page 417, entry [183]Open original source
١٤٩ - مالك بن أنس إمام دار الهجرة ذكرالحافظ ابن حجر مالك بن أنس في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: الإمام المشهور، يلزم من جعل التسوية تدليسًا أن يذكره فيهم، لأنه كان يروى عن ثور بن زيد حديث عكرمة عن ابن عباس، وكان يحذف عكرمة، وقع ذلك في غير ما حديث في "الموطأ"، يقول عن ثور بن زيد عن ابن عباس، ولا يذكر عكرمة، وكذا كان يسقط عاصم بن عبيد الله من إسناد آخر، وأنكر ابن عبد البر أن يكون تدليسًا (¬١). وقال الحافظ في "تقريب التهذيب": مالك بن أنس الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر. قال ابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (٢/ ١٩٤): سمعت يحيى بن معين يقول: إنما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة، لأن عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية. وسُئل الدارقطني كما في "العلل" (٢/ ٨ - ٩) عن حديث عثمان عن عمر: "ضع خدي بالأرض ويل لي إن لم يغفر الله لي". فقال: هو حديث يرويه عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عن عثمان: أنا آخر الناس عهدًا بعمر. قال: حدث به حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن عاصم بن عبيد الله كذلك. وخالفه مالك بن أنس فرواه عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عن عثمان، ولم يذكر بينها عاصم بن عبيد الله. وقيل: عن مالك عن يحيى بن سعيد عن حمران بن أبان عن عثمان قاله أبو خليفة عن القعنبي، ووهم فيه أبو خليفة. ورواه الثوري عن عاصم بين عبيد الله عن أبان بن عثمان عن عثمان عن عمر، ولم يذكر فيه عبد الرحمن بن أبان. وهذا الاضطراب فيه من عاصم بن عبيد الله، ووهم مالك في قوله: عن يحيى عن عبد الرحمن بن أبان، أو تعمد إسقاط عاصم بن عبيد الله، فإن له عادة بهذا أن يسقط اسم الضعيف عنده في الإسناد مثل عكرمة ونحوه. وانظر أيضًا "علل الدارقطني" (٦/ ٦٣). وقال الخطيب البغدادي في "الكفاية" (ص ٥٢٠): ويقال إن ما رواه مالك ابن أنس عن ثور بن زيد عن ابن عباس، كان ثور يرويه عن عكرمة عن ابن عباس وكان مالك يكره الرِّواية عن عكرمة، فأسقط اسمه من الحديث وأرسله، وهذا لا يجوز، وإن كان مالك يرى الاحتجاج بالمراسيل، لأنه قد علم أن الحديث عمن ليس بحجة عنده، وأما المرسل فهو أحسن حالة من هذا، لأنه لم يثبت من حال من أرسل عنه أنه ليس بحجة. وذكر ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٦٦ - ١٦٧) حديث مالك عن ثور ابن زيد الديلي عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، ثم قال: هكذا هذا الحديث في "الموطأ" عند جماعة الرواة عن مالك عن ثور بن زيد عن ابن عباس ليس فيه ذكر عكرمة، والحديث محفوظ لعكرمة عن ابن عباس، وإنما رواه ثور عن عكرمة. وقد روى عن روح بن عبادة هذا الحديث عن مالك عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان ثم ساقه إلى آخره سواء. وليس في "الموطأ" هذا الإسناد عكرمة، وزعموا أن مالكًا أسقط ذكر عكرمة منه لأنه كره أن يكون في كتابه لكلام سعيد بن المسيب وغيره فيه، ولا أدري صحة هذا، لأن مالكًا قد ذكره في كتاب الحج وصرح باسمه ومال إلى روايته عن ابن عباس، وترك رواية عطاء في تلك المسألة، وعطاء أجل التابعين في علم المناسك والثقة والأمانة. روى مالك عن أبي الزبير المكي عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس أنه سُئل عن رجل وقع على امرأته وهو بمنى قبل أن يفيض فأمره أن ينحر بدنة. وروى مالك أيضًا عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة مولى ابن عباس قال: أظنه عن ابن عباس أنه قال: الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي. وبه قال مالك. قال أبو عمر: عكرمة مولى ابن عباس من جلة العلماء، لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه، لأنه لا حجة مع أحد تكلم فيه، وقد يحتمل أن يكون مالك جبن عن الرِّواية عنه، لأنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يرميه بالكذب، ويحتمل أن يكون لما نسب إليه من رأى الخوارج، وكل ذلك باطل عليه إن شاء الله. وقال الذهبي في "السير" (٥/ ٢٦): قال معن وغيره: كان مالك لا يرى عكرمة ثقة، ويأمر أن لا يُأخذ عنه. قال يحيى بن معين: كان مالك يكره عكرمة. قيل: فقد روى عن جل عنه؟ قال: شيء يسير. وقال ابن المديني: لم يسم مالك عكرمة في شيء من كتبه إلا في حديث ثور عن عكرمة عن ابن عباس في الذي يصيب أهله وهو محرم، قال: يصوم ويهدي وكأنه ذهب إلى أنه يرى رأي الخوارج، وكان يقول في كتبه عن رجل. وروى الربيع عن الشافعي قال: ومالك سيء الرأي في عكرمة، قال: لا أرى لأحد أن يقبل حديثه. وقال ابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح" (٢/ ٦١٨ - ٦٢١): ومثال ما لا يدخل في التدليس ما ذكره ابن عبد البر وغيره أن مالكًا سمع من ثور بن زيد أحاديث عكرمة، عن ابن عباس رضى الله عنهما، ثم حدث بها عن ثور عن ابن عباس وحذف عكرمة، لأنه كان لا يرى الاحتجاج بحديثه. فهذا مالك قد سوى الإسناد بإبقاء من هو عنده ثقة، وحذف من ليس عنده بثقة. فالتسوية قد تكون بلا تدليس، وقد تكون بالإرسال، فهذا تحرير القول فيها. وقد وقع هذا لمالك في مواضع أخرى: ١ - فإنه قد روى عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام عن عائشة وأم سلمة -رضى الله عنهما- في الصائم يصبح جنبًا، وإنما رواه عبد ربه عن عبد الله بن كعب الحميري عن أبي بكر بن عبد الرحمن -رضى الله عنه- كذا جزم به ابن عبد البر، وكذا أخرجه النسائي من رواية عمرو ابن الحارث عن عبد ربه. ٢ - وروى مالك عن عبد الكريم الجزري عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضى الله عنه في الفدية، وإنما رواه عبد الكريم عن مجاهد عن ابن أبي ليلى كذا قال ابن عبد البر أيضًا. ٣ - وروى مالك عن عمرو بن الحارث عن عبيد بن فيروز عن البراء رضى الله عنه في الأضاحي، وإنما رواه عمرو عن سليمان بن عبد الرحمن بن عبيد، كذا رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث، وهو مشهور من حديث سليمان المذكور، حدث به عنه شعبة والليث وابن لهيعة وغيرهم. فلو كانت التسوية تدليسًا لعد مالك في المدلسين، وقد أنكروا على من عده فيهم. قال ابن القطان: ولقد ظن بمالك على بعده عنه عمله. وقال الدارقطني: أن مالكًا ممن عمل به وليس عيبًا عندهم. وإذا تقرر ذلك فقول شيخنا في تعريف التسوية: "وصورة هذا القسم أن يجيء المدلس إلى حديث قد سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الضعيف عن شيخ ثقة، فيسقط المدلس الشيخ الضعيف ويسوقه بلفظ محتمل، فيصير الإسناد كلهم ثقات، ويصرح هو بالاتصال عن شيخه لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي رده .. " إلى آخر كلامه تعريف غير جامع، بل حق العبارة أن يقول: أن يجيء الراوي -ليشمل المدلس وغيره- إلى حديث قد سمعه من شيخ، وسمعه هذا الشيخ من آخر عن آخر، فيسقط الواسطة بصيغة محتملة، فيصير الإسناد عاليًا وهو في الحقيقة نازل، ومما يدل على أن هذا التعريف لا تقييد فيه بالضعيف أنهم ذكروا في أمثلة التسوية ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن عبد الله بن الحنفية عن أبيه عن علي رضى الله عنه في تحريم لحوم الحمر الأهلية. قالوا: ويحيى بن سعيد لم يسمعه من الزهري، إنما أخذه من مالك عن الزهري، هكذا حدث به عبد الوهاب الثقفي وحماد بن زيد وغير واحد عن يحيى ابن سعيد عن مالك، فأسقط هشيم ذكر مالك منه، وجعله عن يحيى بن سعيد عن الزهري. ويحيى فقد سمع من الزهري، فلا إنكار في روايته عنه، إلا أن هشيمًا قد سوى هذا الإسناد، وقد جزم بذلك ابن عبد البر وغيره. فهذا كما ترى لم يسقط في التسوية شيخ ضعيف، وإنما أسقط شيخ ثقة، فلا اختصاص لذلك بالضعيف والله أعلم.