page 555, entry [2331]Open original source
٢٢٤٠ - عبد الله بن محمد بن أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون البدر أبو محمد بن أبي عبد الله بن أبي الفضل: اليعمري الأيدي ثم الجبائي التونسي الأصل، نزيل المدينة وقاضيها المالكي ومؤرخها ووالد محمد وأخو علي ومحمد المذكورين في مجالهم، ولد في يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وكان أول أولاد أبيه وأمه، وأمه: هي الشريفة ابنة عبد الواحد الحسيني صالحة، وكذا أختها خالته: خديجة بل وأمهما وهي زينب ابنة داود أنصارية من قدماء الصالحات، فهو كريم الجدود، وسمع من الرضي الطبري: الصحيح والشمائل للترمذي والثقفيات، ومن أبي عبد الله محمد بن علي الغرناطي: الموطأ رواية يحيى بن يحيى، وأجاز له الدمياطي: وأبو عبد الله محمد بن الحسين البغوي، وغيرهما، وحدث بالخلعيات عن البغوي هذا بقراءة المحدث نور الدين البغوي، سمعها عليه الحفاظ، وكذا حدث: «بالأنباء المبينة عن فضل المدينة» للبهاء أبي محمد القاسم بن علي بن الحسن بن عساكر عن الرضي الطبري والشرف أبي بكر محمد بن عبد الحميد بن محمد بن عبد الله القرشي المصري الشافعي إجازة منهما ومشافهة من أولهما-غير مرة-في سنة سبع عشرة وسبعمائة بمكة بقراءة عبد السلام بن محمد الكازروني، وممن سمع عليه: الزين أبو بكر المراغي، وأقام بالمدينة النبوية من سنة بضع وعشرين إلى أن مات لم يخرج إلا للحج، وحج نيفا وأربعين حجة، وناب في الحكم بالمدينة عن التقي عبد الله بن عبد المؤمن الهوريني والبدر حسن بن أحمد القيسي، ثم استقل بقضاء المالكية في سنة خمس وستين إلى أن مات في شهر رجب سنة تسع وستين وسبعمائة، وهو صاحب تاريخ المدينة «نصيحة المشاور وتغذية المجاور» وله نظم كثير، ختم تاريخه بعدة قصائد منه، وترجمته مفرقة في تاريخه فتطالع وتجمع، ومن شيوخه: أبو القمر الطنجي المغربي، قرأ عليه الفرائض والحساب واختص به ولازمه بالمدينة ثم بمكة حتى مات، وأبو عبد الله القصري، وكان هو باب الخير والسعادة، وساعده حتى استقر في درس أبي الحسن المزيني صاحب المغرب، وكذا استقر في تدريس المدرسة الشهابية بعناية أبي عبد الله الوادياشي وأبي عبد الله بن الحداد حين التمس منهما أخوه علي-في مصر-مساعدته عند القاضي تقي الدين الأخناني بشهادتهما بثبوت أهليته حيث توقف القاضي في إجابته إلا بعد ثبوتها فشهدا بها، وأمضاه ابن الأثير كاتب السر، وكتب له المرسوم بذلك عن الناصر محمد بن قلاوون، وممن روى عنه: الزين عبد الرحمن بن صالح المدني والمسند أبو الفرج عبد الرحمن بن عمر بن عبد الرحمن المقدسي، وقد رأيت في ترجمة الجلال أحمد بن محمد بن الخجندي-مما قاله ولداه:-إن الجلال لقي البدر هذا، وقد بلغ نيفا وسبعين سنة، وسمع عليه مسند الطيالسي وبعض الصحيحين قال: ومنذ ولد في المدينة ما خرج منها إلا إلى مكة، وله نحو ستين وقفة وجل اشتغاله في كل عمره بالقرآن والحديث والفقه وملازمة الحرم النبوي، ومات في ربيع الآخر عن سبع وسبعين سنة، وفيه مخالفات لما تقدم، وقد أرخ ابن أخيه البرهان ابراهيم بن علي-في طبقات المالكية له-وفاته، وأنها في يوم الجمعة عاشر من ربيع الآخر، وقال: إنه قرأ القرآن على الشيخ أبي عبد الله القصري المقري وروى عنه، وسمع الحديث بالمدينة على والده وأبي عبد الله محمد بن حريث البلنسي ثم السبتي خطيب سبتة وفقيهها وعلى العز يوسف الزرندي والجمال محمد بن أحمد المطري، والشرف الزبير الأسواني والسراج الدمنهوري وأبي عبد الله بن جابر الوادياشي والقطب بن مكرم المصري والزين الطبري، وبمكة من الرضي الطبري وغيره، وخرج له الشرف ابن سكر المصري، نزيل مكة، مشيخة كبيرة حافلة مشتملة على شيوخه ومروياته، وعن والده أخذ الفقه والعربية، وكان من الأئمة الأعلام، ومصابيح الظلام، عالما بالفقه والتفسير وفقه الحديث ومعانيه، وسمعته يقول: لزمت تفسير ابن عطية حتى كنت أحفظه، وبرع في العربية وتصانيفه فيها شاهدة له بذلك، ولما لقيه أبو حيان ووقف على كلامه في إعراب «بانت سعاد» قال: ما ظننت أنه يوجد بالحجاز مثله واستعظم ذلك عليه وأثنى عليه، وسمعته يقول: اشتغلت في العربية وأنا ابن ثمان عشرة سنة، وتخرج عليه فيها جماعة فضلاء، وكانت مشاركته في أصول الدين حسنة، وحدث ودرس وأفاد، وإليه انتهت الرياسة بالمدينة النبوية، أقام مدرسا