ونكير، وأردفُها بشهادة أن محمد عبده ورسوله خير في وأصدق نذير، صلى الله عليه وعلى آله أولي العزم والتشمير. أما بعد فيقول العبد الفقير إلى الله جلَّ وعلا محمَّد حفظ الرحمن بن العلامة المحدث محب الرحمن بن القاري حمير الدين الفِنُوَائي الكُمِلَّائي البَنْغَلادِيْشي تجاوزَ الله عن ذنبه الجلي والخفي: إن علم التاريخ أجلّ ما يطالعُه ذوو العقول، وأعزّ ما ينتفع به الجهول، وأفضل ما يعانيه نقّاد الفحول، وأعلى ما يتبصّر الغفول، وفيه عبرةٌ لمن اعتبر، وموعظةٌ لمن افتكر، ولهذا الفن شعب متفرّقة وصنوف متشتّة، وأجلّها فن تراجم الكبار وأخبار الأخيار، من الأئمة المهتدين والعلماء العاملين، والفضلاء المحققين والمحققين الفاضلين، ممن لم يردْ بالعلم مماراةً ولا مباهاةً، ولا مجادلةً ولا مضاهاةً، بل قصر ليله على العبادة، ونهاره على الإفادة، ويقول الحقَّ، ويعملُ به، ويفعلُ الخيرَ، ويرشد إليه، ولا تأخذه في الله لومةُ لائم، ولا تصدّه عن الحق رهبةُ ظالم. ولا سبيل إلى هذا السبيل إلا بعد معرفتهم، والوقوف على درجاتهم، والإحاطة بأوصاف أخيارهم، والاطلاع على جملة أخبارهم، ففيه فوائد جمة. أولا: الاطلاع على مناقبهم ونباهتهم وجلالتهم، ليحصل التأدّبُ بآدابهم، والتخلّقُ بأخلاقهم. وثانيا: الاطلاع على مراتبهم ومدارجهم، فيؤمن به من تنزيل الأعلى إلى الأدنى، واختيار قول الأدنى على الأعلى عند تعارض أقوالهم. وثالثا: الاطلاع على مواليدهم وأعصارهم ووَفَياتهم، فيؤمن من جعل القديم حديثا والعكس. ورابعا: الاطلاع على أثارهم وحكاياتهم وتصانيفهم، فيحصل الشوقُ إلى الاهتداء والاقتداء. وخامسا: إنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين لنا، وأجدى علينا مصالح أخرتنا، التي هي دار قرارنا، وأنصح لنا فيما هو أعود علينا، فيَقْبُح علينا أن نجهلَهم، وأن نمهلَ معرفتَهم. قال الداعية الكبير أبو الحَسَن الندوي ﵀: كتب التراجم والسير في الإسلام - وهي أوسع مكتبة وأثراها في تاريخ أمة من الأمم العِلْمِيّ والتأليفيّ - زاخرة بهذه الأخبار التي تُثير الهممَ، وتُشْعِل الموَاهب، وتنفُخُ في القاريء روحا جديدة، وحَمَاسا جديدا، وتعالج الفُتورَ في الهمم، والقناعة بالدُّون، والخمودَ في الطبائع، والاشتغال بسَفَاسِف الأمور: معالجة رفيقةً حكيمةً، لا يستثقلُها القاريء، ولا يشعُرُ بمرارة الدواء أو لَذْع آلة الجراحة. وقد سبقَ في هذا المضمار علماءُ الشافعية، فبدأُوا مبكرين في النصف الأول من القرن الخامس للهجرة، قال التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى": فأول من بلغني صنَّف في ذلك الإمام أبو حفص عمر المطَّوِّعي المتوفى نحو سنة ٤٤٤ هـ، فصنّف كتابا، حماه "المذْهَب في ذكر شيوخ المذهَب"، ثم ألَّف القاضي أبو الطيب الطبَرى المتوفى ٤٠٥ هـ مختصرا، ثم ألَّف الإمام أبو عاصم العبَّادي المتوفى ٤٥٨ هـ كتابه، ثم ألَّف الأمام أبو إسحاق الشيرازى المتوفى ٤٧٦ هـ كتابه، وهو أيضا مختصر، وهو غير مقتصر