page 536, entry [2272]Open original source
٢١٨١ - عبد الله بن عمر بن موسى، أبو محمد اليشكري المغراوي: الشيخ الصالح الولي الرباني، كان في بلاده من أكابرها في النسب ومن أعيانها في المال والحسب، فخرج عن ذلك كله وانقطع إلى الله ورسوله، وخرج مجردا فقيرا وصحب مشايخ وقته بشرق البلاد وغربها: كالشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد المرجاني وغيره، ونقل عن المرجاني أنه كان يقول لا يجوز استنباط معنى من لفظ إلا بخمسة شروط: أن لا يخل بالفصاحة ولا بالمعقول، ولا بالمنقول، وأن يكون اللفظ يحتمله، وأن يؤخذ من روحانية ذلك اللفظ. قال: واحترزنا بالأخير عن أن يؤخذ من معنى يشبهه مقالة: ماء الورد وماء النسرين فكلاهما مشتبه ولكل منهما خاصية، ثم أوى إلى المدينة الشريفة في وقت شديد على قدم التجريد، فأقام أولا بالمدرسة الشهابية مدة ثم انتقل إلى رباط دكالة ومعه جماعة من أهل المجاهدة والصبر، فمكث به سنين لا يعلم بحاله ولم يتعرض لزوجة ولا ولد بل كان هو وأصحابه يطوون الأيام على غير شيء من الطعام، قاله ابن فرحون. قال: وأخبرني بعض خدامه أنه كان له أصحاب مغاربة مثل يوسف وحسن الخولانيين ومحمد المكناس إذا جاءوا من عملهم في الحدائق حملوا معهم شيئا من رمام البقول التي لا تصلح إلا للدواب كالسلق وبقايا اللفت وما أشبههما، فيأخذه خادمهم فيسلقه ويضعه في قصعة إلى أن يفرغوا من صلاة العشاء، فيقدمه لهم وهم صائمون، فيأخذ كل منهم كفايته، وما فضل منهم أخذه الخادم ورماه خارج باب المدينة لتأكله البهائم، واستمر على ذلك سنين لا يعملون غيره إلا في النادر حتى فطن بهم بعض الناس، فكان يأتيهم بشيء من الأعشار كعشر الشعير والتمر منهم سنجر تركي الأمير سنجمار وأبو شميلة الرازنجي فترفع حالهم وكثر أتباعهم ومال الناس إليهم ولما رأوا من خيرهم واعتزالهم. ثم قصدهم الخدام وصحبوهم واشتهروا في البلاد. ذكر صاحب الترجمة فكان يقصد من البلاد البعيدة كاليمن وغيرها، وبسط يده بالإنفاق حتى كان لا يدخر شيئا ولا يرد فقيرا ولا يبيت على معلوم. كان إذا قدم عليه أحد من مكة أضافه ووانسه ثم يقول له: ارفع طرف الحصير، فيرفعه فما وجد تحته فهو له كثيرا كان أو قليلا، وإذا أطعم الفقراء لم يدع في بيته قمحا ولا سمنا ولا عسلا بل يعمل لهم الجميع، حتى أنه عمل يوما للفقراء طعاما ولم يجد له أداما غير برنية شراب أهديت له لمرض كان به، فأمر بصبها وائتدامهم بها، وظهرت له في الناس كرامات وأخبار بالمغيبات حتى انعطف الناس عليه لعلمه وعمله وكرمه وحسن خلقه، وكان مع ذلك مهيبا في جماعته بل في الحرم كله. قال لي من أثق به: إنه كان إذا دخل المسجد خضع له كل من فيه كبير وصغير، ومتى رأى منكرا غيره بلسانه أو بيده ولا يأتيه مظلوم إلا شفع له، فإن أجيب وإلا عجلت عقوبة الظالم في الوقت، أخبرني من أثق به: أن الشيخ أبا العلاء إدريس تكلم بكلام وصل إلى الأمير جماز، فغضب عليه وأمر بإخراجه من المدينة، وذلك أن شيخ الخدام في وقتهم كان يحسن إليه وإلى سائر المجاورين ويفرق عليهم من السنة إلى السنة قدر كفايتهم وعيالهم، وكان شيخ الخدام يومئذ يجري في الأوقاف مجرى أهل المدينة في مغارساتهم ومعاملاتهم على جاري العادة في المدينة وأحكام قضاتها، ولهم عادة في المغاربة غير جائزة بإجماع الأئمة، والأملاك لا تعمر إلا بها ولا يرغب في خدمتها إلا من يأخذها بذلك، فبلغ ذلك أبا العلاء المذكور وكان من الورعين الزاهدين، فلما جاء وقت تفرقة التمر على المجاورين أرسل إليه بنصيبه على العادة، فتورع ورده، وجاء الشيخ وقال له: لأي شيء ترد التمر، وأنت لم تزل تأخذه؟ فإذا كنت غنيا عنه صرفته على مستحقيه ولا ترده في وجهي؟ فقال له: أنت خالفت في الأوقاف المعاملة الشرعية وعملت فيها بما لا يجوز وأدخلت علينا الشبهة فيما نتناوله منها، وهذا لا يجوز لك ولا يحل لنا أن نأخذه منك. فاشتد عليه كلامه وكون ذلك ينقل عنه وكانوا يغارون على عرضهم ودينهم من مثل هذا ودونه وكأنه شكى حاله معه إلى الأمير جماز، وكان بينه وبين الشرفاء خلة وصحابة أكيدة، فاغتاظ الأمير وأمر بإخراج أبي العلاء من المدينة. فبلغ ذلك صاحب الترجمة والجماعة، فعز عليهم وأرسل إليه صاحب الترجمة ليترك له صاحبه ولا يشدد عليه ويرد الأمير عنه فلم يفعل، فقيل لي: إنه بعث إليه جماعة من أصحابه بعد العشاء فدخلوا عليه بيته فوجدوه مضطجعا على سريره، فوقفوا بين يديه كاشفين عن رؤوسهم في الاستغفار فغفل عنهم، فنام وعليه النوم، فما استيقظ حتى ذهب جانب من الليل، فوجدهم قياما على حالهم، فعز عليه وقال: اذهبوا حتى يأتيني هو بنفسه أو نحو ذلك. فرجعوا بدون قضاء حاجة وأخبروا صاحب الترجمة بذلك، فاغتاظ وخرج لصلاة الصبح، فاجتمع بالقويطي بن أبي النصر مفتي الإمامية وشيخهم وكان يعتقد (في) صاحب الترجمة، فحكى له الحكاية، فجاء إلى شيخ الخدام فكلمه فأنعم له وقبل شفاعته ثم جاء وأعلم صاحب الترجمة بذلك ليكون له عليه بذلك يد، فلما خرج، جمع صاحب الترجمة أصحابه وحكى لهم ما جرى من شيخ الخدام في عدم قبول الفقراء وقبوله ابن أبي النصر، فتغيرت خواطرهم عليه فمرض من حينه واشتكى حتى طلب منهم المحاللة والرضى فنفذ فيه السهم وانقضى الأمر، فقضى. وأخبرني الجمال المطري وكان ملازما خدمتهم لأن مسكنه في الحجرة التي عند باب رباطهم أن صاحب الترجمة لما دخل مكة قصد زيادة النجم الأصبهاني، فلما جلس إليه أراد أن يسأله عن اسمه، فبدره وقال: اسمي مكتوب بين عينيك، ففهم مقاله، وأنه كاشفه وأنه اسمه كإسمه عبد الله، واتفق أنني لما عزمت على التوجه لمكة من طريق الماشي في حال الشبوبية سنة عشر وسبعمائة ظنا، جاء أبي إليه وأعلمه بذلك، فأمره أن يرسلني إليه فجئته، فقال لي: بلغني أنك تريد مكة؟ فقلت: نعم لأجل العمرة في رمضان، فقال لي: من رفقتك؟ فذكرت له جماعة من الفراشين وغيرهم، فقال لي: ليس في هؤلاء من هو من جنسك ولا من تليق بك مرافقتهم ولكن اصبر قليلا حتى ننظر لك رفقاء، فقلت له: قد ضاق الوقت ومضى أكثر رمضان، فقال لي: اسمع ما أقول لك فذهبت عنه ووثقت بوعده. فما كان إلا قليلا، وورد الشيخ محمد بن عمران الخضري وجماعة من الصالحين للزيارة فدعاني الشيخ وقال: سافر مع هذا، فسافرت معهم. فرأيت منه ومن أصحابه من الخدمة والمؤانسة ما لو كان والدي معي لم يبلغه ولم أحمل معهم سوى عصاي، فدخلت مكة ليلة ثامن عشري رمضان وخرجت يوم العيد متوجها إلى المدينة مع الشيخ الصالح محمود اللاري، ذي الأخلاق الحميدة والمعاشرة الجميلة والديانة التامة والمبادرة لانتظار الصلاة من أول الوقت، فصحبته بإشارة الشيخين أبوي عبد الله النحوي والشريف الفاسي، فكان نعم الصاحب … ووصلت المدينة في ستة أيام. وكان ذلك كله ببركة رأي صاحب الترجمة وخاطر والدي، وكان صاحب الترجمة قد ابتلي في آخر عمره بالبواسير وانقطع في بيته لذلك ولزم حجرته وقاسى منه مقاساة شديدة بحيث كان يقول: لو جاز لي سؤال الموت لسألته، من شدة ما قاسى، وله من المناقب والأحوال العلية ما لا أحصيه، وهو صاحب القصيدة الجليلة السائرة المباركة التي أولها: دار الحبيب أحق أن تهواها … وتحن من طرب إلى ذكراها ورأى بعض الصالحين، وأشك أهو صاحبها، أو غيره؟ -النبي ﷺ في المنام فأنشده إياها، فلما بلغ آخرها، وهو قوله: والحمد لله الكريم، وهذه … كملت وظني: أنه يرضاها قال له ﷺ: رضيناها، رضيناها، وممن أخذ عنه عبد الواحد الجزولي الآتي، وذكره المجد فقال: الشيخ أبو محمد ذو المقامات الفاخرة والكرامات الظاهرة والولاية العلية والعناية الجلية والزند الوري بالأنوار والقلب الروي بالأسرار. كان أعبد مشايخ أهل عصره وأزهدهم وأقدرهم على الرياضة وأجهدهم وأعلاهم في الطريق عنانا وأحلاهم في التحقيق أمانا، أعرض من طرق بلاده وسافر عن دياره وبلاده وهاجر إلى الله على قدم التجريد وانقطع بإخلاصه إلى عالم التحقيق والتفريد، شرق البلاد وغرب، وخبر العباد وجرب وصحب المشايخ المحققين وانتفع بجماعة من أرباب اليقين، ثم انضوى إلى المدينة بنية الجوار وألقى بفنائه عصى التسيار وصادف وروده زمان سطاف وكليا حكى منه المزارع أطراف عصاف فأقام بالمدرسة الشهابية مدة، ولم يكن له غير التوكل عمدة وعدة ثم انتقل إلى رباط دكالة والنفس غير حريصة ولا أكالة، فمكث بها سنين لا يعلم بها أحد حاله، وفي خدمته جماعة من المجاهدين يصارعون الطوى ويقارعون البلاد كأزهد الزاهدين، يطوون مراحل الأيام بقليل من الطعام. كان لهم فقراء معارف عرفوا بالآخرة حالهم وكانوا إذا فرغوا في الحدائق أشغالهم، الغير المحمية، حملوا لهم من سقاطات اللفت والسلق المرمية ورقاب الجزر والبقول اللحمية وأتوا بها اليهم كأنما أنعموا بجزيل من النعم عليهم، فيأخذه خادمهم ويسلقه بالماء، فإذا رجعوا من صلاة العشاء تناولوا منه لقما وما فضل من ذلك أخذه الخادم ورمى به خارج البلد لتأكله البهائم، استمروا على ذلك أعواما لا يعرفون غير ذلك طعاما ولا أداما ففطن لهم بعض الناس فكان يأتيهم بشيء من عشر التمر والشعير ويجتزؤن بذلك بأيسر من اليسير إلى أن انتشر صيتهم واشتهرت أخبارهم وكثر أتباعهم وروادهم والتف عليهم الأعيان والخدام وقصدوا من اليمن والشام، وكان الشيخ ﵀ يأبى العيش الرغد ولا يدخر شيئا لغد ولا يرد المسكين والفقير ولا يتعدى في الملبس خلق نقير ويتصدق بجميع ما حضر من القليل والكثير، فيقول للسائل: ارفع الحصير وخذ ما تحت الحصير، وإذا أطعم الفقراء حق الأنعام حتى لم يدع في بيته البتة شيئا من الشراب والطعام، واشتهر عنه سيرة السلف الغابرين، وكذلك عن أصحابه الأخيار الصادقين الصابرين، وكان الشيخ ﵀ إذا دخل المسجد خضع لهيبته كل انسان وإذا رأى منكرا بادر إلى إنكاره باليد، وإلا فباللسان، وكان من باهر كراماته أنه إذا تظلم إليه مظلوم شفع له، فإن شفع فيه وإلا لحق الظالم في الحين منها عقوبة ما فعله، وفي الجملة فله المناقب السنية والمراتب العلية وله القصيدة المباركة المشهورة التي منها: دار الحبيب أحق أن تهواها … وتحن من طرب إلى ذكراها والحمد لله الكريم، وهذه … كملت، وظني أنه يرضاها رأى بعض الصالحين النبي ﷺ في المنام، وقد أنشده هذه القصيدة وهو ﷺ يقول: رضيناها رضيناها، انتهى، وممن روى القصيدة عنه سماعا غير مرة عبد الله بن محمد بن أحمد المطري، ورويناها عن أبي هريرة القبائي إذنا عن العفيف، وعند ابن صالح: عبد الله البسكري. كان رجلا صالحا معتقدا يحسن الخياطة ويشفق على الضعفاء والمساكين ويحب الخير وأهله. تزوج بالمدينة الفقيه على ابن فرحون وتقدم في مشيخة رباط دكالة ومات بالمدينة ودفن بالبقيع انتهى، وكأنه هذا.