للمالكية ومتصدرا للاشتغال بالحرم النبوي أكثر من خمسين سنة، وانفرد في آخر عمره بعلو الإسناد، فلم يكن بالمدينة أعلى إسنادا منه، وكان صبورا على الإسماع والاشتغال كهفا لأهل السنة يذب عنهم ويناضل الأمراء والأشراف، وانتهى بذلك إلى أن امتحن، فرصد في السحر بطريق الحرم فطعن طعنة عظيمة أريد فيها قتله فصرف الله شرها وعافاه منها، وكان عليه مدار أمور الناس بالمدينة، وناب في القضاء نحو أربع وعشرين سنة، وأم في المحراب النبوي في بعض الصلوات، ودعي إلى أن يقوم بالإمامة والخطابة نائبا فامتنع إعظاما للمقام النبوي، وكان كثير التلاوة ليلا ونهارا خصوصا في أواخر عمره حتى إني شاهدته في أيام الموسم والناس في أشد ما هم فيه من الاشتغال مشغولا بورده في التلاوة لا يقطعه عنه شيء، وكان يحيي غالب الثلث الأخير من الليل بالصلاة والتلاوة من حداثة سنه إلى أن ثقل بمرض الموت، وكان مواظبا على الصف الأول من الروضة النبوية نحو ستين سنة وما يفتح باب الحرم في السحر إلا وهو على الباب وحج نحو خمس وخمسين حجة، ولم يخرج من المدينة إلى مكة إلا للحج حتى مات، وقال في آخر حجاته: هذه حجة الوداع، وكان ممن جمع الله له العلم والعمل والدنيا والدين، وكان أعظم أهل المدينة يسارا وأكثرهم عقارا وأوسعهم جاها وأنفذهم كلمة وأعظمهم حرمة وألينهم عريكة وأحسنهم بشاشة وبشرى، وكان صبورا على الأذى يجزئ بالسيئة الحسنة ويسع الناس بخلقه ويواسي الفقراء بمعروفه ويقتل أعداءه ببره ويحفظ من مات منهم في ذريته، وبهمته وسياسته أزال الله تعالى أحكام الطائفة الإمامية من المدينة، فعزلت قضاتهم وانكسرت شوكتهم وخمدت نارهم، وذلك: أنه لما باشر الأحكام نيابة عن القاضي تقي الدين الهوريني في سنة ست وأربعين وسبعمائة-سعى في عزل قضاتهم. فنودي في شوارع المدينة بتبطيل أحكامهم والإعراض عن حكامهم، فكان ذلك أول أسباب قوة أهل السنة وإخماد البدعة وعلو أمرهم وكم له من حسنات في تمهيد إعزاز السنة وإخماد البدعة، وله تواليف في أنواع شتى، منها: «الدر المخلص من النقص والمخلص»، جمع فيه بين أحاديث الكتابين، وشرحه في أربع مجلدات سماه: «كشف الغطا في شرح مختصر الموطأ» وهو شرح عظيم، وشرح: «مختصر التفريع» لابن الجلاب البيلي. سماه «كفاية الطلاب في شرح مختصر الجلاب»، وله: «شرح قواعد الإعراب» لابن هشام، و «نهاية الغاية في شرح الآية» أسئلة وأجوبة على آيات من القرآن و «العدة في إعراب العمدة» يعني عمدة الحديث، جمع فيه وجوه الإعراب واللغة والاشتقاقات، وسلك فيه مسلكا غريبا لم يسبق إلى مثله وهو آخر ما ألف، وقرئ عليه يسيرا، و «التيسير في محكمي البناء والتغيير» في النحو و «المسالك الجلية في الفوائد العربية» و «شفاء الفؤاد في إعراب بانت سعاد»، وكتبه كلها في غاية الجودة والإتقان، ولما أحسّ بالمرض أمر بحفر قبره وبصدقة واسعة على الفقراء فرنا تصرف عليهم غلته في كل يوم، واعتق في حياته عدة عبيد وإماء، وكان له خادم في الحرم تقرب بخدمته للضريح النبوي، وكان مطمئن النفس بلقاء الله ﷿، مستحضرا لما ينبغي استحضاره ولما دخل في السياق ذكرته فقال: ما أنا غافل، وشبيه هذا الجواب: ما وقع للتاج الفاكهاني، حين تشهد صهره الفقيه ميمون بحضرته-فإنه فتح عينيه وأنشد: وغدا يذكرني عهودا بالحمى … ومتى نسيت العهد حتى أذكرا؟ وقد ترجمه المجد. فقال: أول من رأيته ووقع نظري عليه من أهل العلم بالحرم الشريف. وذلك في حوالى الخمسين والسبعمائة، فشاهدت منه طود وقار وعلم لا يهتدي إلى تياره احتقار وغزارة فضل للناس إلى مرى مريا مرية افتقار، ووقارة حشمة ورياسة وأدب دون نصيف من مدها الأحمال والأوقار، ناب في الحكم سنين عديدة وعقيدة عوارفه لجميع الناس عبيدة، إليه يشار في حفظ الأواخر وعليه بادئ بداءة الخناصر ويغضب لدين الله ونصره حيث لا معين ولا ناصر، طنت بذكره البلاد من اليمن إلى العراق ومن أم خنور إلى خناصر وحنّ كل إلى لقاء ما شاع عنه من غزارة الفضل وطيب العناصر، وأنشد له قصيدة طويلة وعقبها بأنه أعقب أولادا أحيوا ذكره بالمآثر، ورفعوا لأقدامهم منابر المفاخر، وتولى كبيرهم منصب الحكم استقلالا، وباشر مباشرة قال لها لسان الحال: هكذا هكذا وإلا فلا لا، وقد ذكره الولي العراقي في وفياته لكن في سنة سبع وستين، وهو غلط في تقديم السين، وذكره شيخنا في درره، وقال: الأندلسي الأصل بدل التونسي.