على الشافعية، ثم ألَّف الحافظ عبد الله الجرجاني المتوفى ٤٨٩ هـ كتابه "الطبقات"، ثم ألَّف القاضي عبد الوهَّاب الشيرازي المتوفى ٥٠٠ هـ كتابه "تاريخ الفقهاء"، ثم ألَّف المحدث أبو الحسن البيهقى المعروف بفُنْدُق المتوفى ٥٦٥ هـ، وسماه "وَسَائل الألمعي في فضائل أصحاب الأمام الشافعي"، ثم جمع الإمام أبو النجيب السهروردي مجموعا، ثم جاء الشيخ ابنُ الصلاح المتوفى ٦٤٣ هـ، فألَّف كتابَه، وكان الكتاب مسودة، فأخذَه الشيخ الإمام النَّوَوي المتوفى ٦٧٦ هـ، وزاد فيه أساميَ قليلة، ومات، ثم بيَّضه أبو الحجَّاج المزّي المتوفى ٧٤٢ هـ، ثم ألَّف الشيخ عماد الدين بن باطيش المتوفى ٦٥٥ هـ كتابه، حتى جاء تاجُ الدين السبكى المتوفى سنة ٧٧١ هـ، فصنّف "طبقات الشافعية الكبرى". أما علماءُ الحنفية فقد تأخّرَ إلى القرن الثامن للهجرة، وكانتْ تراجمُهم في الزمان الماضي ضمنَ كتب التاريخ العامة، وتواريخ البلدان، وطبقات الأدباء، والشعراء، واللغويين، والفقهاء، والمحدثين، ثم قاموا بهذا الأمر الهام، فجاءوا بمؤلفات كثيرة في القرون: الثامن، والتاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، ترجمتْ لعلماء المذهب. ففي القرن الثامن ألَّف نجمُ الدين إبراهيم الطَّرَسُوسي المتوفى ٧٥٨ هـ "وَفَيات الأعيان من مذهب النعمان"، وألَّفَ صلاحُ الدين عبد الله ابن المهندس المتوفى ٧٦٩ هـ تاريخا كبيرا للفقهاء، ثم جاء الحافظ القُرَشي المتوفى ٧٧٥ هـ، فصنَّفَ "الجواهر المضية في طبقات الحنفية"، وقال حاجي خليفة: إنه أول من صنَّف في طبقات الحنفية. وفي القرن التاسع ألَّف صارمُ الدين إبراهيم القاهري المتوفى سنة ٨٠٩ هـ "نظم العقيان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان"، وهو كما ذكرَ حاجي خليفة في ثلاث مجلدات، وجاء بعده مجدُ الدين الفيروز آبادي السميرازي الشافعي المتوفى سنة ٨١٧ هـ، فألَّف كتابا، سمَّاه "المرقاة الوفية في طبقات الحنفية"، ثم صنّف تقي الدين أحمد المقْريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ "التذكرة"، وجمعَ منها قاسمُ بن قطلوبغا السودوني الجمالي المتوفى سنة ٨٧٩ هـ مادةَ كتابه "تاج التراجم"، وصنّف القاضي بدر الدين محمود العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ كتابا في طبقات الحنفية، ويذكر ابن الشّحنة في هوامشه على "الجواهر" أن الإمام مسعود بن شيبة السندي وابن سابق جمعَا طبقات أصحاب أبي حنيفة، ولابن الشّحنة هذا وهو أبو الفضل محمد بن محمد الثقفي الحلَبي المتوفى سنة ٨٩٠ هـ كتابٌ في طبقات الحنفية في عدة مجلدات. أما القرن العاشر فقد ألَّف شمسُ الدين بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ "الغرف العلية في تراجم متأخّري الحنفية"، وألَّف شمس الدين بن آجا محمد كتابا في طبقات الحنفية في ثلاث مجلدات، واختصر إبراهيم الحَلَبى المتوفى ٩٥٦ هـ كتابَ صلاح الدين ابن المهندس، كما اختصر "الجواهرَ المضية"، وألَّف محمد بن عمر المتوفى ٩٥٩ هـ كتابا في طبقات الحنفية، وصنّف المولى علي بن أمر الله الحنَّائى المتوفى ٩٧٩ هـ مختصرا، ذكرَ فيه المشاهيرَ، وألَّفَ محمودُ بن سليمان الرومى الكفوي المتوفى ٩٩٠ هـ "كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار"، يقع في ٥٧٣ ورقة، وألَّف قطب الدين محمد النهرُوَاني الهندي المتوفى سنة ٩٩٠ هـ كتابا في طبقات الحنفية في أربع مجلدات. أما القرن الحادي عشر، فألَّف تقي الدين التميمي "الطبقات السنية في تراجم الحنفية"، ثم ألَّف الملا على القاري المتوفى ١٠١٤ هـ "الأثمار الجنية في أسماء الحنفية". ثم في القرن الثالث عشر اشتغل الإمام عبد الحي اللكنوي المتوفى ١٣٠٤ هـ بهذا الأمر الجليل، فقال: إنه لو جمع تراجم رجال الحنفية في كتاب فسيصير المجموع أكبر، ففرَّقهم في عدّة كتب، كـ "مقدمة الهداية"، و"النافع الكبير"، و"مقدمة عمدة الرعاية"، و"مقدمة السعاية"، ثم لخَّص كتاب الكفوي، وسماه "الفوائد البهية في تراجم الحنفية"، وفرغ منه سنة ١٢٩٢ هـ، ثم انقطعت هذه السلسلة، ولم يؤلفْ كتاب في طبقات الحنفية يحتوي على السادات الحنفية الذين جاءوا بعده. فأوصاني وأرشدَني شيخى وأستاذي المحدّث الكبير البحَّاثة الناقد العلامة عبد الرشيد النعماني ﵀ ﷿، حينما أتممتُ مقالتي: "ما ينبغى به العناية لمن يطالع الهداية" تحت إشرافه في جامعة العلوم الإسلامية العلامة بنوري تاؤن بـ "كراتشى" إلى أن أؤلّف معجما كبيرا، يحتوي على جميع تراجم الأعلام الحنفية من المحدّثين والفقهاء، والسادات والنبلاء، فمن ذلك الحين لم أزلْ متشوّقا إلى استدراك أخبارهم، فإن الحاجة إليه لأصحابنا الحنفية أكثر، والاحتياج في بلادنا أظهر، فنظرتُ إلى الأسلاف والأكابر، فرأيتُهم أضم صنَّفوا في أحوالهم الدفاترَ، فمنهم من أفردَهم، كالحافظ عبد القادر الوفائي القُرَشى، والمجد الشيرازي، وقاسم بن قطلوبغا، والمَطب المكّى، والملا على القاري الهروي، وتقي الدين التميمى المصري، والعلامة عبد الحى اللكنوي، وغيرهم، ومنهم من خلطهم بغيرهم، كالجلال السيوطى، والحافظ الذهبي، والحافظ العسقلاني، والشمس السخاوي، والقطب اليافعي، والعلامة محمد خليل المرادي، ومحمد بن فضل الله المحبي، وغيرهم، رحمهم الله تعالى. فصرفتُ عنانَ العناية إلى جمع تراجمهم، فكم طالعتُ فيه من كتب السير والطبقات وأسفار حوادث السنين والأوقات، فحصل عندي من ذلك الحظ الأوفر، واختزن منه القدر الأكثر، فخطر في خلدى أن أجمع ذلك في مجموع، هو منتهى الجموع، فالَّفْتُ كتابا مفردا حاويا لتراجم السادات الحنفية، من البداية إلى زماننا هذا، يشتمل على أخبارهم وفضائلهم ومناقبهم، وذكر مؤلّفاتهم ومصنّفاتهم ومحاسن أشعارهم ونوادر أخبارهم، بحسب الطاقة ونهاية القدرة. وجعلت تراجمَ "الطبقات السنية" لتقى الدين التميمى في كتابي هذا مندمجةً، لكونه أكبر الكتب المتأخر، ونسخة "الطبقات" التي أمامنا من تحقيق الشيخ عبد الفتاح محمد الحلو، وناشرها دار الرفاعي بالرياض، وهذا الكتاب يوجد غير تام، آخر أرقام التراجم ١٣٨٨، وخُتِمَ في الطبع على فصل في من اسمه عُبيد، ومجموع التراجم في أصله ٣٠٣٤، فبعد عُبَيْدٍ اعتمدتُ على "الجواهر المضية" للقُرَشي، لأنه أكبر قبل "الطبقات"، ومجموع التراجم فيه ٢١١٥، فأول التراجم منها التي اندمجتْ في كتابي ترجةُ عتبةَ بن خيثمة برقم ٩١٣، فجاءتْ من "الجواهر" في كتابي هذا ١٣٠٢ ترجمةً، والمجموع من منها ومن "الطبقات السنية" ٢٦٩٠ ترجمةً، ومجموع تراجم كتابي ٦٢٧٠ ترجمة، فما بقي بعد هذين الكتابين من التراجم من الكتب الأخرى، عدد كبير منهم من رجال الهند، والسند وباكستان وبنغلاديش، وبلاد أخرى مختلفة. وقد صدَّرتُ أصلَ الكتاب بجزء مستقل، ذكرتُ فيه فوائد مهمة، لها ارتباط بعلم التااريخ، ودكرتُ أسماءَ الله الحسنى، وما يتعلق بها، وسيرةً وجيزةً لقرّة أعيُننا محمد بن عبد الله ﷺ، وفضائلَ صحابته البرَرَة ومناقبَهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وأسماءَ أصحاب الفتيا منهم، ومن التابعين، ثم ذكرتُ تراجمَ عبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس النخعى، وإبراهيم النخَعي، وحماد بن أبي سليمان، ثم دكرتُ سيرةَ إمامنا الأعظم أبي حنيفة النعمان ﵃ أجمعين بالبسط والتفصيل، سميتُه "البدور المضية في تراجم الحنفية". ورَتَّبْتُ التراجمَ على حروف المعجم كترتيب أكثر المؤرخين، ليكون الانتفاع أسهل، والتحصيل أكمل، وبدأتُ أولا الاسم الذي أوله همزة ممدودة، ثم ما كان أوله ألف، فيكون، (آدم) قبل (إبراهيم) لألفين في بدء الأول، و (محمد) قبل (محمود) لسبق الدال الواو، و (إبراهيم بن أحمد) قبل (إبراهيم بن أدهم) لتقدم الحاء الدال في اسمي الأبوين، وهكذا، لكني قدّمتُ في حرف العين من كان اسمه عبد الله على غيره ممن يبدأ ايمه بكلمة "عبد"، على طريق صاحب "الجواهر". أما ما كان مبدوءا بلفظ (أب) أو (أم) أو (ابن) أو (بنت) كأبي بكر، وأم سلمة، وابن أبيه، وابن أبي داود، فعددتُ الأب والأم ونظائرهما لغوا، وجعلت (أبا بكر) في حرف الباء مع الكاف، و (أم سلمة) في حرف السمين مع اللام، و (ابن أبيه) في حرف الألف مع الباء فالياء، و (ابن أبي دواد) في الدال مع الواو، واتخذتُ رسم الحروف أساسا، فجعلتُ (صدى) في حرف الصاد مع الدال والياء، ومومنا في حرف الميم مع الواو. ثم ذكرت في أواخر الكتاب أصحاب الكُنَى جميعًا في حرف الهمزة، قدمت من لم يعرف له اسمٌ سوى الكنية، ثم من له اسم، واشتهر بكنيته، وله ترجمة في حرف من الحروف، ذكرته باختصار، ولا أعدت له ترجة، وذكرت اسمه واسم أبيه ليسهل كشفه في محله. وذكرت جميع هذه الكُنَى مُرتبة ترتيب الأسماء، وبالنظر إلى ما بعد ذكر الأب، كأبي إبراهيم، ذكرت مُقدمًا على أبي أحمد، وأبي داود مُقدمًا على أبي ذر، وهكذا إلى آخر الحروف. وذكرت في آخر الكتاب بابًا للألقاب، وبابًا فيمن اشتهر بابن فلان، وبابًا في الأنساب. قدمت في كل من البابين الأولين من اشتهر بلقبه، واشتهر بأبيه ولم يعرف له اسم، ثم من له اسم منهما ذكرته باختصار، كما فعلته في الكُنَى. وأما الأنساب فقدمت فيها من لا يعرف إلا بالنسبة، ولم يذكر له في الكتاب ترجمة، وأما من ذكر له في الكتاب ترجمة، فقد ذكرته في نسبته، وتارة ما ذكرته، لأن ذكر جميع من انتسب في الكتاب إلى "الموصل" أو "الشام" أو "حماة" مثلًا في تلك النسبة، مما يطول شرحه، ويُميلّ ذكره، بلا كبير فائدة. والحقيقة أن هذا العمل الجليل المبارك ليس إلا نتيجة إرشاد أستاذنا وشيخنا النعماني، فجزاه الله ﷾ أحسنَ الجزاء وأطيبَه، وباركَ في هذا المشروع المبارك، ورزقَه حسنَ القبول لديه. وأيضا لا بدَّ من تقديم الشكر إلى سيدي وشيخي ملك العلماء المحدث الكبير العلامة عبد الحفيظ المكي أطال الله بقاءه، فإنه شجَّعني، ورغَّبني في هذا الباب، ودعا عند الله ﷾ للإتمام والإكمال. كما لا يسعُني في هذا المقام أن أنسى زميلي الخاص ورفيقى الشيخ مولانا المفتي محمد نعمان أحمد الكملائي، صاحب المؤلفات الكثيرة، رحمه الله تعالى، فإنه كان يزيدني همةً حينا بعد حين، رفع الله درجته في الجنة. ولا يسعني ههنا إلا أن أشكر بصميم قلبي كلَّ مَنْ ساعدَني، وأعانني من أهل الخير والصلاح في هذا الصدد بأيّ نوع كان، لاسيما تلامذتي الأربعة: الأخ في الله المفتي الفاضل روح الأمين، أستاذ قسم التخصص في الفقه الإسلامي بمركز الإسلام، محمد فور، داكا، والأخ الفاضل محمد الله شميم المانِكْغَنْجي، والأخ الفاضل محمد شميم أحمد الفريدفوري، والأخ الفاضل دين محمد الكُمِلائي، فإنهم أعانوني طوالَ هذه المدة في مراجعة الكتب والاستخراج والنقل، جزاهم الله تعالى أحسنَ الجزاء، وأكرمَهم بالفوز الكبير في الدارين، وتقبلهم وإيانا لخدمة العلم والدين. وإني وإن قصرت فما قصرت، وطولت فما تطولت، وغاية البليغ في هذا المضمار الخطير أن يعترف بالقصور، ويلتزم بالتقصير، فإن المرء ولو بلغ جهده فالإحاطة في هذا الشأن لله وحده. وقد شرعتُ في تأليف هذا الكتاب شهر شوَّال المكرَّم سنة ثلاثين وأربعمائة بعد الألف، وقد تم بعونه ﷾ بعد عشاء يوم الثلاثاء ليلة العاشوراء من محرَّم الحرام سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية، فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا كثيرا. وإلى الله أتضرع في سدّ خللي، وستر زللي، ودفن عيبي، إنه الجواد الكريم، ومنه الهداية إلى الصراط المستقيم. والله أسئل أن يتقبل من العبد الضعيف جهد المقل، وأن يفتح عليه بالعلم والعمل، وأن يرزقه فيهما الإخلاص والقبول، وأن ينفع بهذا الكتاب كل قاريء له وواقف، ويوفقني للمزيد راجيا من المنتفعين دعوة صالحة، يقول لهم الملَك عندها: ولك بمثل. وصلى الله وسلّم على سيّد الحامدين والشاكرين، وإمام الهادين والمتقين والزاهدين والعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ولله الحمد على ما أبدى وأسدى، وللآخرة خير لك من الأولى. وكتبه العبد الفقير إليه تعالى محمد حفظ الرحمن الكملائي خادم الطلبة بالجامعة الرحمانية العربية، داكا، بنغلاديش